Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ظاهرة التريند رؤية إسلامية في صيانة الخصوصية

الكاتب

هيئة التحرير

ظاهرة التريند رؤية إسلامية في صيانة الخصوصية

تحولت ظاهرة "التريند" في العصر الرقمي إلى هوس جماعي يلاحق الشهرة والمكاسب على حساب الخصوصية، فصار انتهاك الأعراض وتجاوز حدود العام والخاص سلعة رائجة، وهنا تبرز الحاجة إلى الرؤية الإسلامية وأخلاق الوحيين لضبط الرقابة الذاتية وصون المجتمع من مخاطر التجسس الرقمي.

مفهوم الخصوصية في الإسلام ومكانة "الستر"

إن مفهوم الخصوصية في الإسلام ليس مجرد ترف فكري أو حقٍّ قانونيٍّ وضعي يمكن التنازل عنه، بل هو ضرورة شرعية وقيمة أخلاقية، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بكرامة الإنسان التي كفلها الله تعالى، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].

وقد بيَّن الإمام ابن جرير الطبري أن الله تعالى شرَّف بني آدم جميعًا، برَّهم وفاجرهم، بأنواع من وجوه التكريم الظاهرة والباطنة، ومن ذلك: تمييزهم بالعقل، وتسخير كثير من المخلوقات لهم. [ابن جرير، جامع البيان ( ١٥/٥) بتصرف].

وقال القرطبي: "أَيْ: جَعَلْنَا لَهُمْ كَرَمًا، أَيْ: شَرَفًا وَفَضْلًا، وَهَذَا هُوَ كَرَمُ نَفْيِ النُّقْصَانِ لَا كَرَمَ الْمَالِ". [ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (١٠/٢٩٣، ٢٩٤) ].

ويقوم هذا التكريم، فيما يتعلق بالخصوصية المصونة، على ركيزتين أساسيتين:

· حرمة الحياة الخاصة

جعل الإسلام بيوت الناس وأسرارهم وحياتهم الخاصة مصونة، فلا يجوز انتهاكها بأي صورة من الصور. ولذلك شرع أحكامًا تفصيلية، كوجوب الاستئذان، وغض البصر، وتحريم دخول البيوت بغير إذن أصحابها. قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدۡخُلُوا۟ بُیُوتًا غَیۡرَ بُیُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰۤ أَهۡلِهَاۚ﴾ [النور: ٢٧].

قال ابن كثير: وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى يقتحم، ويقول: "قد دخلت". فيشق ذلك على الرجل، ولعله يكون مع أهله، فغير الله ذلك كله، في ستر وعفة، وجعله نقيًّا نزها من الدنس والقذر والدرن. [تفسير ابن كثير( ٦/٣٨)].

وفي العصر الرقمي، تأخذ حسابات الأفراد، ومحادثاتهم الخاصة، وصورهم الشخصية والعائلية حكم البيوت في وجوب صيانتها؛ فلا يجوز اقتحامها بالقرصنة، أو التجسس، أو إعادة نشر محتوياتها دون إذنٍ صريح من أصحابها؛ لأن حرمة الخصوصية لا تختلف باختلاف الوسائل.

· فضيلة الستر

يُعدُّ الستر من أعظم الأخلاق التي تضبط علاقة المسلم بنفسه وبغيره، ولذلك دعا الإسلام إلى ستر العيوب، ونهى عن تتبع الزلات وإشاعتها؛ لما يترتب على ذلك من إفساد الأفراد والمجتمعات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ». [ مسلم، الصحيح ( ٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه].

وليس الستر في المنظور الإسلامي تهاونًا مع الخطأ أو تشجيعًا عليه، وإنما هو إتاحة الفرصة للمخطئ أن يراجع نفسه، ويتوب إلى الله دون تعيير أو فضيحة اجتماعية، وهو ما يتعارض مع ثقافة "التريند" التي تقوم في كثير من صورها على التشهير بالناس، وتتبع عثراتهم، وتحويل أخطائهم أو خصوصياتهم إلى مادة للتداول الجماهيري، طلبًا للمشاهدات أو الشهرة أو المكاسب.

