يتناول المقال تحليلًا لغويًا وفلسفيًا لحشرة الذباب، مستعرضًا صفاتها الذاتية كالبلادة والإلحاح، مع بيان العجز البشري أمامها كما صوره القرآن الكريم، وصولًا إلى توضيح مقاصد السنة النبوية في التعامل معها كرحمة ورخصة تراعي أحوال الناس واختلاف طبائعهم.
يتناول المقال تحليلًا لغويًا وفلسفيًا لحشرة الذباب، مستعرضًا صفاتها الذاتية كالبلادة والإلحاح، مع بيان العجز البشري أمامها كما صوره القرآن الكريم، وصولًا إلى توضيح مقاصد السنة النبوية في التعامل معها كرحمة ورخصة تراعي أحوال الناس واختلاف طبائعهم.
في معاجم اللغة تحليل لطيف لتلك الحشرة التي تعلمنا الصبر إذا أردنا أن نتعلمه، وهي حشرة الذباب؛ حيث إنها سميت بذلك لأن هذا النوع كلما ذبه الإنسان عنه وأبعده فإنه يعود إليه، ولا يدرك الذباب أنه غير مرغوب فيه، وأنه قد أبعد منذ لحظات في محاولة لطرده، بل قد تكون المحاولة لقتله أيضًا، وهذه الصفة تجعل منه حشرة رذيلة، وهذه الرذالة تعني أنها لا تدرك شأنها وعلاقة الآخرين بها، ولما كانت لا تدرك ضعفها ولا رغبة الآخرين في إبعادها بل وإبادتها، فإنها تتصرف تصرفًا غبيًّا، وعدم الإدراك مع الغباء يدل على أنها منعدمة الشعور والإحساس مع شيء من البلادة.
وتحدث ربنا عن الذباب في كتابه الكريم ضاربًا به المثل حيث جمع بين الضعف وهذه الصفات التي تجعل المقابل له ضعيفًا أيضًا من شدة إصراره على العود وعدم اهتمامه بشعور الآخرين، كما أنه عندما يسلب منا شيئًا من طعامنا أو شرابنا، بل من دمنا ــ إن كان من نوع مصاص الدماء ــ فإننا لا نستطيع أن نصل إلى استرداد حقوقنا منه سواء أخذها وطار، أو جعلناه تحت أيدينا وقتلناه، فإننا في جميع الحالات لا نقدر على رد حقوقنا، فالمصيبة قد حلت بتسلطه علينا وسلبه منا ما استطاع أن يسلب، ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الشافعي: لأي سبب خلق الذباب؟ فقال: مذلة للملوك، وكانت ألحت عليه ذبابة، فقال الشافعي: "سألني ولم يكن عندي جواب، فاستنبطته من الهيئة الحاصلة".
وتحدث ربنا على الجانب القدري في تسليط هذه الحشرة على الإنسان، وأنه على الرغم من ضعفها وقلة حيلتها وصغر جسمها إلا أن مَنْ دون الله لا يقدر أن يخلقها، بل هي مخلوق الله، بهذه الصفات التي جعلتها كثيرة منتشرة بالرغم من كل أنواع المقاومة التي عرفها الإنسان ابتداء من (المنشة) و (المزبة) وانتهاء بالمبيدات الحشرية المنتشرة في العالم، وما بذلته الصين للقضاء على الذباب والعصافير المسلطة على المحاصيل الزراعية، ومن أشهر الحملات التي شُنت للقضاء على الذباب تلك التي نظمها الأمريكيون قبل الحرب العالمية الأولى؛ حيث كانوا يخصصون خمس دقائق في اليوم لقتل الذباب واصطياده، وهكذا كانت تدق الأجراس وصفارات الإنذار كل يوم في الساعة الواحدة إلا خمس دقائق زوالًا، فيخرج الجميع لأداء هذا الواجب طيلة خمس دقائق، يعودون بعدها إلى أعمالهم، وكانت تعرف هذه العملية في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، باليوم الوطني للذباب.
