لم يقتصر تحمل الصحابة على السماع والمشاهدة؛ بل كتبوا الحديث ليحفظوه بالسطور كما حفظوه في الصدور.
يقول الأستاذ أحمد أمين في (فجر الإسلام): يروي البلاذري في (فتوح البلدان) أن الإسلام دخل وفي قريش سبعة عشر رجلًا كلهم يكتب: عمر بن الخطاب، وعلى بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجراح، وطلحة، ويزيد بن أبي سفيان، وأبو حذيفة عتبة بن ربيعة، وحاطب بن عمر، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وأبان بن سعيد بن العاص، وأخوه خالد، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، وحويطب بن عبد العزى، وأبو سفيان بن حرب، وابنه معاوية، وجهم بن الصلت، ومن حلفاء قريش العلاء بن الحضرمي.
وقليل من نسائهم كن يكتبن كحفصة، وأم كلثوم، والشفاء بنت عبد الله العدوية، وكانت عائشة تقرأ ولا تكتب، وكذلك أم سلمة. [فتوح البلدان للبلاذري ص٥٨٠]
لكن صبحي الصالح يقول: "إنا لنستبعد ألا يكون في ذلك الحين بمكة إلا بضعة عشر يقرءون ويكتبون، إذ ليس في هذا الخبر إلا دلالة ظنية غامضة". [علوم الحديث لصبحي الصالح ص ١٥،١٤]
ونضيف إلى ما قاله استبعاد توقف التعلم على هذه الطبقة؛ بل نرجح أن من يليهم من الصحابة تعلم منهم ومن غيرهم الكتابة لظهور الحاجة إليها في تدوين القرآن والسنة وشئون الأمة، وتناسب الإقبال على التعليم مع وضع المسلمين وقت انتشار الإسلام وظهوره.
قال أحمد أمين: "أما الكتابة بالعربية في الأوس والخزرج فكانت قليلة، وكان بعض اليهود قد علم كتابة العربية، وكان يعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول، فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون؛ بل ورد في السير أنه كان من وسائل فداء الأسرى من مشركي بدر تعليم أطفال المسلمين الكتابة. وكان الصبيان يتعلمون في كتاتيب في الجاهلية الكتابة والشعر وأيام العرب، ويشرف عليهم معلمون ذوو مكانة أمثال أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس، وعمرو بن زرارة، وبشر بن عبد الملك السكوني، وغيرهم. [فجر لإسلام، لأحمد أمين ص ١٤١]
من هنا توافر كُتَّاب الوحي القرآني، وكان هناك كُتَّاب لشئون الدولة من الصدقات والمداينات والمعاملات والعهود والرسائل. ولمن لا يعرف الكتابة إذا طلب ذلك، قال زيد بن ثابت: "كنا عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نُؤلِف القرآن من الرقاع"، أي: نجمعه في مكان واحد، رواه الحاكم، وقال: حسن صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، واستدل به الحاكم على جمع القرآن في عصر الرسول- صلى الله عليه وسلم. [مستدرك الحاكم، كتاب التفسير٢/ ٢٢٩، وظن أنه جمع بعض القرآن، والذي نراه أنه جمع كله في عهده- صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم].
ومن كُتَّاب الرسول- صلى الله عليه وسلم– فيما جمع ابن كثير: الخلفاء الأربعة، وأبَان بن سعيد بن العاص، وأبي بن كعب، والأرقم بن أبي الأرقم، وثابت بن قيس بن شماس، وزيد بن ثابت، والزبير بن العوام، وخالد بن الوليد، ومعاوية.
وذكر ابن حجر من هؤلاء: حنظلة بن الربيع، وشرحبيل بن حَسَنة، وعبد الله بن رواحة.