التتبع الرقمي للعورات في الميزان الشرعي

لم يعد تتبع العورات في العصر الرقمي سلوكًا فرديّّا يقتصر على بعض الأشخاص، بل تحول إلى ظاهرة مجتمعية تغذيها المنصات الرقمية من خلال خوارزميات، تقترح للمستخدمين المقاطع والصور التي تستثير فضولهم وتدفعهم إلى متابعة التفاصيل الشخصية والفضائح والأحداث المثيرة؛ تحقيقًا لمزيد من التفاعل والمشاهدات.

وقد وضع الإسلام ضوابط شرعية حاسمة لمقاومة هذا الفضول المنحرف، من خلال تشريعات محكمة ونصوص زاجرة، من أبرزها:

· النهي عن التجسس والتحسس.

قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱجۡتَنِبُوا۟ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمࣱۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟﴾ [الحجرات: ١٢].

فالتنقل بين "الهاشتاجات" التي لا يترتب عليها نفع معتبر، أو تتبع الفضائح والمشكلات الأسرية المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بقصد الاطلاع عليها أو تداولها، يعد من صور التجسس المعاصر؛ لما ينطوي عليه من انتهاك لخصوصيات الآخرين، وإثارة للفتنة، وإشاعة لما لا ينبغي إشاعته.

· النهي عن تتبع العورات

شدد الإسلام على تحريم تتبع عورات الناس والبحث عن زلاتهم، أو كشف خصوصياتهم، وعدَّ ذلك من أسباب الفضيحة والعقوبة، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ». [الترمذي، السنن ( ٢٠٣٢) من حديث سيدنا عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، وقال الترمذي عقبه: هذا حديث حسن غريب].

وفي البيئة الرقمية تتجلى هذه الصورة في تتبع الحسابات الشخصية، والتنقيب عن الصور أو الرسائل أو المقاطع الخاصة، أو البحث عن الهفوات بقصد نشرها أو تداولها، وكل ذلك يدخل في النهي الشرعي عن تتبع العورات، مهما اختلفت الوسائل أو تطورت التقنيات.

· الالتفات إلى ما ينفع وترك ما لا يعني

لخص النبي صلى الله عليه وسلم منهج المسلم في حسن إدارة وقته واهتماماته بقوله: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ». [ابن حبان، الصحيح (٢٢٩) من حديث سيدنا أبي هريرة، رضي الله عنه].

وانطلاقًا من هذا الهدي النبوي، فإن الانشغال بالتريندات التافهة، أو متابعة الأخبار والوقائع الشخصية التي لا يترتب عليها نفع ديني أو دنيوي، يمثل صورة من صور إهدار الوقت، واستنزاف الطاقة الفكرية فيما لا يعود على الإنسان بخير، فضلًا عما قد يجر إليه من الوقوع في التجسس أو الغيبة أو إشاعة الفاحشة بين الناس.

مظاهر هتك الأستار في عصر "التريند"

تتجلى خطورة ظاهرة "التريند" في أنها جعلت انتهاك الخصوصية والتشهير بالناس وسيلةً لجذب المتابعين وتحقيق الأرباح، حتى أصبح هتك الأستار في كثير من الأحيان صناعةً رقميةً قائمة على الإثارة واستثمار الفضول الإنساني. ويمكن إبراز أهم مظاهر ذلك فيما يأتي:

· هتك أستار الآخرين

ويتمثل ذلك في تتبع زلات الناس وعثراتهم، والبحث عن خصوصياتهم، ثم نشر المقاطع أو الصور التي تُظهر عيوبهم أو لحظات ضعفهم الإنساني؛ بقصد زيادة التفاعل، أو تحقيق الشهرة، أو جني الأرباح، وهو سلوك يناقض ما دعا إليه الإسلام من ستر العيوب وصيانة الحرمات.

· هتك الستر الذاتي

ويظهر ذلك في تعمد بعض صناع المحتوى كشف أسرار بيوتهم، أو خلافاتهم الزوجية، بل قد يصل الأمر إلى نشر تفاصيل من حياتهم الخاصة أو الحميمة؛ طلبًا لمزيد من المشاهدات والتفاعل، حتى أصبحت الخصوصية سلعةً تُباع في سبيل الشهرة والمكاسب المادية.

وقد توعد الله تعالى من يسعى إلى نشر الفواحش وإشاعتها بين المؤمنين، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یُحِبُّونَ أَن تَشِیعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِی ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡءَاخِرَةِۚ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النور: ١٩].

