لمواجهة التحديات
التي فرضها الفضاء الرقمي، وحماية خصوصية الأفراد وقيم المجتمع، يقدم الإسلام منهجًا
وقائيًّا متكاملًا يقوم على جملة من الأسس، من أهمها:
· تفعيل الرقابة الذاتية (مقام الإحسان)
في البيئة الرقمية قد تغيب رقابة السلطة، ورقابة المجتمع، ويصبح الإنسان
منفردًا خلف شاشته، فلا يردعه عن التعدي على خصوصيات الآخرين إلا استحضار رقابة الله
تعالى، وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- حقيقة مقام الإحسان بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ
تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». [البخاري، الصحيح (٥٠) ومسلم ، الصحيح (٩) من
حديث أبي هريرة، رضي الله عنه].
فإذا استشعر المسلم أن كل ما يكتبه، أو ينشره، أو يعلِّق به، أو يشارك
في تداوله، مسجل عليه، كان ذلك أدعى إلى اجتناب كل ما ينتهك خصوصيات الناس أو يسهم
في نشر الفواحش والتشهير بهم، قال تعالى: ﴿مَّا
یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾ [ق: ١٨]، قال ابن زيد، في قوله تعالى: ﴿مَّا
یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾ قال: جعل معه
من يكتب كلّ ما لفظ به، وهو معه رقيب. [الطبري، جامع البيان (٢١/ ٤٢٤)].
وقال ابن
كثير: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ أي: مترصد ﴿ما يَلْفِظُ﴾ أي:
ابن آدم ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ أي: ما يتكلم بكلمة ﴿إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أي:
إلا ولها من يراقبها معتد لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى:
﴿وَإِنَّ عَلَیۡكُمۡ لَحَٰفِظِینَ ١٠ كِرَامࣰا كَٰتِبِینَ ١١
یَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ﴾. [الانفطار: ١٠-١٢].
وقال علي بن
أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: ﴿مَّا
یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾ قال: يكتب كل ما تكلم به من
خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله: أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت. [ابن كثير،
تفسير القرآن العظيم ( ٧ / ٣٧٢)].
ومن ثم، فإن استحضار
رقابة الله تعالى، والإيمان بإحصاء الأقوال والأفعال، يمثلان الأساس الأول لصيانة الخصوصية
الرقمية؛ إذ يدفعان المسلم إلى التثبت قبل النشر، والامتناع عن التجسس أو التشهير أو
المشاركة في نشر ما ينتهك حرمات الآخرين.
· التثبت وتبيُّن الأخبار
تعتمد صناعة "التريند" في كثير من الأحيان على الإثارة، واجتزاء
المقاطع، وإخراجها من سياقها، أو فبركة المحتوى؛ بقصد جذب الانتباه وتحقيق أعلى معدلات
التفاعل.
ولذلك أوجب الإسلام التثبت قبل بناء المواقف أو تداول الأخبار، فقد قال
تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ
ءَامَنُوۤا۟ إِن جَاۤءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإࣲ فَتَبَیَّنُوۤا۟ أَن تُصِیبُوا۟
قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةࣲ فَتُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِینَ﴾
[الحجرات: ٦] وفي قراءة متواترة: {فَتَثَبَّتُوا}.
ومن ثم فإن إعادة
نشر الأخبار أو المقاطع المتداولة قبل التحقق من صحتها تُعد مخالفةً لهذا التوجيه القرآني،
وقد ترتب على ذلك في واقعنا الرقمي هتك للأعراض، وتشويه للسمعة، وإفساد للعلاقات، بسبب
"تريندات" كاذبة أو مجتزأة أو مضللة.
· إماتة الباطل بالإعراض عنه
جاء في الأثر عن سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «إن لله عبادًا
يميتون الباطل بهجره»؛ وهي قاعدة تربوية واجتماعية تقوم على
عدم منح الباطل أسباب الانتشار والقوة.
وفي البيئة الرقمية تتغذى خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي على التفاعل
بمختلف صوره؛ فكل مشاهدة، أو تعليق، أو مشاركة، تسهم في زيادة انتشار المحتوى ورفع
نسبة ظهوره، حتى وإن كان التفاعل بقصد الإنكار.
ولهذا فإن من وسائل الحد من انتشار المحتوى الهابط أو القائم على التشهير
والفضائح الإعراض عنه، وعدم إعادة نشره أو التفاعل معه، حتى يفقد زخمه ويضمحل أثره،
وهو ما ينسجم مع مقاصد الشريعة في تقليل انتشار المنكر وصيانة المجتمع من آثاره.