قال المسعودي: "وإنما ذكرنا من أسماء كتابه- صلى الله عليه وسلم- من ثبت على كتابته، واتصلت أيامه فيها، وطالت مدته، وصحت الرواية على ذلك، دون من كتب الكتاب والكتابين والثلاثة، إذ لا يستحق بذلك أن يسمى كاتبًا ويضاف إلى جملة كُتَّابه". [السنة قبل التدوين لمحمد عجاج الخطيب ص ٢٩٨]
وننتهي من ذلك كله إلى انتشار الكتابة في عصر الرسول- صلى الله عليه وسلم- واشتهار بعض الصحابة بها لتفرغهم لها وحاجة أعمالهم إليها كالأمراء والرسل وكُتَّاب القرآن.
كما استعمل من يعرف الكتابة خبرته في حفظ الحديث في السطور، وهو ما أضاف ركنًا مهمًا في حفظ حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ظهرت قيمته عند تدوين الحديث.
وقد أثيرت شبه حول ذلك اعتمدت على بعض الروايات، ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تَكتبوا عنِّي، ومَن كَتَب عنِّي غيرَ القرآنِ فليَمحُه» [صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، حديث (٣٠٠٤)]
والنهي هنا موجه لكتاب الوحي لئلا يختلط القرآن بغيره، وهو المناسب لقوله -صلى الله عليه وسلم- «ومَن كَتَب عنِّي غيرَ القرآنِ فليَمحُه».
وليس هناك كما قال بعض الباحثين ما يمنع من افتراض كون الصحابة ومن بعدهم قد قاموا بكتابة السنة بقدر وسعهم خوفًا عليها من الضياع، في مجتمع كانت الأقوال المأثورة للبشر العاديين تحفظ بالتدوين [تاريخ التراث العربي، لفؤاد سزكين]. (كالمعلقات من الشعر).
وقد أَذِن الرسول- صلى الله عليه وسلم- في كتابة الحديث، وشجع عليها، وأمر بها لمن يحتاج إلى الكتابة ولا يستطيعها.
قال ابن حجر: "قدَّم البخاري حديث علي- رضي الله عنه-، لأنه كتب عن النبي- صلى الله عليه وسلم-، وثنَّى بحديث أبي هريرة- رضي الله عنه-: «اكتبُوا لأبِي شاهٍ» [صحيح البخاري، كتاب الديات، حديث (٦٨٨٠)]. وثلَّث بحديث عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما: "أنه كتب آلافًا من الأحاديث"، وختم بحديث ابن عباس – رضي الله عنهما: "أنه- صلى الله عليه وسلم-، همَّ أن يكْتبَ لأمَّتِهِ كِتابًا يحْصُل مَعَهُ الأمْن مِن الاخْتِلافِ". [صحيح البخاري بشرح ابن حجر العسقلاني ١/٢١٠]
وقد قال عبد الله بن عمرو لرسول الله- صلى الله عليه وسلم: يقولون: تكتب كل شيء تسمعه، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم: يتكلم في الرضا والغضب، فقال له الرسول- صلى الله عليه وسلم: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا الْحَقُّ» وأشار إلى فيه. [مسند أحمد ٢/١٦٢، وسنن الدارمي، المقدمة، حديث (٤٨٤)، ومستدرك الحاكم، كتاب العلم١/ ١٠٥، وصححه الذهبي]
ومن كُتبه -صلى الله عليه وسلم: كتاب الصدقة، وفيه تحديد مقادير الزكاة من الإبل والبقر والغنم وتفصيل ذلك، وكتب به أبو بكر إلى أنس- رضي الله عنه- لما وجهه إلى البحرين. [صحيح البخاري، كتاب الزكاة، حديث ١٤٥٤]. وكتب إلى ملوك الأرض. [صحيح البخاري، كتاب العلم، حديث: ٦٥]
وقد اشتهرت صُحف دوَّنها الصحابة ورواها عنهم تابعون منها: الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما، ويظهر لي أنها أحاديث انتقاها مما كتبه. وفي مسند أحمد عنه أحاديث تظهر عنايته بها لأنها في مواضيع خاصة اشتدت الحاجة إليها، وكانت فاصلة في قضايا مهمة. قال ابن الأثير: "كانت ألف حديث".
