إن التساهل في هذه الحدود وخلط مفهوم
الزمالة بالصداقة يترك أثرًا سلبيًا عميقًا على الفرد والمجتمع، ومن ذلك:
- الانزلاق العاطفي والشتات النفسي
غالبًا ما تبدأ العلاقة
بزمالةٍ تبدو بريئة، ثم لا تلبث أن تتدرج إلى تبادلٍ للهموم، ومشاركةٍ وجدانية،
وبوحٍ بالمشاعر، حتى تنتهي إلى تعلُّقٍ قلبيٍّ خارج الأطر الشرعية، فينشغل الذهن،
ويفسد القلب، ويقع المرء فيما حرَّم الله. وإن الألفة التي تنشأ من الاعتياد على
اللقاء اليومي في بيئة العمل قد تُضعف الإحساس بالمحاذير الشرعية، حتى يجد الشاب أو
الفتاة، بل والرجل المتزوج والمرأة المتزوجة، أنفسهم وقد انجرفوا إلى علاقةٍ
عاطفيةٍ غير مشروعة، لم يقصدوها ابتداءً، ولم يخططوا لها، وإنما ساقهم إليها
التدرج والاسترسال من حيث لا يشعرون.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى منع عمل المرأة أو إلغاء بيئات العمل المشتركة
التي تقتضيها الحاجة والمصلحة، وإنما المقصود هو الالتزام بالضوابط الشرعية التي
تنظِّم العلاقة بين الرجل والمرأة، وتمنع أسباب الفتنة. فالأصل جواز العمل المباح
إذا أُمِنَت المحاذير، مع الالتزام بغضِّ البصر، والاحتشام، والجدية في الحديث،
وقصر التواصل على قدر الحاجة، واجتناب الخلوة والمزاح والخضوع بالقول، وعدم التوسع
في العلاقات الشخصية خارج نطاق العمل. وبهذه الضوابط يتحقق المقصود من أداء العمل
مع صيانة القلوب، وحفظ الأعراض، وسدِّ الذرائع المفضية إلى ما لا تُحمد عقباه.
إن اتخاذ
الزوج أو الزوجة صديقًا أو زميلًا مقربًا من الجنس الآخر يزرع شكًا مدمرًا ويُهدِّد
استقرار الأسرة، إذ ينصرف جزء كبير من الرصيد العاطفي والاهتمام لغير الشريك
الشرعي، وتُعقد المقارنات الظالمة التي تنتهي بتدمير البيوت، إن أقوى حصن للأسرة
هو استئثار الشريك بمكنون عواطف الطرف الآخر.
ولا يُفهم من
ذلك تحريم كل تعاملٍ بين المتزوجين وأفراد الجنس الآخر، أو الدعوة إلى الانقطاع عن
بيئات العمل أو الدراسة أو المصالح العامة، وإنما المقصود هو أن يبقى هذا التعامل
في حدود الحاجة، تحكمه الضوابط الشرعية والآداب الإسلامية، بعيدًا عن الخصوصية
الزائدة، أو التعلُّق العاطفي، أو توطيد العلاقات الشخصية التي تتجاوز مقتضى العمل
أو المصلحة. فإذا التزم المسلم بهذه الضوابط، وحفظ قلبه، وصان مشاعره، وجعل النصيب
الأكبر من مودته واهتمامه لشريك حياته، استقرت الأسرة، ودامت الثقة بين الزوجين،
وسُلِم المجتمع من كثيرٍ من أسباب النزاع والتفكك.
إن التوسع في إقامة علاقات
شخصية وصِلاتٍ خاصة مع الزملاء من الجنس الآخر قد ينعكس سلبًا على الصورة المهنية
والاجتماعية للإنسان؛ فالمرأة التي تُكثر من فتح أبواب الصداقة والخصوصية مع
زملائها قد تفقد شيئًا من وقارها وهيبتها في نظر بعض الناس، وكذلك الرجل الذي
يبتذل حديثه، ويتوسع في المزاح والأُلفة مع زميلاته، قد ينتقص من مكانته واحترامه.
أما الاحترام المهني والاجتماعي الحقيقي، فإنه يترسخ حين يكون التعامل قائمًا على
الجدية، والاحتشام، وحسن الأدب، والالتزام بحدود العلاقة التي تقتضيها بيئة العمل،
فالحشمة والحياء لا يتعارضان مع النجاح المهني، بل يزيدانه وقارًا واحترامًا.
ولا
يعني ذلك أن يكون التعامل بين الرجال والنساء في بيئة العمل جافًّا أو قائمًا على
سوء الظن، كما لا يقتضي الانعزال أو ترك التعاون الذي تفرضه طبيعة الأعمال، وإنما
المطلوب أن يكون التواصل في إطار المهنية والاحترام المتبادل، وبقدر الحاجة، مع
الالتزام بآداب الإسلام في القول والسلوك، والبعد عن المزاح المبتذل، أو الأحاديث
الشخصية، أو كل ما يفضي إلى إزالة الحواجز المشروعة بين الجنسين. فكلما كان
التعامل منضبطًا بهذه الضوابط، جمع بين حسن الأداء المهني، وصيانة الأخلاق، وحفظ
الكرامة، وبقي الاحترام متبادلًا بين الجميع.