Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

العبادة في أزمنة الفتن

الكاتب

هيئة التحرير

العبادة في أزمنة الفتن

تعصف بالبشرية بين الحين والآخر فتن ومحن، تزلزل القلوب وتشتت الأذهان، وفي خضم هذه العواصف، يبرز فضل العبادة واللجوء إلى الله؛ ليصبح المتمسك بدينه غريبًا ينال أجرًا عظيمًا، وقد تجلى هذا الفضل بوضوح في الحديث النبوي الشريف الذي رواه الإمام مسلم؛ حيث قال رسول الله ﷺ: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ» [صحيح مسلم: (٢٩٤٨)].

ولإدراك أبعاد هذه المنزلة وموازاتها لأجر الهجرة، لا بد من تحليل النص النبوي لغويًّا، ثم الغوص في مقاصده عبر أنظار أهل العلم، قبل إسقاطه على واقعنا المعاصر.

الإعجاز البياني والدلالة اللغوية للفظة (الهرج)

إن اختيار النبي ﷺ للفظة لهرج) لم يكن صدفةً، بل يحمل دقةً لغويةً تكشف عن بلاغة الفهم النبوي للنفس البشرية وتحولات المجتمع، وتتضح هذه الدلالات في الأوجه التالية:

  • الدلالة المعجمية الشاملة: تدل مادة (هـ ر ج) في قواميس اللغة على الاختلاط والاضطراب؛ فيقال "هرج الناس" إذا اختلفت كلمتهم ولم يُعرف الحق من الباطل، كما تعني اللغط وكثرة الكلام والضجيج الذي يشتت العقل، وتصل في أقصى درجات الفوضى وانعدام الأمن إلى القتل، كما فسرها النبي ﷺ في أحاديث أخرى [تهذيب اللغة للأزهري (٦/‏٣١)].
  • التفرد البلاغي عن مرادفات الشدائد: الفتنة قد تكون خفية في المال أو الولد، يمر بها الإنسان في عزلة، أما (الهرج) فيعبر عن حالة فوضى عارمة وضجيج مجتمعي عام يصعب النجاة من تأثيره، كما أن كلمة لمحنة) تركز على وقع البلاء النفسي، بينما يصور لهرج) الحركة الخارجية السريعة والمضطربة، مما يجعل التوقف للعبادة سباحةً عكس التيار.
  • المفارقة البلاغية: يمثل لهرج) قمة الفوضى والارتباك، في حين تأتي (العبادة) لتكون بمثابة (هجرة) تعني السكينة والتوجه الواضح، وكأن النص النبوي يقرر: من استطاع خلق مساحة من السكون وسط أقصى درجات الضجيج، فقد حقق المقصد الأسمى للهجرة.

فقه الحديث ومقاصده عند أئمة العلم

توقف شراح الحديث طويلًا عند هذا النص، واستخرجوا منه دررًا تفسر علة هذا الفضل وتوضح أسباب موازاته للهجرة، ويمكن تلخيص استنباطاتهم في مسارين:

١. بيان علة الفضل في أزمنة الغفلة

الفضل هنا يكمن في مخالفة هوى النفس ومقاومة التيار الجارف من الانشغالات؛ حيث يقول الإمام النووي - رحمه الله: "الْمُرَادُ بِالْهَرْجِ هُنَا الْفِتْنَةُ وَاخْتِلَاطُ أُمُورِ النَّاسِ وَسَبَبُ كَثْرَةِ فَضْلِ الْعِبَادَةِ فِيهِ أَنَّ الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا أفراد" [شرح النووي على مسلم (١٨‏/ ٨٨)].

ويغوص بنا الإمام القرطبي - رحمه الله - في بيان الدلالة النفسية قائلًا: " المتمسك بالعبادة في ذلك الوقت، والمنقطع إليها المعتزل عن الناس، أجره كأجر المهاجر إلى النبي ﷺ؛ لأنَّه يناسبه من حيث أن المهاجر قد فر بدينه عمن يصده عنه إلى الاعتصام بالنبي ﷺ، وكذلك هو المنقطع للعبادة، فر من الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو على التحقيق قد هاجر إلى ربه، وفر من جميع خلقه" [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٧ ‏/ ٣٠٩)].

