Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مناهج المحدثين

الكاتب

أ. د/ عزت عطية

مناهج المحدثين

مناهج المحدثين هي الحارس الأمين على السنة الشريفة، حيث انبرى الأئمة في مسيرة مخلصة مباركة لتمحيص الروايات، وتوثيق السند، وحراسة المتن من الدخيل، وقد ساروا في ذلك على أصول محكمة، فجاءت مناهجهم مدارس متكاملة تجمع أصول البحث العلمي؛ لكي يظل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيًّا.

مفهوم مناهج المحدثين

المناهج لغة: جمع منهج وهو الطريق الواضح كالمنهاج، قال تعالى: {لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ} [سورة المائدة، آية ٤٨]. والشرعة هي النصوص المقدسة، والمنهاج هو تطبيق هذه النصوص والأسلوب الذي يسير عليه هذا التطبيق. [لسان العرب، مادة (نهج) ٢/٣٨٢]

والمنهج: خطوات منظمة يتخذها الباحث لمعالجة مسألة، أو أكثر ويتتبعها للوصول إلى نتيجة، أو الطريق الواضح في التعبير، أو العمل، أو التعليم طبقًا لمبادئ معينة بنظام معين بغية الوصول إلى غاية معينة.

ويراد بمناهج المحدثين اصطلاحًا: الطرق التي استعملوها في جمع الحديث وتدوينه وتداوله، والشروط التي وضعوها لذلك، والأساليب المستخدمة في التصنيف والتأليف، والعلوم التي جعلوها خادمة لذلك، وطريقتهم في عرض ذلك بعد استنباطه واستخراجه، وما نتج عن ذلك من تقسيم الأحاديث باعتبارات مختلفة كعدد الرواة في طبقات السند، ودرجة الحديث من حيث القبول والرد، كما قسَّموا الحديث إلى سند ومتن وتعددت الدراسات والتأليف المتصلة بكل منهما.

وفي ضوء مناهج البحث الحديثة يمكن تقسيم مناهج المحدثين إلى المنهج التجريبي، أو الاستقرائي، أو التاريخي، مع المقارنة بين استعمالهم هذه المناهج في مؤلفاتهم الخاصة.

الطريق إلى معرفة مناهج المحدثين

والطريق إلى معرفة مناهج المحدثين تتبع طرقهم في جمع الحديث وروايته والحكم عليه، والاستفادة منه، وعنايتهم بسنده ومتنه قرنًا بعد قرن، مع تسجيل مزايا المناهج في كل قرن، وما يحتاج إليه المنهج في قرن مما تم استدراكه في قرون تالية، أو مما لا يزال في حاجة إلى استدراك. كما ينبغي تسجيل ما دخل في هذه المناهج مما لا حاجة إليه، أو مما يعوق السير في المنهج على أساس مستقيم.

ويتيسر ذلك بدراسة منهج راوٍ، أو مصنف في كتاب معين، ثم في سائر مؤلفاته، ثم المقارنة بينه وبين غيره من أهل عصره لتحديد السمات المشتركة ومواطن التفرد، أو الانحراف للوصول إلى تحديد منهج المحدثين في القرن المعين. وباستكمال مناهج المحدثين في القرون المتتابعة، يمكن الوصول إلى مناهجهم في كل مجموعة من القرون المشتركة في سمات غالبة.

أهم الفوائد العلمية لدراسة المناهج

أما الفوائد العلمية لدراسة مناهج المحدثين فهي تأصيل قواعد علوم الحديث، والحكم على الرواة، ثم الحكم على الحديث على وجه العموم، والفصل بين المنهج الميسر الذي يتساهل في قبول الحديث، والمنهج المتشدد الذي لا يعتمد من الحديث إلا ما لا شبهة في قبوله، واستخدام كلا المنهجين فيما يناسب كلًّا منهما.

ويمثل منهج الإمام البخاري في صحيحه أشد المناهج احترازًا في قبول الحديث، ويمثل منهج الإمام مسلم في صحيحه عدم التشدد والاحتراز في الحكم بصحة الحديث، ويليه كتب الصحاح الأخرى كابن خزيمة، وابن حبان، ومستدرك الحاكم، وما صححه الترمذي وغيرهم من العلماء.

وتساهل المتأخرون في اعتماد الأحاديث بمجموع الطرق الواردة وإن لم تصل بمجموعها إلى التصحيح؛ بل والتحسين.

منهج المحدثين في الزمن النبوي الشريف حتى نهاية القرن الأول

الدور الأول: منهج المحدثين في عصر الرسول- صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام حتى نهاية القرن الأول الهجري.

١- منهج تلقى الحديث من رسول الله- صلى الله عليه وسلم: تلقى الصحابة الحديث عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سماعًا للقول، ومشاهدة للفعل، وتعرفًا على الإقرار، وتثبتًا من الصفات.

وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- لا يخلو في ساعات خروجه من بيته من جليس يجالسه، أو رفيق يرافقه في مشيه وسيره، أو متعلم يلتمس علمًا، أو مستفت يستفتيه في مسألة، كما كانت تعرض القضايا العامة، أو الخاصة فيبدي فيها رأيه، ويصدر فيها حكمه، وكان يوصي من يوفده، أو يؤمِّره على سرية، أو يستنيبه في إمارة، أو قضاء، فجمع الصحابة- كلٌ بحسب ما تيسر له حفظه- كلَ ما صدر عنه- صلى الله عليه وسلم- في خارج بيته.

أما ما كان منه في داخل بيته فتكفلت به أمهات المؤمنين، ومن كان يخدم بالبيت، ومن كان يزوره في بيته بتسجيل ذلك كله وروايته.