وصحيفة سَمُرَة بن جندب- رضي الله عنه- قال عنها ابن سيرين: فيها علم كثير، وما رواه الحسن البصري عنه قيل إنه من صحيفته، وأثبت بعض العلماء سماعه لبعض ما رواه.
ومنها: صحيفة جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- وكان قتادة يحفظها كما يحفظ سورة البقرة.
وحديث الحج الطويل في صحيح مسلم يمثل صحيفة خاصة دوَّنها جابر، وفصَّل فيها حجة الوداع من بدايتها إلى نهايتها منذ الخروج من المدينة إلى العودة إليها.
قال أبو حاتم الرازي: "جالس سليمان اليَشْكُري جابرًا فسمع منه وكتب عنه صحيفة فتوفي وبقيت الصحيفة عند امرأته، فروى أبو الزبير وأبو سفيان والشعبي عن جابر، وهم قد سمعوا من جابر وأكثره من الصحيفة، وكذلك قتادة". [الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم الرازي، ترجمة سليمان بن قيس اليشكري ٤/ ١٣٦، ترجمة (٥٩٦)]
ومنها: صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة، وفي مسند أحمد سرد لها، وفي تحقيق الشيخ أحمد شاكر للمسند مقدمة مستفيضة عنها. [مسند أحمد بتحقيق الأستاذ العلامة/ أحمد شاكر جـ١٦، وراجع السنة قبل التدوين ص ٣٤٨ - ٣٥٧]
أما ما ورد من تحرج بعض الصحابة من كتابة الحديث فذلك؛ لئلا تشغل عن القرآن، في وقت كانت العناية مركزة في تحفيظ القرآن ونشره في الآفاق؛ ولئلا يشتغل المسلمون بالتوفيق بين الأحاديث والترجيح قبل ثبات الإسلام في القلوب، وانتشاره بين الجماهير؛ ولئلا يدعي العلم من ليس من أهله فيضلل الجماهير. وكان ذلك لبعضهم منهجًا خاصًا لقدرته على الحفظ، واعتماده على حفظ غيره للحديث، وبمجموع الأمرين كتابة السنة وعدم الإلزام بهذه الكتابة، والتوقف عن التشجيع على الاعتماد عليها زادت العناية بالحديث حفظًا وتلقينًا ومراجعة وتصحيحًا ونقدًا وتحليلًا، كما أن من كتب استمر في الكتابة، وكانت كتابته فيصلًا في الترجيح بين روايات الرواة.
أما التدوين العام فهمَّ به أبو بكر وتركه، ثم عمر وتركه، ثم حاوله غيرهم. [راجع: تقييد العلم، للخطيب البغدادي ص ٤٩، وتذكرة الحفاظ للذهبي ١/٥].
وفي طبقات ابن سعد عن الليث بن سعد قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب أن عبد العزيز بن مروان كتب إلى كثير بن مرة الحضرمي، وكان قد أدرك بحمص سبعين بدريًا من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم-أن يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من أحاديثهم إلا حديث أبي هريرة فإنه عندنا، وكثير ذكره البخاري فيمن مات من السبعين إلى الثمانين من الهجرة. [السنة قبل التدوين ص ٣٧٣].
وألف أبو رافع مولى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كتابًا أسماه "السنن والأحكام والقضايا" وكانت وفاته سنة ٣٥ من الهجرة نقل ذلك السيد حسن الصدر.
واعتنى الأستاذ سيد صقر في مقدمة (هدي الساري) لابن حجر بسرد الصحف المدونة في عصر الصحابة -رضي الله عنهم.