قال ابن كثير: وهذا تأديب لمن سمع شيئًا من الكلام السيئ، فقام بذهنه منه شيء، وتكلم به فلا يكثر منه ولا يشيعه ويذيعه، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یُحِبُّونَ أَن تَشِیعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِی ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡءَاخِرَةِۚ﴾ أي يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح ﴿لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ﴾ في الدنيا، أي: بالحد، وفي الآخرة بالعذاب ﴿وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ أي: فردوا الأمور إليه ترشدوا. [تفسير ابن كثير (٦ / ٢٧)].

ومن ثم، فإن هذا الوعيد لا يقتصر على من يرتكب الفاحشة، بل يشمل كذلك من يسهم في نشرها أو الترويج لها أو تضخيمها، وهو ما ينسحب على كثير من صور التفاعل مع "التريندات" القائمة على الفضائح، سواء بنشرها، أو إعادة مشاركتها، أو الإسهام في انتشارها؛ لأن ذلك كله يعين على إشاعة الفاحشة وانتهاك خصوصيات الناس.

أسس صيانة الخصوصية الرقمية في المنهج الإسلامي

لمواجهة التحديات التي فرضها الفضاء الرقمي، وحماية خصوصية الأفراد وقيم المجتمع، يقدم الإسلام منهجًا وقائيًّا متكاملًا يقوم على جملة من الأسس، من أهمها:

· تفعيل الرقابة الذاتية (مقام الإحسان)

في البيئة الرقمية قد تغيب رقابة السلطة، ورقابة المجتمع، ويصبح الإنسان منفردًا خلف شاشته، فلا يردعه عن التعدي على خصوصيات الآخرين إلا استحضار رقابة الله تعالى، وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- حقيقة مقام الإحسان بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». [البخاري، الصحيح (٥٠) ومسلم ، الصحيح (٩) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه].

فإذا استشعر المسلم أن كل ما يكتبه، أو ينشره، أو يعلِّق به، أو يشارك في تداوله، مسجل عليه، كان ذلك أدعى إلى اجتناب كل ما ينتهك خصوصيات الناس أو يسهم في نشر الفواحش والتشهير بهم، قال تعالى: ﴿مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾ [ق: ١٨]، قال ابن زيد، في قوله تعالى: ﴿مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾ قال: جعل معه من يكتب كلّ ما لفظ به، وهو معه رقيب. [الطبري، جامع البيان (٢١/ ٤٢٤)].

وقال ابن كثير: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ أي: مترصد ﴿ما يَلْفِظُ﴾ أي: ابن آدم ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ أي: ما يتكلم بكلمة ﴿إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أي: إلا ولها من يراقبها معتد لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَیۡكُمۡ لَحَٰفِظِینَ ۝١٠ كِرَامࣰا كَٰتِبِینَ ۝١١ یَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ﴾. [الانفطار: ١٠-١٢].

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: ﴿مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾ قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله: أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت. [ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ( ٧ / ٣٧٢)].

ومن ثم، فإن استحضار رقابة الله تعالى، والإيمان بإحصاء الأقوال والأفعال، يمثلان الأساس الأول لصيانة الخصوصية الرقمية؛ إذ يدفعان المسلم إلى التثبت قبل النشر، والامتناع عن التجسس أو التشهير أو المشاركة في نشر ما ينتهك حرمات الآخرين.

· التثبت وتبيُّن الأخبار

تعتمد صناعة "التريند" في كثير من الأحيان على الإثارة، واجتزاء المقاطع، وإخراجها من سياقها، أو فبركة المحتوى؛ بقصد جذب الانتباه وتحقيق أعلى معدلات التفاعل.

ولذلك أوجب الإسلام التثبت قبل بناء المواقف أو تداول الأخبار، فقد قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن جَاۤءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإࣲ فَتَبَیَّنُوۤا۟ أَن تُصِیبُوا۟ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةࣲ فَتُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِینَ﴾ [الحجرات: ٦] وفي قراءة متواترة: {فَتَثَبَّتُوا}.

ومن ثم فإن إعادة نشر الأخبار أو المقاطع المتداولة قبل التحقق من صحتها تُعد مخالفةً لهذا التوجيه القرآني، وقد ترتب على ذلك في واقعنا الرقمي هتك للأعراض، وتشويه للسمعة، وإفساد للعلاقات، بسبب "تريندات" كاذبة أو مجتزأة أو مضللة.