يقول ربنا -سبحانه وتعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلࣱ فَٱسۡتَمِعُوا۟ لَهُۥۤۚ إِنَّ ٱلَّذِینَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن یَخۡلُقُوا۟ ذُبَابࣰا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُوا۟ لَهُۥۖ وَإِن یَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَیۡءࣰا لَّا یَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
ولما كان هذا النوع من المخلوقات التي تبين قدرة الله ويضرب الله بها الأمثال للناس لعلهم يتفكرون لما كان هذا النوع شائعًا، أعطى رسول الله ﷺ حكمًا يدل على عالمية الإسلام، وأنه لكل زمان ومكان، ولكل الأشخاص في جميع الأحوال وأنه دين الرحمة والعفو، وأنه دين اليسر والتيسير والرفق، وأنه دين حياة؛ حيث قال فيما أخرجه البخاري في صحيحه: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الآخَرِ دَاءً»، [أخرجه البخاري في كتاب "الطب" باب "إذا وقع الذباب في الإناء" حديث (٥٧٨٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]، والأصل عند وقوع ميتة في أكل أو شرب أن هذا الطعام ينجس فلابد من إلقائه وعدم أكله؛ لأن أكل النجس حرام، هذا هو الحكم الأصلي، واستثنى منه هنا الذباب؛ لأنه بشيوعه وعموم البلوى به، ورأفة بالفقراء في دول الجفاف، أو بالبدو، أو حين الكوارث والحروب أو المجاعات؛ لأنه لو وقع الذباب في إناء واحد منهم ولم يكن الحكم جواز أكل ذلك لوجب عليه أن يهدر الأكل الذي هو في أشد الحاجة إليه، فكان وراء هذا الحديث الذي يأنف منه كثير من الناس حكم رحيم بآخرين، وهذا أساس لهم لفهم النصوص الشرعية.
فالحديث ليس فيه إلا توجيه يخفف عمن ابتلي بشيء من ذلك، أما على المستوى الشخصي فإني آنف أن أغمس الذباب في أكلي ولا أفعله؛ لأن هذا ليس أمرًا شرعيًا جاء به الشرع وألزمني به، بل هو رخصة ورحمة تثبت ما ذكرناه.
وكثير من الناس لا يفرق بين المستويين مستوى الرخصة التي تناسب عالمية الإسلام، ومستوى الواجب اللازم أو المندوب المطلوب لإقامة حياة أكثر سعادة، وهؤلاء على ثلاثة أقسام: قسم حول هذا إلى ذاك ودعا إليه شريعة، وقسم أنكر فمنهم من رفض أن يكون هذا حديثًا، وقسم اعترض على الإسلام في ذاته.
وقواعد فهم الشريعة مهمة للغاية في هذا المقام، فهي لا تجعل هناك إرهابًا فكريًا عند سماع ما تأباه النفوس أو تعافه الثقافات، بل الشأن حينئذ التفكر والتدبر والسؤال، وليعلم من ينكر هذا أنه لم يرتكب إثمًا بسؤاله، فقد علمنا سيد البشر ﷺ أنه كان يعاف بعض الطعام ولا يحبه ويترك غيره يأكله.
فأبى أن يأكل الضب، فعن ابْن عَبَّاسٍ قَالَ: "دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةً فَأُتِيَ بِضَبٌ مَحْنُودٌ فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ»، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكلتُهُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَنظُرُ". [متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب "الذبائح والصيد" باب "الضب" حديث (٥٥٣٧)، ومسلم في كتاب "الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان" باب "إباحة الضب" حديث (١٩٤٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما].
وأبي أن يأكل الأرنب لمجرد إشاعة حولها وهي أنها تحيض، فعن عبد الله بن عمرو: "أَنْ رَجُلًا جَاءَ بِأَرْنبِ قَدْ صَادَهَا فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قَدْ جِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا جَالِسٌ فَلَمْ يَأْكُلُهَا وَلَمْ يَنْهَ عَنْ أُكْلِهَا وَزَعَمَ أَنَّهَا تَحيض". [أخرجه أبو داود في كتاب "الأطعمة" باب "في أكل الأرنب" حديث (۳۷۹۲)].