روى البخاري بسنده عن ميمونة (رضي الله عنها) "أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِحِلَابٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الْمَوْقِفِ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ". [صحيح البخاري، كتاب الصوم، حديث (١٩٨٩)]

وروى مسلم بسنده عن ابن عباس- رضي الله عنه - قال: "بِتُّ ليلةً عند خالتي ميمونةَ، فقام النبيُّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فأتى حاجتَه، ثمّ غسل وجهَه ويدَيه، ثمّ نام، ثمّ قام فأتى القِربةَ، فأطلق شِنافَها، ثمّ توضّأ وضوءًا بينَ الوضوءَيْنِ، ولم يُكْثِرْ، وقد أَبْلَغَ، ثمّ قام فصلّى، فَتَتَامَّتْ صلاةُ رسولِ اللهِ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من الليلِ ثلاثَ عشرةَ ركعةً، ثمّ اضطجعَ فنامَ حتى نَفَخَ، وكان إذا نامَ نَفَخَ، فأتاه بلالٌ فآذَنَه بالصلاةِ، فقام فصلّى ولم يتوضّأ، وكان في دعائه: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَعَظِّمْ لِي نُورًا». [صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث (٣٦٣)]

وكان ابن عباس صبيًّا لم يبلغ الحلم، وهو ما يدل على اشتراك الصبيان مع النساء- فضلًا عن الرجال- في تحمل الحديث وروايته.

وسائل تلقي الحديث النبوي الشريف

 وتعددت الوسائل التي يسرت لهم تلقي الحديث، ومنها:

١- مجالس العلم النبوي: وكانت بحسب مقتضيات الحاجة، واستعداد الحاضرين للتلقي والسماع، قال ابن مسعود– رضي الله عنه– فيما رواه البخاري: "كانَ النبيُّ- صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يَتَخَوَّلُنا بالموعظةِ في الأيّامِ، كَراهةَ السآمةِ علينا". [صحيح البخاري، كتاب العلم، حديث (٦٨)]

وكانت خطبة الجمعة وسيلة للتعليم على نظام ثابت لا يتخلف، وكان- صلى الله عليه وسلم- يخص النساء ببعض مجالس العلم، مع أنهن كن يستمعن لخطبة الجمعة وكثير من مجالس العلم عقب الصلوات، روى البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري– رضي الله عنه– قال: قالت النساءُ للنبيِّ– صلى الله عليه وسلم: غلَبَنا عليك الرجالُ، فاجعلْ لنا يومًا من نفسِك، فوعدهنَّ يومًا، لقيهنَّ فيه، فوعظهنَّ وأمرهنَّ، فكان فيما قال لهن: «ما مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا، إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ» فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ». [صحيح البخاري، كتاب العلم، حديث (١٠٢)]

٢- أسئلة ترد عليه فيجيب عليها: روى الشيخان بسنديهما عن أبي موسى الأشعري– رضي الله عنه– قال: جاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ- صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، ما القتالُ في سبيلِ اللهِ؟ فإنَّ أحدَنا يُقاتِلُ غضبًا، ويُقاتِلُ حميَّةً، فرفعَ إليهِ رأسَهُ، فقالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ». [صحيح البخاري، كتاب العلم، حديث (١٢٣)، وصحيح مسلم، كتاب الإمارة، حديث (١٩٠٤)]

٣- تصحيح أخطاء وقعت منهم بإرشادهم إلى الصواب: روى الشيخان عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- قال: تخلَّفَ عنّا النَّبيُّ- صلّى الله عليه وسلّم- في سَفْرَةٍ سافَرْناها، فأدركنا وقد أرهَقَتْنا الصَّلاةُ ونحن نَتَوضّأ، فجعلنا نَمسَحُ على أرجُلِنا، فنادى بأعلى صَوْتِه: «وَيْلٌ لِلأَعقابِ مِنَ النّارِ» مرّتَيْنِ أو ثلاثًا. [صحيح البخاري، كتاب العلم، حديث (٦٠)، وصحيح مسلم، كتاب الطهارة، حديث (٢٤١)]

وروى البخاري بسنده عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قامَ أعرابيٌّ فبالَ في المسجدِ، فتناولَهُ الناسُ، فقالَ لهمُ النَّبيُّ– صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ (أَيْ: دَلْوًا)، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ». [صحيح البخاري، كتاب الوضوء، حديث (٢٢٠)]

وتعاون الصحابة في تلقي الحديث وتبليغه، فما فات واحدًا أخذه عن طريق من طرق تلقي الحديث، فقد ثبت عن أبي بكر وعمر وغيرهما طلب سنة رسول الله– صلّى الله عليه وسلّم– ممن هي عنده وتثبتهم في ذلك، وكان لعمر صاحب، وكانا يتناوبان السماع من رسول الله– صلّى الله عليه وسلّم– يحضر هذا يومًا وذاك يومًا، ومن حضر يخبر صاحبه عما فاته من حديث رسول الله– صلّى الله عليه وسلّم. [صحيح البخاري، كتاب العلم، حديث (٨٩)]

وروى الحاكم بسند صححه على شرط الشيخين وتابعه الذهبي عن البراء- رضي الله عنه- قال: "ليس كلُّنا سَمِعَ حديثَ رسولِ اللهِ– صلّى اللهُ عليه وسلّم، كانت لنا ضَيْعةٌ وأشغالٌ، ولكنَّ الناسَ كانوا لا يَكذِبون يومئذٍ، فيُحدِّثُ الشاهدُ عن الغائبِ". [مستدرك الحاكم، كتاب العلم، ١/ ١٢٧]

وكيف يكذب راوٍ عن رسول الله– صلّى اللهُ عليه وسلّم– في عهده، والوحي ينزل يكشف كلَ كذب، ويذكر كلَ نفاق، والسامع يستطيع أن يتثبت من مصدر الحديث وهو الرسول– صلّى اللهُ عليه وسلّم.

من هنا كانت السنة تنتشر عن طريق الرسول– صلّى اللهُ عليه وسلّم–، وعمن يبلغ عنه، حتى إن بعض من أسلم من الصحابة وغيرهم روى ما تحمله من الحديث حال كفره مما تثبت من حفظه وقت روايته، وذلك كثير في السنة.