٢، وجه الشبه بين المتمسك بعبادته والمهاجر

وقد استنبط العلماء أن الهجرة في جوهرها انتقال من بيئة الغفلة إلى بيئة الطاعة.

حيث بين الحافظ ابن رجب الحنبلي عند تتبعه لغربة الدين أن المهاجر فر بجسده ودينه إلى النبي ﷺ، بينما العابد في الفتنة يفر بقلبه وعمله إلى الله، فيكون غريبًا بين الناس، تمامًا كغربة المهاجر الأول، فقال - رحمه الله: "وسببُ ذلكَ أن النَّاسَ في زمنِ الفتنِ يَتَّبِعونَ أهواءَهُم ولا يَرْجِعونَ إلى دينٍ، فيَكونُ حالُهُم شبيهًا بحالِ الجاهليَّةِ، فإذا انْفَرَدَ مِن بينِهِم مَن يَتَمَسَّكُ بدينِهِ ويَعْبُدُ ربَّهُ ويَتَّبعُ مراضِيَهُ ويَجْتَنِبُ مساخطَهُ؛ كانَ بمنزلةِ مَن هاجَرَ مِن بين أهلِ الجاهليَّةِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ مؤمنًا بهِ متَّبعًا لأوامرِهِ مجتنبًا لنواهيهِ".

ومنها: أنَّ المنفردَ بالطَّاعةِ بينَ أهلِ المعاصي والغفلةِ قد يُدْفَعُ بهِ البلاءُ عن النَّاسِ كلِّهِم، فكأنَّهُ يَحْميهِم ويُدافِعُ عنهُم.

وفي حديثِ ابن عُمَرَ الذي رَوَيْناهُ في (جزءِ ابن عَرَفَةَ) مرفوعًا: "ذاكرُ اللهِ في الغافلينَ كالذي يُقاتِلُ عن الفارِّينَ، وذاكرُ اللهِ في الغافلينَ كالشَّجرةِ الخضراءِ في وسطِ الشَّجرِ الذي تَحاتَّ ورقُهُ مِن الصَّريدِ (والصَّريدُ: البردُ الشَّديدُ)، وذاكرُ اللهِ في الغافلينَ يُغْفَرُ لهُ بعددِ كلِّ رطبٍ ويابسٍ، وذاكرُ اللهِ في الغافلينَ يَعْرِفُ مقعدَهُ في الجنَّةِ"، قالَ بعضُ السَّلفِ: "ذاكرُ اللهِ في الغافلينَ كمَثَلِ الذي يَحْمي الفئةَ المنهزمةَ، ولولا مَن يَذْكُرُ الله في غفلةِ النَّاسِ؛ لَهَلَكَ النَّاسُ".

رَأى جماعةٌ مِن المتقدِّمينَ في منامِهِم كأنَّ ملائكةً نَزَلَتْ إلى بلادٍ شتَّى، فقالَ بعضُهُم لبعضٍ: اخْسِفوا بهذهِ القريةِ، فـقالَ بعضُهُم: كيفَ نَخْسِفُ بها وفلانٌ فيها قائم يُصَلِّي؟

ورَأى بعضُ المتقدِّمينَ في منامِهِ مَن يُنْشِدُ:

لَوْلا الَّذينَ لَهُمْ وِرْدٌ يُصَلونا … وَآخَرونَ لَهُمْ سَرْدٌ يَصومونا

لَدُكْدِكَتْ أرْضُكُمْ مِنْ تَحْتِكُمْ سَحَرًا … لِأنَّكُمْ قومُ سَوْءٍ ما تُطيعونا"

[لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف (ص٢٣٩)].