وذكرني الذباب أيضًا بفريق من الناس يعيش بيننا لم يجد له أسوة إلا في الذباب بهذه الصفات المذكورة، فإذا شعر أحد من الناس في نفسه أنه كذلك؛ فالنصيحة له أن يتدارك نفسه وأن يخرج من هذه القدوة السيئة والتأسي المنحرف، وليرجع إلى البشر وإلى أسوتهم الحسنى ولينتمي إليهم بشعوره ووجدانه ويزيد من مساحة الحب في قلبه بدلًا من الحقد والكبر والاضطراب، وإن كان شعور الذبابيين بذلك لن يأتي إلا بأمر الله وهدايته؛ لأن المفترض أنه بليد الحس والشعور، اللهم لا تجعلنا منهم وقنا شرهم.
ومن صفات الذباب أيضًا أنه يقف على كل شيء، على الأقذار وعلى الطعام وعلى الأجسام، على السائل والجامد لا يبالي أين وقف، ولا من أين يأخذ ما يأخذ، ومن مثال ذلك أننا نراه يلتف حول الجيد ويلتف حول الرديء، ويمكن مع كثرته ألا نعرف على ماذا يقف على حلوى أو قمامة؟ ولذلك في عالم الإنسان لم تكن الكثرة أبدًا مقياسًا للحق، فكم رأينا باطلًا قد التف الناس حوله التفاف الذباب على القمامة، وكم رأينا حقًا قد خلا من أي تبع قال تعالى: ﴿قُل لَّا یَسۡتَوِی ٱلۡخَبِیثُ وَٱلطَّیِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِیثِۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ یَٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [المائدة: ١٠٠].
وقال رسول الله ﷺ: «عُرِضَتْ عَلَى الْأُمَمُ فَرَأَيْتُ النبي وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أحد»، [متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب "الطب" باب "من لم يرق" حديث (٥٧٥٢)، ومسلم في كتاب "الإيمان" باب "الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة" حديث (۲۲۰) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، واللفظ للبخاري]، فالحق حق ولو لم يتبعه أحد، والباطل باطل ولو اتبعه الناس أجمعون، إن هذه القاعدة البسيطة أصبحت عند كثيرين محل نظر ومناقشة على الرغم من أنها قاعدة غاية في الخطورة وهدمها يخفي وراءه الشيء الكثير.
ويذكرني الذباب بالفرق بين الحضارة الإسلامية والحضارات الأخرى؛ حيث نجد في حضارتنا وموروثنا هذه الأداة التي تدفع بها الذباب مصنوعة من شعر الخيل، والدفع بها إما أن يبعدها وهو الغالب، وإما أن يقتلها ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الحشرة قريبة وفي موضع معين، في حين أن الأداة التي عند الآخرين صنعت من بلاستيك - وقد شاعت فينا لما تركنا فلسفة حضارتنا وأنها كانت حضارة رحيمة بالإنسان والأكوان - وهذه الأداة الأخرى تقتل مباشرة، وأداتنا عند القتل لا تحطم الجسد، وهذه تحطم الجسد تحطيمًا شديدًا، وأظن الأمر على بساطته يحتاج إلى مراجعة شاملة.
ويذكرني الذباب بعيونه المركبة - التي ترى من كل اتجاه - بأنه ليس مثالًا للمؤمن الذي أمر بغض البصر وعدم التدخل في شئون الآخرين وعدم التلصص عليهم؛ قال تعالى: ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِینَ یَغُضُّوا۟ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَیَحۡفَظُوا۟ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُۢ بِمَا یَصۡنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]، وقال سبحانه: ﴿وَمَاۤ أَنتَ عَلَیۡهِم بِجَبَّارࣲۖ﴾ [ق: ٤٥]، وقال جل شأنه: ﴿فَمَاۤ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَیۡهِمۡ حَفِیظࣰا﴾ [النساء: ٨٠].
إن الذباب ليس مجرد حشرة بل هو آية في الضعف الذي يُذل المتكبرين، ومجال لإظهار مرونة الشريعة في تقديم الرخص عند المشقة، محذرًا من اتصاف الإنسان بصفاتها من تلصص وبلادة، ومؤكدًا على تفوق فلسفة الحضارة الإسلامية في التعامل الرحيم مع الأكوان.
تُبرز آيات سورة النحل إلهام الله تعالى للنحل في بناء بيوته وجمع الرحيق لإنتاج العسل الشافي.
علم الحياة هو أحد فروع العلوم الطبيعية الذي يعني بدراسة الكائنات الحية.
علم الحفريات يُمكّن من فهم البيئات القديمة وتصنيفها عبر ثلاثة دهور جيولوجية.