العوامل التي ساعدت الصحابة على حفظ الحديث

وساعدهم على حفظ الحديث عدة عوامل منها:

١- أسلوب الرسول– صلّى اللهُ عليه وسلّم– في التعليم والإلقاء، فقد كان يعيد الحديث ثلاثًا، وكان كلامه فصلًا يفقهه كل أحد، لم يكن يسرده سردًا، وقد علم أصحابه التشهد كما كان يعلمهم السورة من القرآن، وكان يجذب الانتباه بالسؤال، ويتيح للسامع أن يسأل، ويستخدم وسائل التوضيح كالعدِّ على الأصابع، أو عقد الأصابع بما يدل على العدد، أو الرسم بعصًا على الأرض رسمًا يُبيّن ما يتحدث عنه بصورة محسوسة، كما استعمل أسلوب التوضيح بالتشبيه والقصص وبيان العلة، وتحديد السبب، والفصل بين المتضادين، والمقارنة بين الناس في أحوالهم المختلفة.

٢- حبهم للرسول– صلّى اللهُ عليه وسلّم– وحرصهم على ما يصدر منه: روى البخاري بسنده أن عروة بن مسعود الثقفي قال عنه، وعن أصحابه لقريش وقد كان وافدهم: "إِذَا أَمَرَهُمْ بِأَمْرٍ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى فَضْلِ وُضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِندَهُ، وَمَا يَحُدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ» وَهِيَ شَهَادَةٌ مِنْ كَافِرٍ لَيْسَ فِيهَا مُبَالَغَة". [صحيح البخاري، كتاب الشروط، حديث (٢٧٣٤)]

وقال عمرو بن العاص: "وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ– صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ– وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنِي مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ، لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنِي مِنْه" [صحيح مسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٢١)]

٣- بساطة الحياة وضعف الشواغل عن الحفظ. قال ابن عبد البر:" كان العرب قد طبعوا على الحفظ، وكان كثير من الصحابة يكتفي بالسماع مرة واحدة" [جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر١/٦٩]

٤- منزلة السنة من الدين؛ فهي المبينة للقرآن الكريم، بيَّنت كيفية الصلاة، ومقادير الزكاة، وأعمال الحج، وكيفية المعاملات الشخصية والاقتصادية والاجتماعية، قال تعالى: {وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ} [سورة الحشر: آية (٧)]. {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ} [سورة النور، آية (٥٤)]

فالدين قرآن وسنة، وضياع شيء من السنة ضياع من الدين. قال تعالى: {إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ * فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ} [سورة القيامة، الآيات (١٧-١٩)].

وأجمع العلماء على أن السنة دين كالقرآن سواء بسواء مع اختلافهما في بعض الخصائص والمراتب.

٥- اتصال السنة بحياتهم وسريانها في كل شئونهم: فهي تنظم علاقة المؤمن مع ربه، وعلاقته مع غيره من الخلق. وهي مع القرآن تمثل الرسالة التامة العامة التي تشمل العقيدة والشريعة، والقول والعمل، والظاهر والباطن، يستشعر الناس حاجتهم إليها وعدم استغنائهم عنها، ويرون ارتباطها بحياتهم في جميع المجالات. ومن ذلك: "أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَاعْتَرَفُوا بِعَدَمِ الْعُذْرِ الدَّافِعِ لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَنَهَى النَّبِيُّ– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ– النَّاسَ عَنْ مُكَالَمَتِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ، فَاجْتَنَبَهُمُ النَّاسُ خَمْسِينَ لَيْلَةً حَتَّى ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ. ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِم". [صحيح البخاري، كتاب المغازي، حديث (٤٤١٨)]

واستشفع كبارٌ من قريشٍ في دفع الحد عن سارقة فقال– صلّى اللهُ عليه وسلّم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا». [صحيح البخاري، كتاب المغازي، حديث (٤٣٠٤)، وصحيح مسلم، كتاب الحدود، حديث (١٦٨٨)]

٦- وجوب تعلم السنة وتعليمها ونشرها وتبليغها: فلم يكن أمر حفظ السنة ونشرها موكولًا إلى اختيارهم؛ بل كان تكليفًا دينيًا لازمًا لهم. قال تعالى: {كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ} [سورة البقرة، آية ١٥١] والتعليم إلزام للمتعلم وتحميل لمسئولية التبليغ.

من هنا لزم من عنده فراغ من الصحابة أن يجالس الرسول- صلى الله عليه وسلم- ليسمع العلم ويتحمله، قال تعالى: {فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ} [سورة التوبة، آية ١٢٢]

قال ابن عباس- رضى الله عنهما- كما في (الدر المنثور) [الدر المنثور، للسيوطي ٣/٥٢١]: ما كان المؤمنون لينفروا جميعًا ويتركوا النبي- صلى الله عليه وسلم- وحده، {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة}، يعني عصبة، فإذا رجعت وقد نزل قرآن (أو صدر عن النبي- صلى الله عليه وسلم– حديث) تعلمه القاعدون من النبي- صلى الله عليه وسلم- يتعلمون ما أنزل على نبيه، وما صدر منه، ويعلمونه السرايا إذا رجعت إليهم.

وقد يتفرغ أناس لطلب العلم ثم يعودون إلى قومهم بما تعلموه، كما حدث من الوفود التي كانت تفد إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم.

إن العلم الديني ليس لحامله؛ بل لكل من يمكن أن يصل إليه، وكتمانه شر وظلم، قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ * إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [سورة البقرة، الآيتان ١٥٩-١٦٠]. وقال: {وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ} [سورة آل عمران، آية ١٨٧].

وفي حديث صحيح: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» [سنن الترمذي، كتاب العلم، حديث (٢٦٤٩)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، حديث (٢٦٠)، ومستدرك الحاكم، كتاب العلم ١/ ١٠١، والمعجم الكبير للطبراني ١١/ ١٤٥، حديث (١١٣١٠)].

وقال- صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري: «ألا ليبلغَ الشاهدُ منكم الغائبَ» [صحيح البخاري، كتاب العلم، حديث (١٠٥)].