فالناس في زمن الفتن تتبع أهواءها وتتكالب على النزاعات، فمن خالفهم وأقبل على خاصة شأنه وعبادة ربه، فقد قطع مسافةً روحية في سلم الارتقاء توازي الهجرة المكانية، وقد أشار العلامة ابن الجوزي إلى ذلك قائلا: "وَإِذا عَمت الْفِتَن اشتغلت الْقُلُوب، وَإِذا تعبد حِينَئِذٍ متعبد دلّ على قُوَّة اشْتِغَال قلبه بِاللَّه عز وجل فيكثر أجره" [كشف المشكل من حديث الصحيحين (٢/ ٤٢)].

ضوابط العبادة المنجية ومواقفها

العبادة التي قصدها شراح الحديث تتجاوز الأداء الآلي للشعائر، لتمثل موقفًا إيمانيًا متكاملًا يتضمن:

١.    سلامة الصدر وكف اليد: نص العلماء على أن من أعظم العبادات في الفتن كف اللسان واليد عن الأعراض، والاعتزال عن الخوض فيما يثير الفوضى فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: «امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» [سنن الترمذي: (٢٤٠٦)].

٢.    التمسك بسنة سيدنا رسول الله : إحياء السنن حين تندرس يتطلب قلبًا حاضرًا ويقينًا راسخًا، وهؤلاء هم (الغرباء) الذين يصلحون ما أفسد الناس، فقد ورد عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَوِ ابْنَ أَبِي الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»، قِيلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يُصْلِحُونَ حِينَ يُفْسِدُ النَّاسُ» [المصنف لابن أبي شيبة: (٣٤٣٦٨)].

وهذا الإصلاح المذكور في الحديث يتجلى بوضوح في إحياء السنن المتروكة والتمسك بها رغم تغيّر أحوال الناس، وهو المعنى الجليل الذي فصّله الإمام أبو حامد الغزالي مبيّنًا طبيعة هذه الغربة وثمن الثبات على الحق؛ حيث يقول - رحمه الله: "وَقَدْ صَحَّ قَوْلُ رسول الله ﷺ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» فقِيلَ: وَمَنْ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: «الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ سُنَّتِي وَاَلَّذِينَ يُحْيُونَ مَا أَمَاتُوهُ مِنْ سُنَّتِي» وَفِي آخَرَ: «هُمْ الْمُتَمَسِّكُونَ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ الْيَوْمَ»، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «الْغُرَبَاءِ نَاسٌ قَلِيلُونَ صَالِحُونَ بَيْنَ نَاسٍ كَثِيرٍ ومَنْ يَبْغُضُهُمْ في الخلق أَكْثَرُ مِمَّنْ يُحِبُّهُمْ»، وقد صارت تلك العلوم غريبة بحيث يمقت ذاكرها، ولذلك قَالَ الثَّوْرِيُّ - رحمه الله: "إذَا رَأَيْتُمْ الْعَالِمَ كَثِيرَ الْأَصْدِقَاءِ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ مُخلط؛ لِأَنَّهُ إنْ نَطَقَ بِالْحَقِّ أَبْغَضُوهُ" [إحياء علوم الدين (١/ ٣٨)].

٣.    حفظ الأوقات: الفتن تستنزف الأعمار في الترقب والقلق، فتكون العبادة حينها بضبط الوقت وتوجيهه لطلب العلم وتلاوة القرآن طوقًا للنجاة وملاذًا آمنًا، وقد وجّهنا القرآن الكريم إلى شغل الأوقات بالطاعات وعدم الركون للفراغ؛ فقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾ [الشرح: ٧-٨]، أي إذا فرغت من أشغالك فانصب وجهدك في العبادة، وفي أوقات الفتن، حين يغفل الناس وتضيع أوقاتهم في الخوض والترقب، يَعظم أجر من ينشغل بالعبادة ويحفظ وقته، ويؤكد الإمام ابن الجوزي - رحمه الله - هذا المعنى قائلًا: " يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَعْرِفَ شَرَفَ زَمَانِهِ، وَقَدْرَ وَقْتِهِ، فَلَا يُضَيِّعُ مِنْهُ لَحْظَةً فِي غَيْرِ قُرْبَةٍ، وَيُقَدِّمُ فِيهِ الأَفْضَلَ فَالْأَفْضَلَ مِنَ الْقَوْلِ وَالعَمَلِ" [صيد الخاطر (١/ ‏٣٣)].