الإقلال من الرواية:
ومن المناهج في هذا العصر منهج الإقلال من رواية الحديث، وقد استغل بعض المتكلمين ذلك في الطعن فيمن أكثر من رواية الحديث، مع أن هذا المنهج كان يمثل اتجاه الدولة لتركيز اهتمام الجمهور على العناية بالقرآن الكريم.
روى الحاكم في المستدرك عن قرظة بن كعب قال: "خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى صرار، فتوضأ، ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- مشيت معنا. قال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تبدءوهم بالأحاديث فيشغلونكم، جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وامضوا، وأنا شريككم. فلما قدم قرظة قالوا حدثنا. قال: نهانا ابن الخطاب".[مستدرك الحاكم، كتاب العلم، ٢/ ١٠٢، وقال الحاكم وتابعه الذهبي: صحيح له طرق].
قال الحاكم: "وإنكار عمر أمير المؤمنين على الصحابة كثرة الرواية عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيه سنة، ولم يخرجاه"، أي: في الصحيحين.
وروى الحاكم عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أن عمر- رضي الله عنه- قال لابن مسعود ولأبي الدرداء، ولأبي ذر- رضي الله عنهم-: "ما هذا الحديث عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟ وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب". [مستدرك الحاكم، كتاب العلم، ١/١١٠، وقال الحاكم: على شرط مسلم].
وأوضح الرامهرمزي في روايته المراد بالحبس، فنقل عن شيخه أبي عبد الله بن البري: أن حبسهم بالمدينة يعني منعهم الحديث. [المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، للرامهرمزي، ص ٥٥٣]. وكان ذلك في أخريات حياته، وقد انتشر الحديث عنهم، وكان الناس يفدون إلى المدينة فيسمعون منهم، ولم ينقل أنه منعهم من رواية الحديث بالمدينة على الإطلاق؛ بل المراد أحاديث معينة كانت تثير بين الناس اختلافًا، أو يعجزون عن معرفة ما يراد بها بين مجموع الأحاديث.
واستنكار ابن حزم لهذه الرواية محمول على المنع بإطلاق، وهو ما لا يتصور من عمر- رضي الله عنه؛ ولكنه منع في وقت خاص لظروف خاصة يتصل بأحاديث معينة يحملها بعض الناس على غير وجهها، أو يثير بها مشاكل بين الناس [راجع: السنة قبل التدوين ص١٠٦- ١١٠].
وأَقَلَّ بعضهم رواية الحديث لأن غيره من الصحابة رواه.
وكان بعضهم يخشى من الرواية بالمعنى للفظ من الألفاظ، فيقول عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما لم يقل: روى أحمد، وأبو يعلى عن عثمان- رضي الله عنه-، قال: ما يمنعني أن أحدث عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-ألا أكون أوعى أصحابه عنده، ولكن أشهد لقد سمعته يقول: «مَن قَاَل عَلَيَّ مَا لَم أَقلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [مسند أحمد ١/٦٥، ومسند أبي يعلى ١/١٥٢].
وقد ذكر صفة الوضوء تحرجًا من أن يكتم علمًا عنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. [صحيح مسلم -كتاب الطهارة، حديث (٢٢٦)].
وروى البخاري، وابن ماجه، والحاكم عن أبي هريرة- رضي الله عنه-، قال: "لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت شيئًا أبدًا"، [صحيح البخاري، كتاب المزارعة، حديث (٢٣٥٠)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، حديث (٢٥٨)، ومستدرك الحاكم، كتاب التفسير ٢/٢٧١]. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ * إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [سورة البقرة -الآيتان (١٥٩، ١٦٠)]
وروى أحمد، وابن عدي عن أسلم قال: "كنا إذا قلنا لعمر: حدثنا عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: أخاف أن أزيد حرفًا، أو أنقص حرفًا. إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». [مسند أحمد١/٤٦، والكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي٣/ ٥٨٤، ترجمة (٦٤١)]
فكان من أَقَلَّ رواية الحديث وحَثَّ عليه يخاف من الزيادة، أو النقصان في لفظ، أو أكثر، ويتثبت من رواية الحديث كأبي بكر، وعمر- رضي الله عنهما- حيث طلبا شاهدًا للحديث. وكان عمر- رضي الله عنه- يستحلف الرواي فإذا حلف صدقه (أي مع مراعاة جوانب الاحتياط الأخرى لقبول الحديث) وكان عمر يأمر بالتقليل من الرواية.