وقال -أيضًا- فيما رواه البخاري: «بلِّغُوا عَنِّي ولَو آيةً» [صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (٣٤٦١)].

وقال لوفد الشباب فيما رواه البخاري: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ» [صحيح البخاري، كتاب الأدب، حديث (٦٠٠٨)].

وقال- فيما رواه أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح، وابن ماجه: «نَضَّرَ اللهُ امرءًا سَمِعَ مِنَّا شيئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» [سنن أبي داود، كتاب العلم، حديث (٣٦٦٠)، وسنن الترمذي، كتاب العلم، حديث (٢٦٥٧)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، حديث (٢٤٦)، وراجع المستدرك ١/ ٨٧، ٨٨]

وانتشرت السنة إلى الآفاق في عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن طريق ولاته ورسله وقادة جيوشه ومن وَفد عليه، ثم اتسع ذلك بعده على يد الصحابة في جميع الأقطار، قال الحاكم النيسابوري: " فمن مشاهير الصحابة بمكة عبد الله بن السائب، وعثمان بن طلحة، وابن عباس، وكان بالكوفة علي، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والنعمان بن بشير، وكان بمصر عبد الله بن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر الجهني، وكان بالبصرة أنس بن مالك، وعمران بن حصين، وأبو برزة الأسلمي، وكان بالشام معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وشرحبيل بن حَسَنة- رضي الله عنهم أجمعين". [معرفة علوم الحديث، للحاكم النيسابوري ص ١٩٠-١٩٤، واقتصرنا على من ذكر].

هذا وكانت المدينة مجمع الصحابة في عهد عمر بن الخطاب وما تلاه واشتهر بها عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري- رضي الله عنهم.

وكان الاتصال بين هذه المدارس ميسورًا، وكان أهل العلم إذا نزلوا ببلد رجعوا إلى الصحابة للتثبت والاستزادة مما عندهم من العلم.

ومن نماذج ذلك ما ذكره الحاكم في " معرفة علوم الحديث"، عن أبي أيوب الأنصاري أنه رحل من المدينة إلى عقبة بن عامر بمصر، فقال له عقبة: ما جاء بك يا أبا أيوب؟، فقال: "حديث سمعته من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يبقَ أحد ممن سمعه من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- غيري وغيرك في ستر المؤمن". قال عقبة: "نعم"، سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَنْ سَتَرَ مُؤْمِنًا فِي الدُّنْيَا عَلَى خِزْيَةٍ، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ».

قال الحاكم: "فهذا أبو أيوب، على تقدم صحبته وكثرة سماعه من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رحل إلى صحابي من أقرانه في حديث واحد، لو اقتصر على سماعه من بعض أصحابه لأمكنه". [المرجع السابق ص ٩، وراجع: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ١/٩٤]

ونتساءل: أكانت رحلة أبي أيوب ليستوثق من حفظه الحديث، أم ليتأكد من حفظ رفيقه ليكون كل منهما سندًا لأخيه عند التثبت؟

وقال مسروق: "جالست أصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم- فوجدتهم كالإخاذ (الغدير)، فالإخاذ يروي الرجل، والإخاذ يروي الرجلين، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ يروي المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم". وكان مسروق رحالة في طلب العلم.

وقال أحمد: " كان علقمة والأسود يبلغهما الحديث عن عمر فلا يقنعهما حتى يخرجا إليه فيسمعانه منه.

وكان للرحلة أثر كبير في التثبت من الروايات وبخاصة عند التشكك في لفظة، أو جملة.

وفي مواجهة البدع والانحرافات، روى مسلم بسنده عن يزيد الفقير قال:" كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج، ثم نخرج على الناس، فمررنا بالمدينة فإذا جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- يحدث عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فإذا هو قد ذكر الجهنميين (الذين يخرجون من جهنم بالشفاعة من المسلمين) فقلت له: يا صاحب رسول الله- صلى الله عليه وسلم: ما هذا الذي تحدثون؟ والله يقول: {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ} [سورة آل عمران آية، ١٩٢]. ويقول: {كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا} [سورة السجدة: آية (٢٠)] فَمَا هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ؟ فَقَالَ: أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ)؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ، وَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ، قَالَ: فَرَجَعْنَا فَقُلْنَا: وَيْحَكُمْ، أَتَرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَلَا وَاللهِ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ. [صحيح مسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٩١)]

ووقع من ابن عمر ما يشبه ذلك عن القدرية، حيث قال: "إذا لَقِيتَ هؤلاءِ، فأخبِرْهُم أني بَريءٌ منهم، وأنهم بُرَآءُ مني"، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله منه، حتى يؤمن بالقدر. وروى حديث الإيمان. وكانوا يقولون: " لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ". [صحيح مسلم، كتاب الإيمان، حديث (٨)]

وأثمرت مدارس الحديث أئمة الحديث من التابعين فمن بعدهم إلى الآن.

كتابة الحديث وتدوينه

لم يقتصر تحمل الصحابة على السماع والمشاهدة؛ بل كتبوا الحديث ليحفظوه بالسطور كما حفظوه في الصدور.

يقول الأستاذ أحمد أمين في (فجر الإسلام): يروي البلاذري في (فتوح البلدان) أن الإسلام دخل وفي قريش سبعة عشر رجلًا كلهم يكتب: عمر بن الخطاب، وعلى بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجراح، وطلحة، ويزيد بن أبي سفيان، وأبو حذيفة عتبة بن ربيعة، وحاطب بن عمر، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وأبان بن سعيد بن العاص، وأخوه خالد، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، وحويطب بن عبد العزى، وأبو سفيان بن حرب، وابنه معاوية، وجهم بن الصلت، ومن حلفاء قريش العلاء بن الحضرمي.