فالمؤمن الفطن هو من يعمر أوقاته بالطاعات، متخذًا من الانشغال بالحق حصنًا يعصمه من الانزلاق في متاهات الفتن.

صور الهرج المعاصر وكيفية الهجرة فيها

لم يعد الهرج مقتصرًا على النزاعات المادية، بل امتد في عصرنا ليشمل جبهات أخرى تتطلب هجرة روحية وفكرية:

  • هرج الشاشات (فوضى التشتت): نعيش سيلًا جارفًا من الإشعارات المتدفقة التي تستنزف طاقة التركيز، فكيف تكون العبادة؟ الهجرة هنا تتمثل في خلق مساحات من العزلة الرقمية، والغوص في أعمال تبني العقل والروح فتكون هذه الأعمال النافعة فرارًا بالوعي من مستنقع التشتت.
  • هرج القيم واضطراب المفاهيم: تشهد المجتمعات موجات عاتية لتمييع المبادئ واهتزاز الثوابت، فكيف تكون العبادة؟ بالتحرك الإيجابي؛ فتنسيق المبادرات، وتنظيم الندوات التثقيفية، وتربية الأبناء (كالاهتمام بتوجيه الأبناء وبناء مساراتهم) يعد رباطًا على ثغر الأسرة، وهجرة خالصة وسط الاضطراب الخارجي.
  • هرج الأزمات والماديات: تلاحق الأعباء يورث القلق وينسي التوكل المطلق، فكيف تكون العبادة؟ تتأكد هنا قيمة التكافل الاجتماعي؛ فالسعي في قضاء حوائج الناس، وتوزيع المساعدات على العائلات المتعففة، هو ثبات عملي يمثل هجرةً من ضيق الأنانية إلى سعة العطاء.

خامسًا: خطوات عملية للثبات (منهجية العمل العميق)

لتحقيق هذه (الهجرة) في روتين الحياة اليومي، يمكن للمؤمن توجيه جهوده عبر مسارات محددة:

  • صناعة المحافل الآمنة: استثمار المهارات التقنية (كبرامج التصميم وإدارة المنصات) لإنتاج محتوى هادف وبناء، والتحول من الاستهلاك السلبي للإنترنت إلى الإنتاج المؤثر.
  • المحاسبة اليومية للوقت: تخصيص أوقات مقدسة للقرآن والذكر الخفي، لا تخترقها الشاشات ولا يزاحمها ضجيج العالم الافتراضي.
  • الصحبة المنتجة: التعاون مع شركاء النجاح وأهل الفضل في المشاريع العلمية والتطوعية، مما يثبت القلب ويقوي العزيمة على الاستمرار.

الخلاصة

إن المتأمل في نصوص الشرع الشريف وكلام أهل العلم يدرك أن مضاعفة الأجر في أزمنة الفتن هي اصطفاء إلهي لمن أثبت صدق ولائه حين امتحنت القلوب، والمؤمن الذي يوظف طاقته وعلمه في الإعمار والإصلاح وسط ضجيج هذا العصر، إنما يمضي في طريق رسمه النبي ﷺ؛ لينال أجرًا مضاعفًا يوازي أجر السابقين الأولين الذين هاجروا في فجر الإسلام.

موضوعات ذات صلة

هجرة النبي ﷺ التي لم تكن لتنجح لولا طاقة شبابية لا تعرف المستحيل، وقلوبًا مؤمنة هانت عليها الدنيا كلها في سبيل الله

نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل، سلوك المحب للطاعة

الهجرة النبوية كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، ومكانته في المجتمع

الهجرة النبوية لها أبعاد شاملة تمس كل جوانب الحياة، ومنها البعد الاقتصادي

الهجرة النبوية كانت نقطة انطلاق لـتجربة اجتماعية فريدة في التعايش السلميّ بين مختلف الجماعات الدينيّة والعرقيّة