ومن أكثر من الروايات كأبي هريرة- رضي الله عنه- كان متمكنًا مما رواه مستحضرًا جوانب الاحتياط التي عند من أقل رواية الحديث.
روى البخاري في كتاب اللباس بسنده عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: أتى عمر- رضي الله عنه-: بامرأة تَشِم فقال: أنشدكم الله من سمع من النبي- صلى الله عليه وسلم- في الوشْم، فقال أبو هريرة- رضي الله عنه- سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا تَشِمْنَ ولا تَسْتَوْشِمْنَ». [صحيح البخاري، كتاب اللباس، حديث (٥٩٤٦)]
قال ابن حجر: "فائدة ذكر أبي هريرة قصة عمر إظهار ضبطه، وأن عمر يستثبته في الأحاديث مع تشدد عمر، ولو أنكر عليه عمر ذلك لنقل". [فتح الباري، لابن حجر ١٥/ ٢٧٥].
والمقصود أن الخلفاء كانوا يدعون الرواة إلى التثبت والإقلال من الرواية، وكانوا يطلبون إلى جانب الرواية ما يؤكد الحفظ أحيانًا، وفي بعض الأحيان كانوا يقبلون رواية الواحد؛ بل ويروي الواحد منهم الحديث. كما كانوا بسؤالهم عن السنة ومذاكرتهم لها يشجعون على جمع الحديث والإكثار من هذا الجمع، ونقل ذلك بين العلماء؛ لأن العامة قد لا يتسع إدراكهم لما جاء في بعض الأحاديث، قال علي- رضي الله عنه- فيما رواه البخاري: «حَدِّثُوا النّاسَ، بما يَعْرِفُونَ أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ، اللَّهُ ورَسولُهُ» [صحيح البخاري، كتاب العلم، حديث (١٢٧)]
فمنهج الإقلال من الرواية والتحذير من كثرة الحديث، محمول على المجالس العامة، ومخصوص بمن لا يبالي بالجو الذي يروى فيه الحديث.
ومنهج الإكثار من الرواية محمول على من يتخصص لرواية الحديث وجمعه في مدارس الحديث، وبين المتفرغين لدراسته وروايته.
هذا عن الإقلال والإكثار.
أما عن مجموع ما رُوي عن الراوي فله عوامل أخرى، منها: تقدُّم وفاة الراوي
فكان ما رواه موجودًا عند من سمعه من الصحابة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلم
يروه عنه لئلا ينزل في الرواية فَقَل ما خلص من حديثه بين
الرواة، كما حدث لأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي- رضي الله عنهم- وغيرهم من كبار الصحابة ممن مات في عهده- صلى الله عليه وسلم- وعهد
الخلفاء الراشدين.
أما من عاش بعد ذلك فكثرت روايته عن النبي- صلى الله عليه وسلم- وعن أصحابه
الكبار، كأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وجابر، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة- رضي الله عنهم-
والمكثرين من الصحابة.
ومن أسباب كثرة الرواية: تفرد الصحابي في قطر من الأقطار بالإمامة، كابن
مسعود، وأبي موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان- رضي الله
عنهم- ومشاهير الصحابة بالأمصار.
وبالجملة: فكل صحابي روى بقدر الحاجة إلى روايته، وما هيأ الله له من
تلاميذ، وما واجهه من أجواء اقتضت الرواية، وكان عند أكثرهم علم كثير، وكان عند بعضهم علم
قليل كما بين مسروق -رحمه الله.