وقليل من نسائهم كن يكتبن كحفصة، وأم كلثوم، والشفاء بنت عبد الله العدوية، وكانت عائشة تقرأ ولا تكتب، وكذلك أم سلمة. [فتوح البلدان للبلاذري ص٥٨٠]

لكن صبحي الصالح يقول: "إنا لنستبعد ألا يكون في ذلك الحين بمكة إلا بضعة عشر يقرءون ويكتبون، إذ ليس في هذا الخبر إلا دلالة ظنية غامضة". [علوم الحديث لصبحي الصالح ص ١٥،١٤]

ونضيف إلى ما قاله استبعاد توقف التعلم على هذه الطبقة؛ بل نرجح أن من يليهم من الصحابة تعلم منهم ومن غيرهم الكتابة لظهور الحاجة إليها في تدوين القرآن والسنة وشئون الأمة، وتناسب الإقبال على التعليم مع وضع المسلمين وقت انتشار الإسلام وظهوره.

قال أحمد أمين: "أما الكتابة بالعربية في الأوس والخزرج فكانت قليلة، وكان بعض اليهود قد علم كتابة العربية، وكان يعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول، فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون؛ بل ورد في السير أنه كان من وسائل فداء الأسرى من مشركي بدر تعليم أطفال المسلمين الكتابة. وكان الصبيان يتعلمون في كتاتيب في الجاهلية الكتابة والشعر وأيام العرب، ويشرف عليهم معلمون ذوو مكانة أمثال أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس، وعمرو بن زرارة، وبشر بن عبد الملك السكوني، وغيرهم. [فجر لإسلام، لأحمد أمين ص ١٤١]

من هنا توافر كُتَّاب الوحي القرآني، وكان هناك كُتَّاب لشئون الدولة من الصدقات والمداينات والمعاملات والعهود والرسائل. ولمن لا يعرف الكتابة إذا طلب ذلك، قال زيد بن ثابت: "كنا عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نُؤلِف القرآن من الرقاع"، أي: نجمعه في مكان واحد، رواه الحاكم، وقال: حسن صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، واستدل به الحاكم على جمع القرآن في عصر الرسول- صلى الله عليه وسلم. [مستدرك الحاكم، كتاب التفسير٢/ ٢٢٩، وظن أنه جمع بعض القرآن، والذي نراه أنه جمع كله في عهده- صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم].

ومن كُتَّاب الرسول- صلى الله عليه وسلم– فيما جمع ابن كثير: الخلفاء الأربعة، وأبَان بن سعيد بن العاص، وأبي بن كعب، والأرقم بن أبي الأرقم، وثابت بن قيس بن شماس، وزيد بن ثابت، والزبير بن العوام، وخالد بن الوليد، ومعاوية.

وذكر ابن حجر من هؤلاء: حنظلة بن الربيع، وشرحبيل بن حَسَنة، وعبد الله بن رواحة.

قال المسعودي: "وإنما ذكرنا من أسماء كتابه- صلى الله عليه وسلم- من ثبت على كتابته، واتصلت أيامه فيها، وطالت مدته، وصحت الرواية على ذلك، دون من كتب الكتاب والكتابين والثلاثة، إذ لا يستحق بذلك أن يسمى كاتبًا ويضاف إلى جملة كُتَّابه". [السنة قبل التدوين لمحمد عجاج الخطيب ص ٢٩٨]

وننتهي من ذلك كله إلى انتشار الكتابة في عصر الرسول- صلى الله عليه وسلم- واشتهار بعض الصحابة بها لتفرغهم لها وحاجة أعمالهم إليها كالأمراء والرسل وكُتَّاب القرآن.

كما استعمل من يعرف الكتابة خبرته في حفظ الحديث في السطور، وهو ما أضاف ركنًا مهمًا في حفظ حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ظهرت قيمته عند تدوين الحديث.

وقد أثيرت شبه حول ذلك اعتمدت على بعض الروايات، ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تَكتبوا عنِّي، ومَن كَتَب عنِّي غيرَ القرآنِ فليَمحُه» [صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، حديث (٣٠٠٤)]

والنهي هنا موجه لكتاب الوحي لئلا يختلط القرآن بغيره، وهو المناسب لقوله -صلى الله عليه وسلم- «ومَن كَتَب عنِّي غيرَ القرآنِ فليَمحُه».

وليس هناك كما قال بعض الباحثين ما يمنع من افتراض كون الصحابة ومن بعدهم قد قاموا بكتابة السنة بقدر وسعهم خوفًا عليها من الضياع، في مجتمع كانت الأقوال المأثورة للبشر العاديين تحفظ بالتدوين [تاريخ التراث العربي، لفؤاد سزكين]. (كالمعلقات من الشعر).

وقد أَذِن الرسول- صلى الله عليه وسلم- في كتابة الحديث، وشجع عليها، وأمر بها لمن يحتاج إلى الكتابة ولا يستطيعها.

قال ابن حجر"قدَّم البخاري حديث علي- رضي الله عنه-، لأنه كتب عن النبي- صلى الله عليه وسلم-، وثنَّى بحديث أبي هريرة- رضي الله عنه-: «اكتبُوا لأبِي شاهٍ» [صحيح البخاري، كتاب الديات، حديث (٦٨٨٠)]. وثلَّث بحديث عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما: "أنه كتب آلافًا من الأحاديث"، وختم بحديث ابن عباس – رضي الله عنهما: "أنه- صلى الله عليه وسلم-، همَّ أن يكْتبَ لأمَّتِهِ كِتابًا يحْصُل مَعَهُ الأمْن مِن الاخْتِلافِ". [صحيح البخاري بشرح ابن حجر العسقلاني ١/٢١٠]

وقد قال عبد الله بن عمرو لرسول الله- صلى الله عليه وسلم: يقولون: تكتب كل شيء تسمعه، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم: يتكلم في الرضا والغضب، فقال له الرسول- صلى الله عليه وسلم: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا الْحَقُّ» وأشار إلى فيه. [مسند أحمد ٢/١٦٢، وسنن الدارمي، المقدمة، حديث (٤٨٤)، ومستدرك الحاكم، كتاب العلم١/ ١٠٥، وصححه الذهبي]

ومن كُتبه -صلى الله عليه وسلم: كتاب الصدقة، وفيه تحديد مقادير الزكاة من الإبل والبقر والغنم وتفصيل ذلك، وكتب به أبو بكر إلى أنس- رضي الله عنه- لما وجهه إلى البحرين. [صحيح البخاري، كتاب الزكاة، حديث ١٤٥٤]. وكتب إلى ملوك الأرض. [صحيح البخاري، كتاب العلم، حديث: ٦٥]

وقد اشتهرت صُحف دوَّنها الصحابة ورواها عنهم تابعون منها: الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما، ويظهر لي أنها أحاديث انتقاها مما كتبه. وفي مسند أحمد عنه أحاديث تظهر عنايته بها لأنها في مواضيع خاصة اشتدت الحاجة إليها، وكانت فاصلة في قضايا مهمة. قال ابن الأثير: "كانت ألف حديث".