· إماتة الباطل بالإعراض عنه

جاء في الأثر عن سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «إن لله عبادًا يميتون الباطل بهجره»؛ وهي قاعدة تربوية واجتماعية تقوم على عدم منح الباطل أسباب الانتشار والقوة.

وفي البيئة الرقمية تتغذى خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي على التفاعل بمختلف صوره؛ فكل مشاهدة، أو تعليق، أو مشاركة، تسهم في زيادة انتشار المحتوى ورفع نسبة ظهوره، حتى وإن كان التفاعل بقصد الإنكار.

ولهذا فإن من وسائل الحد من انتشار المحتوى الهابط أو القائم على التشهير والفضائح الإعراض عنه، وعدم إعادة نشره أو التفاعل معه، حتى يفقد زخمه ويضمحل أثره، وهو ما ينسجم مع مقاصد الشريعة في تقليل انتشار المنكر وصيانة المجتمع من آثاره.

المسئولية المجتمعية والمؤسسية في حماية الخصوصية الرقمية

إن مواجهة الآثار السلبية لظاهرة "التريند" والفضول الرقمي ليست مسئولية فردية فحسب، بل هي مسئولية مجتمعية ومؤسسية مشتركة، تتطلب تكامل الأدوار بين الأسرة، والمؤسسات التربوية والدينية والإعلامية، والجهات التشريعية والتقنية، وذلك على النحو الآتي:

· مسئولية الأسرة

تُعد الأسرة خط الدفاع الأول في حماية الأبناء من الانسياق وراء هوس الشهرة والسعي إلى لفت الانتباه بأي وسيلة؛ وذلك من خلال ترسيخ القيم الأخلاقية، ومتابعة المحتوى الذي يشاهدونه أو ينشرونه، وتربيتهم على احترام خصوصية الأسرة، وأن ما يدور داخل البيوت من أسرار لا يجوز نشره أو استغلاله من أجل زيادة عدد المتابعين أو تحقيق مكاسب مادية.

· مسئولية العلماء والمصلحين والمؤسسات الإعلامية

يتعين على المؤسسات الدينية والإعلامية أن تعزز الوعي بأخلاقيات الفضاء الرقمي، وأن تبين الأحكام الشرعية المتعلقة بالتجسس، والغيبة، والتشهير، وانتهاك الخصوصية، مع توجيه المستخدمين إلى الاستخدام المسئول لوسائل التواصل الاجتماعي، والتحذير من صناعة المحتوى الهابط أو الترويج له.

· المسئولية التشريعية والتقنية

ينبغي على الجهات التشريعية تطوير وتفعيل الأنظمة التي تجرم انتهاك الخصوصية، والابتزاز الإلكتروني، والاعتداء على البيانات الشخصية، مع العمل على إلزام المنصات الرقمية بتعزيز أدوات حماية المستخدمين، والحد من انتشار المحتوى الذي يقوم على التشهير أو انتهاك الخصوصية، وتشجيع تطوير بيئات رقمية تراعي القيم الأخلاقية وتحترم كرامة الإنسان وخصوصيته.

وبتكامل هذه المسئوليات تتحقق حماية الخصوصية الرقمية، ويُبنى وعي مجتمعي يجعل من وسائل التواصل أداةً للبناء والإصلاح، لا وسيلةً لانتهاك الحرمات وإشاعة الفضائح.

الخلاصة

الستر والخصوصية في الإسلام أصلان يحفظان كرامة الإنسان ويمنعان التجسس والتشهير، ومواجهة "التريند" لا تعني رفض التقنية، بل ضبط استخدامها شرعًا وأخلاقًا لحماية الحقوق من الاستغلال، وترسيخ الرقابة الذاتية مع تكامل الدور الأسري والتربوي والإعلامي هو السبيل لبيئة رقمية آمنة تحقق مقاصد الشريعة في حفظ الدين والنفس والعرض.

موضوعات ذات صلة

هنا نتعرف على أهم الضوابط الشرعية والنفسية لحماية الحياة الزوجية في العصر الرقمي

الإسلام جعل الخصوصية حقًا مقدسًا يحفظ كرامة الإنسان

احترام الخصوصيات يضمن استمرارية العلاقات على أساس الثقة والاحترام.

للمسجد دور في حماية الأمن الفكري والاجتماعي من تهديدات الجرائم الإلكترونية 

موضوعات مختارة