Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الصداقة والزمالة بين الجنسين

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

الصداقة والزمالة بين الجنسين

فرض واقع التعليم والعمل اختلاطًا حتميًا بين الجنسين، مما أدى لخلط خطير بين الزمالة المصلحية والصداقة العاطفية، ولقد وضعت الشريعة الإسلامية منهجًا وسطيًا يضبط التفاعل بضوابط صائنة للأعراض، ويحدد الضوابط الشرعية التي تحوّل التفاعل المهني من زلة مهلكة إلى طاعة مُثابةٍ ومحفوظة.

التكييف الشرعي للفارق الجوهري بين الزمالة والصداقة

ينبغي التفرقة الدقيقة بين مفهومي الزمالة والصداقة، فالصداقة في أدبيات علم النفس والاجتماع، وفي العرف الإنساني، تتطلب تقاربًا نفسيًا، ومشاركة للهموم والأسرار، وبناء روابط وجدانية، وترافقًا في أوقات الفراغ، وهذا النوع من التقارب العاطفي هو الباب الذي تَتَسلّل منه الفتن، وهو ما تنهى عنه الشريعة بين غير المحارم.

أما الزمالة، فهي ارتباط مهني أو دراسي تفرضه حاجة موضوعية مشتركة، وتنقضي بانقضاء تلك الحاجة، دون أن تمتد إلى تفاصيل الحياة الشخصية أو التشاركية الوجدانية، فالزمالة علاقة وظيفية قائمة على الاحترام المهني، بينما الصداقة علاقة ذاتية قائمة على الود العاطفي.

وقد أصَّل القرآن الكريم لهذا المبدأ حين وضع قاعدة للتعامل مع أمهات المؤمنين -وهي قاعدة تنسحب على نساء الأمة في العفة والتحرز- قال -تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعࣰا فَسۡءَلُوهُنَّ مِن وَرَاۤءِ حِجَابࣲۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ﴾ [الأحزاب: ٥٣].

فالحجاب هنا ليس ساترًا ماديًا فحسب، بل هو رمز للحاجز السلوكي الذي يمنع التوغل في الشخصيات، ويجعل التفاعل مقتصرًا على المتاع -أي الحاجة المادية- دون تداخل الأرواح.

الضوابط الشرعية لتفاعل الزمالة (بناء الحصون)

لا تكون الزمالة مباحة شرعًا إلا إذا التزمت بضوابط تقطع الطريق على خطوات الشيطان، ومن أهمها:

  • الجدية في الحديث وترك الخضوع بالقول: يجب أن يكون الحوار مقتصرًا على حاجة العمل أو الدراسة، خاليًا من المزاح، وتلطيف العبارات، واللين الذي يثير الغرائز.

إن الخضوع بالقول هو الانسياب في الحديث بما يُلَيِّنُ القلبَ ويُغري الطرفَ الآخر، وقد حذر الله من ذلك بقوله: ﴿فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَیَطۡمَعَ ٱلَّذِی فِی قَلۡبِهِۦ مَرَضࣱ وَقُلۡنَ قَوۡلࣰا مَّعۡرُوفࣰا﴾ [الأحزاب: ٣٢].

 والقصد هنا أن يكون الكلام جادًا، مهنيًا، ومباشرًا.

  • غض البصر وحفظ الحواس:

هذا هو صمام الأمان الأول الذي شرعه الله لحماية فؤاد المؤمن، قال -تعالى: ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِینَ یَغُضُّوا۟ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَیَحۡفَظُوا۟ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُۢ بِمَا یَصۡنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠].

ولا يستقيم عمل أو دراسة مع إطلاق البصر وتأمل المحاسن؛ فالنظرة سهم من سهام إبليس، ومداومتها تُورث الحسرة وتفسد القلب.

  • ترك الخلوة غير الشرعية:

مهما كانت المبررات مهنية، فإن الانفراد يفتح مدخلًا يقينًا للفتنة، وتنتفي معه الرقابة المجتمعية والذاتية، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يخلوَنَّ رَجلٌ بامرأةٍ إلّا كان ثالثَهُما الشَّيطانُ» [سنن الترمذي كتاب الرضاع، رقم: ١١٧١] الخلوة ليست مجرد مكان مغلق، بل هي كل وضع يسمح بالانفراد الذي يغيب فيه الرقيب.

منارة السيرة النبوية (نماذج في حفظ المسافات)

شكَّلت البيئة النبوية نموذجًا فريدًا في تنظيم العلاقة بين الرجال والنساء؛ فلم يكن المجتمع النبوي مجتمعًا منغلقًا يُقصي المرأة أو يجور عليها، بل كان مجتمعًا منضبطًا بضوابط الشرع، يحفظ لكل فرد مكانته، ويراعي المسافة الآمنة في التعامل، بما يصون الكرامة ويحفظ القلوب من دواعي الفتنة.