وصحيفة سَمُرَة بن جندب- رضي الله عنه- قال عنها ابن سيرين: فيها علم كثير، وما رواه الحسن البصري عنه قيل إنه من صحيفته، وأثبت بعض العلماء سماعه لبعض ما رواه.

ومنها: صحيفة جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- وكان قتادة يحفظها كما يحفظ سورة البقرة.

وحديث الحج الطويل في صحيح مسلم يمثل صحيفة خاصة دوَّنها جابر، وفصَّل فيها حجة الوداع من بدايتها إلى نهايتها منذ الخروج من المدينة إلى العودة إليها.

قال أبو حاتم الرازي: "جالس سليمان اليَشْكُري جابرًا فسمع منه وكتب عنه صحيفة فتوفي وبقيت الصحيفة عند امرأته، فروى أبو الزبير وأبو سفيان والشعبي عن جابر، وهم قد سمعوا من جابر وأكثره من الصحيفة، وكذلك قتادة". [الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم الرازي، ترجمة سليمان بن قيس اليشكري ٤/ ١٣٦، ترجمة (٥٩٦)]

ومنها: صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة، وفي مسند أحمد سرد لها، وفي تحقيق الشيخ أحمد شاكر للمسند مقدمة مستفيضة عنها. [مسند أحمد بتحقيق الأستاذ العلامة/ أحمد شاكر جـ١٦، وراجع السنة قبل التدوين ص ٣٤٨ - ٣٥٧]

أما ما ورد من تحرج بعض الصحابة من كتابة الحديث فذلك؛ لئلا تشغل عن القرآن، في وقت كانت العناية مركزة في تحفيظ القرآن ونشره في الآفاق؛ ولئلا يشتغل المسلمون بالتوفيق بين الأحاديث والترجيح قبل ثبات الإسلام في القلوب، وانتشاره بين الجماهير؛ ولئلا يدعي العلم من ليس من أهله فيضلل الجماهير. وكان ذلك لبعضهم منهجًا خاصًا لقدرته على الحفظ، واعتماده على حفظ غيره للحديث، وبمجموع الأمرين كتابة السنة وعدم الإلزام بهذه الكتابة، والتوقف عن التشجيع على الاعتماد عليها زادت العناية بالحديث حفظًا وتلقينًا ومراجعة وتصحيحًا ونقدًا وتحليلًا، كما أن من كتب استمر في الكتابة، وكانت كتابته فيصلًا في الترجيح بين روايات الرواة.

أما التدوين العام فهمَّ به أبو بكر وتركه، ثم عمر وتركه، ثم حاوله غيرهم. [راجع: تقييد العلم، للخطيب البغدادي ص ٤٩، وتذكرة الحفاظ للذهبي ١/٥].

وفي طبقات ابن سعد عن الليث بن سعد قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب أن عبد العزيز بن مروان كتب إلى كثير بن مرة الحضرمي، وكان قد أدرك بحمص سبعين بدريًا من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم-أن يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من أحاديثهم إلا حديث أبي هريرة فإنه عندنا، وكثير ذكره البخاري فيمن مات من السبعين إلى الثمانين من الهجرة. [السنة قبل التدوين ص ٣٧٣].

وألف أبو رافع مولى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كتابًا أسماه "السنن والأحكام والقضايا" وكانت وفاته سنة ٣٥ من الهجرة نقل ذلك السيد حسن الصدر.

واعتنى الأستاذ سيد صقر في مقدمة (هدي الساري) لابن حجر بسرد الصحف المدونة في عصر الصحابة -رضي الله عنهم.   

الإقلال من الرواية: 

ومن المناهج في هذا العصر منهج الإقلال من رواية الحديث، وقد استغل بعض المتكلمين ذلك في الطعن فيمن أكثر من رواية الحديث، مع أن هذا المنهج كان يمثل اتجاه الدولة لتركيز اهتمام الجمهور على العناية بالقرآن الكريم.

روى الحاكم في المستدرك عن قرظة بن كعب قال: "خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى صرار، فتوضأ، ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- مشيت معنا. قال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تبدءوهم بالأحاديث فيشغلونكم، جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وامضوا، وأنا شريككم. فلما قدم قرظة قالوا حدثنا. قال: نهانا ابن الخطاب".[مستدرك الحاكم، كتاب العلم، ٢/ ١٠٢، وقال الحاكم وتابعه الذهبي: صحيح له طرق].

قال الحاكم: "وإنكار عمر أمير المؤمنين على الصحابة كثرة الرواية عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيه سنة، ولم يخرجاه"، أي: في الصحيحين.

وروى الحاكم عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أن عمر- رضي الله عنه- قال لابن مسعود ولأبي الدرداء، ولأبي ذر- رضي الله عنهم-: "ما هذا الحديث عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟ وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب". [مستدرك الحاكم، كتاب العلم، ١/١١٠، وقال الحاكم: على شرط مسلم].

وأوضح الرامهرمزي في روايته المراد بالحبس، فنقل عن شيخه أبي عبد الله بن البري: أن حبسهم بالمدينة يعني منعهم الحديث. [المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، للرامهرمزي، ص ٥٥٣]. وكان ذلك في أخريات حياته، وقد انتشر الحديث عنهم، وكان الناس يفدون إلى المدينة فيسمعون منهم، ولم ينقل أنه منعهم من رواية الحديث بالمدينة على الإطلاق؛ بل المراد أحاديث معينة كانت تثير بين الناس اختلافًا، أو يعجزون عن معرفة ما يراد بها بين مجموع الأحاديث.

واستنكار ابن حزم لهذه الرواية محمول على المنع بإطلاق، وهو ما لا يتصور من عمر- رضي الله عنه؛ ولكنه منع في وقت خاص لظروف خاصة يتصل بأحاديث معينة يحملها بعض الناس على غير وجهها، أو يثير بها مشاكل بين الناس [راجع: السنة قبل التدوين ص١٠٦- ١١٠].

وأَقَلَّ بعضهم رواية الحديث لأن غيره من الصحابة رواه.

وكان بعضهم يخشى من الرواية بالمعنى للفظ من الألفاظ، فيقول عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما لم يقل: روى أحمد، وأبو يعلى عن عثمان- رضي الله عنه-، قال: ما يمنعني أن أحدث عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-ألا أكون أوعى أصحابه عنده، ولكن أشهد لقد سمعته يقول: «مَن قَاَل عَلَيَّ مَا لَم أَقلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [مسند أحمد ١/٦٥، ومسند أبي يعلى ١/١٥٢].

وقد ذكر صفة الوضوء تحرجًا من أن يكتم علمًا عنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. [صحيح مسلم -كتاب الطهارة، حديث (٢٢٦)].

وروى البخاري، وابن ماجه، والحاكم عن أبي هريرة- رضي الله عنه-، قال: "لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت شيئًا أبدًا"، [صحيح البخاري، كتاب المزارعة، حديث (٢٣٥٠)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، حديث (٢٥٨)، ومستدرك الحاكم، كتاب التفسير ٢/٢٧١]. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ * إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [سورة البقرة -الآيتان (١٥٩، ١٦٠)]

وروى أحمد، وابن عدي عن أسلم قال: "كنا إذا قلنا لعمر: حدثنا عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: أخاف أن أزيد حرفًا، أو أنقص حرفًا. إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». [مسند أحمد١/٤٦، والكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي٣/ ٥٨٤، ترجمة (٦٤١)]

فكان من أَقَلَّ رواية الحديث وحَثَّ عليه يخاف من الزيادة، أو النقصان في لفظ، أو أكثر، ويتثبت من رواية الحديث كأبي بكر، وعمر- رضي الله عنهما- حيث طلبا شاهدًا للحديث. وكان عمر- رضي الله عنه- يستحلف الرواي فإذا حلف صدقه (أي مع مراعاة جوانب الاحتياط الأخرى لقبول الحديث) وكان عمر يأمر بالتقليل من الرواية.

ومن أكثر من الروايات كأبي هريرة- رضي الله عنه- كان متمكنًا مما رواه مستحضرًا جوانب الاحتياط التي عند من أقل رواية الحديث.

روى البخاري في كتاب اللباس بسنده عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: أتى عمر- رضي الله عنه-: بامرأة تَشِم فقال: أنشدكم الله من سمع من النبي- صلى الله عليه وسلم- في الوشْم، فقال أبو هريرة- رضي الله عنه- سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا تَشِمْنَ ولا تَسْتَوْشِمْنَ». [صحيح البخاري، كتاب اللباس، حديث (٥٩٤٦)]

قال ابن حجر: "فائدة ذكر أبي هريرة قصة عمر إظهار ضبطه، وأن عمر يستثبته في الأحاديث مع تشدد عمر، ولو أنكر عليه عمر ذلك لنقل". [فتح الباري، لابن حجر ١٥/ ٢٧٥].

والمقصود أن الخلفاء كانوا يدعون الرواة إلى التثبت والإقلال من الرواية، وكانوا يطلبون إلى جانب الرواية ما يؤكد الحفظ أحيانًا، وفي بعض الأحيان كانوا يقبلون رواية الواحد؛ بل ويروي الواحد منهم الحديث. كما كانوا بسؤالهم عن السنة ومذاكرتهم لها يشجعون على جمع الحديث والإكثار من هذا الجمع، ونقل ذلك بين العلماء؛ لأن العامة قد لا يتسع إدراكهم لما جاء في بعض الأحاديث، قال علي- رضي الله عنه- فيما رواه البخاري: «حَدِّثُوا النّاسَ، بما يَعْرِفُونَ أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ، اللَّهُ ورَسولُهُ» [صحيح البخاري، كتاب العلم، حديث (١٢٧)]

فمنهج الإقلال من الرواية والتحذير من كثرة الحديث، محمول على المجالس العامة، ومخصوص بمن لا يبالي بالجو الذي يروى فيه الحديث.

ومنهج الإكثار من الرواية محمول على من يتخصص لرواية الحديث وجمعه في مدارس الحديث، وبين المتفرغين لدراسته وروايته.

هذا عن الإقلال والإكثار.

أما عن مجموع ما رُوي عن الراوي فله عوامل أخرى، منها: تقدُّم وفاة الراوي فكان ما رواه موجودًا عند من سمعه من الصحابة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلم يروه عنه لئلا ينزل في الرواية فَقَل ما خلص من حديثه بين الرواة، كما حدث لأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي- رضي الله عنهم- وغيرهم من كبار الصحابة ممن مات في عهده- صلى الله عليه وسلم- وعهد الخلفاء الراشدين.

أما من عاش بعد ذلك فكثرت روايته عن النبي- صلى الله عليه وسلم- وعن أصحابه الكبار، كأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وجابر، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة- رضي الله عنهم- والمكثرين من الصحابة. 

ومن أسباب كثرة الرواية: تفرد الصحابي في قطر من الأقطار بالإمامة، كابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان- رضي الله عنهم- ومشاهير الصحابة بالأمصار.