فعندما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- اختلاط الرجال بالنساء في الطريق بعد الخروج من المسجد، وحصول تداخل في الخطوات، أسرع وقال للنساء «اسْتأْخِرْنَ؛ فإنَّه ليس لَكُنَّ أنْ تحْقُقْنَ الطريقَ، عليكنَّ بحافاتِ الطريقِ». [سنن أبي داود، كتاب الأدب، رقم: (٥٢٧٢)]،  فإذا كان هذا التوجيه النبوي موجَّهًا إلى نساءٍ صالحاتٍ وهنَّ منصرفاتٌ من الصلاة في طريقٍ عام، فكيف بما يقع في بيئات العمل من جلوسٍ متكرر، ومكثٍ طويل، وأحاديث جانبية تمتد بين الرجال والنساء؟ إن هذا التوجيه النبوي يؤصِّل لمبدأٍ وقائيٍّ عظيم، وهو حفظ المسافات في التعامل، حتى لا تنشأ الألفة بين النفوس على نحوٍ يفضي إلى ما لا تُحمد عقباه، سدًّا لذرائع الفتنة، وصيانةً للقلوب والأعراض.

كما نجد في السنة ما يدل على إدراك النساء للحدود، فقد ذكرت السيدة عائشة -رضي الله عنها- في قصة الإفك ما تَصِفُ به حياء الصحابة وتقديرهم للمسافة والحدود، وكيف كانت حياة النساء محصنة بكرامتهن وباحترام الرجال لهن [ينظر الحديث بطوله في صحيح البخاري، كتاب التفسير، رقم: (٤٧٥٧)]، فلم يكن هناك خلط بين الزمالة في حمل الأمانة والصداقة في تبادل الكلام.

التأثيرات النفسية والاجتماعية لتجاوز الحدود

إن التساهل في هذه الحدود وخلط مفهوم الزمالة بالصداقة يترك أثرًا سلبيًا عميقًا على الفرد والمجتمع، ومن ذلك:

  • الانزلاق العاطفي والشتات النفسي

غالبًا ما تبدأ العلاقة بزمالةٍ تبدو بريئة، ثم لا تلبث أن تتدرج إلى تبادلٍ للهموم، ومشاركةٍ وجدانية، وبوحٍ بالمشاعر، حتى تنتهي إلى تعلُّقٍ قلبيٍّ خارج الأطر الشرعية، فينشغل الذهن، ويفسد القلب، ويقع المرء فيما حرَّم الله. وإن الألفة التي تنشأ من الاعتياد على اللقاء اليومي في بيئة العمل قد تُضعف الإحساس بالمحاذير الشرعية، حتى يجد الشاب أو الفتاة، بل والرجل المتزوج والمرأة المتزوجة، أنفسهم وقد انجرفوا إلى علاقةٍ عاطفيةٍ غير مشروعة، لم يقصدوها ابتداءً، ولم يخططوا لها، وإنما ساقهم إليها التدرج والاسترسال من حيث لا يشعرون.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى منع عمل المرأة أو إلغاء بيئات العمل المشتركة التي تقتضيها الحاجة والمصلحة، وإنما المقصود هو الالتزام بالضوابط الشرعية التي تنظِّم العلاقة بين الرجل والمرأة، وتمنع أسباب الفتنة. فالأصل جواز العمل المباح إذا أُمِنَت المحاذير، مع الالتزام بغضِّ البصر، والاحتشام، والجدية في الحديث، وقصر التواصل على قدر الحاجة، واجتناب الخلوة والمزاح والخضوع بالقول، وعدم التوسع في العلاقات الشخصية خارج نطاق العمل. وبهذه الضوابط يتحقق المقصود من أداء العمل مع صيانة القلوب، وحفظ الأعراض، وسدِّ الذرائع المفضية إلى ما لا تُحمد عقباه.

  • هدم البيوت وفقدان الثقة

إن اتخاذ الزوج أو الزوجة صديقًا أو زميلًا مقربًا من الجنس الآخر يزرع شكًا مدمرًا ويُهدِّد استقرار الأسرة، إذ ينصرف جزء كبير من الرصيد العاطفي والاهتمام لغير الشريك الشرعي، وتُعقد المقارنات الظالمة التي تنتهي بتدمير البيوت، إن أقوى حصن للأسرة هو استئثار الشريك بمكنون عواطف الطرف الآخر.

ولا يُفهم من ذلك تحريم كل تعاملٍ بين المتزوجين وأفراد الجنس الآخر، أو الدعوة إلى الانقطاع عن بيئات العمل أو الدراسة أو المصالح العامة، وإنما المقصود هو أن يبقى هذا التعامل في حدود الحاجة، تحكمه الضوابط الشرعية والآداب الإسلامية، بعيدًا عن الخصوصية الزائدة، أو التعلُّق العاطفي، أو توطيد العلاقات الشخصية التي تتجاوز مقتضى العمل أو المصلحة. فإذا التزم المسلم بهذه الضوابط، وحفظ قلبه، وصان مشاعره، وجعل النصيب الأكبر من مودته واهتمامه لشريك حياته، استقرت الأسرة، ودامت الثقة بين الزوجين، وسُلِم المجتمع من كثيرٍ من أسباب النزاع والتفكك.