وبالجملة: فكل صحابي روى بقدر الحاجة إلى روايته، وما هيأ الله له من تلاميذ، وما واجهه من أجواء اقتضت الرواية، وكان عند أكثرهم علم كثير، وكان عند بعضهم علم قليل كما بين مسروق -رحمه الله.

التثبت في الرواية

ومن المناهج في هذا العصر التثبت في الرواية، والبحث عن مصادرها من حيث التحمل، والكشف عن حال الراوي وقت الأداء، ونذكر من ذلك ما يلي:

روى الترمذي، وأحمد، أن أبا بكر- رضي الله عنه- كان يتوقَّفُ في مِيراثِ الجَدَّةِ، لِعَدَمِ عِلْمِهِ فيه شيئًا عن رسولِ اللهِ- صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، ثمَّ يَسألُ الناسَ بعدَ صلاةِ الظُّهرِ، فيقولُ المُغِيرةُ - رضيَ اللهُ عنه-: سمِعتُ رسولَ اللهِ- صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- «يُعطِيها السُّدُسَ». فيقولُ أبو بكرٍ- رضيَ اللهُ عنه-: سَمِعَ ذلكَ معكَ أحدٌ؟ فَقامَ محمدُ بنُ مَسْلَمةَ- رضيَ اللهُ عنه-، فشَهِدَ بأنَّهُ سَمِعَ ذلك، فأنفَذَ أبو بكرٍ- رضيَ اللهُ عنه- ما اتَّفَقَا على رِوايتِهِ [سنن الترمذي، كتاب الفرائض، حديث (٢١٠٠)، ومسند أحمد ٤/٢٢٥]

وقصة عمر مع أبي موسى الأشعري- رضي الله عنهم- حينما استأذن ثلاثًا فلم يؤذن له فرجع، وقال لعمر: قال رسول الله- صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ»، [صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، حديث (٦٢٤٥)، وسنن أبي داود، كتاب الأدب، حديث (٥١٨١)]. فقال له عمر: أقم عليه البينة، فشهد أبو سعيد الخدري معه بالسماع. فقال عمر: أما إني لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.

لقد كان التثبت للتأكد من الضبط التام، وعدم الخطأ في فهم المراد، ولجمع الخبر من أكثر من واحد زيادة في التأكد، في وقت كان الصحابة متوافرون، والعهد برسول الله- صلى الله عليه وسلم- قريب، فلما بَعُد العهد كان ثبوت الحديث عن صحابي كافيًا عن البحث عن غيره، ما لم يرد ما يحوج إلى التثبت في رواية الحديث.

مشروعية الجرح والتعديل، ونماذجه إجمالًا

ثبتت مشروعية الجرح والتعديل للرواة وجوازه، بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع.

أما الكتاب، فمنه: قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ} [سورة الحجرات، آية ٦]

وأما السنة، فمنها: نهيه - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عن الكذب عليه ووعيده الشديد على ذلك، كما في حديث علي - رضي الله عنه- عند البخاري أن النبي- صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: قال: «لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ» [صحيح البخاري، كتاب العلم، حديث (١٠٦)]

وفي حديث أنس -رضي الله عنه- قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا أن النبي- صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَىَّ كَذِبًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [صحيح البخاري، كتاب العلم، حديث (١٠٨)]

وعندما وقعت حادثة الإفك سأل رسول الله- صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- بُريدة عن مولاتها عائشة- رضي الله عنها- فزكتها، وكذلك زكاها أسامة بن زيد - رضي الله عنه، وأيَّد - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- تزكيته فقال: «واللهِ ما عَلِمْتُ مِنْ أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا» [صحيح البخاري، كتاب الشهادات، حديث (٢٦٣٧)]

ولما وقعت الفتنة الكبرى ومقتل عثمان بن عفان- رضي الله عنه-، الخليفة الراشد، ظهرت بوادر الفرق، وانتصار كل منها لما هي عليه بالأحاديث النبوية فباشر الصحابة والتابعون النقد للرواة عمليًا، فقد أخرج مسلم في مقدمة صحيحه عن محمد بن سيرين قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا:" سموا لنا رجالكم، فيُنظَر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظَر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم". [صحيح مسلم بشرح النووي ١/ ١٢٦].

وعليه فقد أجمع الصحابة فمن بعدهم على مشروعية الجرح والتعديل للرواة وجوازه، وعدم اعتباره من الغيبة المنهي عنها؛ بل إن الخطيب البغدادي بوَّب بقوله: باب وجوب البحث والسؤال للكشف عن الأمور والأحوال [الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي، ص٣٤]. وبوَّب بعده أيضًا بقوله: باب وجوب تعريف المُزكِي ما عنده من حال المسئول عنه [المرجع السابق، ص٣٧]. وفصَّل الأدلة والأمثلة على ذلك بأزيد مما قدمته. والله أعلم.

الخلاصة

إن دراسة مناهج المحدثين ليست بحثًا في التاريخ فحسب؛ بل هي قراءة في عقل الأمة وضميرها العلمي، فقد وضعوا ضوابط دقيقة للإسناد، وابتكروا أساليب نقدية متفردة في الجرح والتعديل، وحافظوا على أمانة النقل جيلًا بعد جيل، وتبقى هذه المناهج بما تحمله من صرامة ودقة، صمام أمان لحفظ السنة، وبوصلة تهدي الباحثين إلى منهج أصيل راسخ، يصون النصوص من التحريف، ويحفظها للأمة إلى قيام الساعة.

موضوعات ذات صلة

صدرت السنة النبوية المطهرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأشكال متنوعة، شملت قوله وفعله وإقراره وصفاته الخِلقية والخُلقية.

نهض التابعون وأتباعهم خير خلف لخير سلف، يحملون إرث النبوة بصدق وأمانة، وفي عصرهم تبلورت مناهج رصينة في الرواية والدراية.

شهدت السنة النبوية منذ فجرها صيانة دقيقة وعناية متتابعة، حتى بلغت ذروتها في القرن الثالث الهجري.

موضوعات مختارة