  • الابتذال وذهاب الهيبة

إن التوسع في إقامة علاقات شخصية وصِلاتٍ خاصة مع الزملاء من الجنس الآخر قد ينعكس سلبًا على الصورة المهنية والاجتماعية للإنسان؛ فالمرأة التي تُكثر من فتح أبواب الصداقة والخصوصية مع زملائها قد تفقد شيئًا من وقارها وهيبتها في نظر بعض الناس، وكذلك الرجل الذي يبتذل حديثه، ويتوسع في المزاح والأُلفة مع زميلاته، قد ينتقص من مكانته واحترامه. أما الاحترام المهني والاجتماعي الحقيقي، فإنه يترسخ حين يكون التعامل قائمًا على الجدية، والاحتشام، وحسن الأدب، والالتزام بحدود العلاقة التي تقتضيها بيئة العمل، فالحشمة والحياء لا يتعارضان مع النجاح المهني، بل يزيدانه وقارًا واحترامًا.

ولا يعني ذلك أن يكون التعامل بين الرجال والنساء في بيئة العمل جافًّا أو قائمًا على سوء الظن، كما لا يقتضي الانعزال أو ترك التعاون الذي تفرضه طبيعة الأعمال، وإنما المطلوب أن يكون التواصل في إطار المهنية والاحترام المتبادل، وبقدر الحاجة، مع الالتزام بآداب الإسلام في القول والسلوك، والبعد عن المزاح المبتذل، أو الأحاديث الشخصية، أو كل ما يفضي إلى إزالة الحواجز المشروعة بين الجنسين. فكلما كان التعامل منضبطًا بهذه الضوابط، جمع بين حسن الأداء المهني، وصيانة الأخلاق، وحفظ الكرامة، وبقي الاحترام متبادلًا بين الجميع.

الوقاية من الصداقة غير المشروعة والبدائل المتاحة

   لكي لا يقع الشاب والفتاة -أو الرجل والمرأة- في الصداقة غير المشروعة لسد الفراغ، يجب على كل واحد منهما البحث عن البدائل الوقائية المشروعة التي تُشبِع الرغبة في تكوين الصداقات واتساع العلاقات وتَسُدُّ هذا الفراغ بما يناسب كل فرد:

  • أتُحِبُّه لأُمِّك؟ ... أتُحِبُّه لابنَتِك...؟: هو المنهج النبوي الوقائي الذي أثاره النبي -صلى الله عليه وسلم- في نفس هذا الشاب الذي أتى ليطلب الإذن في الفاحشة، فكلما وضع الشخص نفسه في الجهة المقابلة أدرك خطورة الموقف، ولن يرضى على غيره ما لا يرضاه لنفسه.
  • بناء دوائر صداقة: أن يبحث الشاب عن أصدقاء من الرجال لتبادل الهموم، وأن تبحث الفتاة عن صديقات من النساء، هذا هو المسار الطبيعي لتفريغ الحاجة إلى الصديق والمستودع للأسرار.
  • تطوير الذات المهنية: الانشغال بالإنجاز، والبحث عن التميز في العمل أو الدراسة، يرفع من سقف الاهتمامات ويجعل الوقت أثمن من أن يضيع في دردشات لا طائل منها.
  • الاستعفاف واليقين: إن الإيمان بأن من ترك شيئًا لله عوضه خيرًا منه هو المحرك الأقوى للالتزام بالضوابط.

الخلاصة

إن الإسلام لم يُقصِ المرأة ولم يعزل الرجل، بل أقر تفاعلهما حيثما اقتضت حاجة المجتمع، لكنه ضبط هذا التفاعل بسياج متين من التَّقْوَى والمُراقبة، إن محاولة تسويغ الصداقة بين الجنسين بحجة التحضر أو صفاء النوايا ليس تطورًا حضاريًا، بل هو استخفاف بالفطرة البشرية، وتجاوز للحدود الشرعية التي وضعت لصالحنا، ومتى التزم الشاب والفتاة بالجدية المطلقة، وغض البصر، وحفظ المسافة اللائقة التي تفرضها الزمالة العابرة، تحققت المصالح المشتركة، وسلمت القلوب من فِتَنٍ طالما عصفت بمن استهان ببداياتها، فلنجعل من زمالتنا في العمل والدراسة عمارةً للكون وخدمةً للأمة، لا ساحةً للهوى، ولنحفظ قلوبنا، فبها صلاح سائر الجسد، وبها النجاة يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون

موضوعات ذات صلة

يمر الإنسان أحيانًا باضطرابات نفسية تؤثر في توازنه الداخلي.

الصداقةُ ليست مصلحةً عابرة، بل ميثاقٌ روحي وإخاءٌ في الله يُبنى به المجتمع.

الأدب الإسلامي يبدأ بظهور الإسلام ويمتد إلى الآن، متأثرًا بمبادئ الإسلام وقيمه.

هو وصفٌ لفكر الإنسان وسلوكه دون غيره من المخلوقات.

موضوعات مختارة