Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الدروس والعبر المستفادة من صلح الحديبية

الكاتب

هيئة التحرير

الدروس والعبر المستفادة من صلح الحديبية

يعد صلح الحديبية الذي وقع في شهر ذي القعدة من العام السادس للهجرة منعطفًا تاريخيًّا جسد عبقرية الدبلوماسية النبوية، حيث تحول هذا الاتفاق من هدنة ظاهرها التراجع لكنها كانت فتحًا مبينًا مهَّد الطريق لنشر الإسلام، فما هي الحكم الإلهية التي جعلت من هذا الصلح نصرًا عزيزًا؟

لماذا كان صلح الحديبية فتحًا؟

في العام السادس للهجرة لم يكن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه مجرد رحلة لأداء العمرة، بل كان انعطافة تاريخية كبرى غيرت وجه الجزيرة العربية للأبد، إن صلح الحديبية لم يكن مجرد معاهدة سلام عابرة، بل كان تجليًا لتدبير إلهي محض، فصلح الحديبية كان بمثابة المختبر الذي قيس فيه إيمان الصحابة ويقينهم، فهذه الهدنة كانت بابًا لفتح مكة، فمن سنن الله سبحانه وتعالى أن يوطئ للأمور العظام بمقدمات تؤذن بها وتدل عليها، ولئن لم يكن المسلمون قد تنبهوا لهذا في حينه، فذلك لأن المستقبل غائب عنهم، فأنَّى لهم أن يفهموا علاقة الواقع الذي رأوه بالغيب الذي لم يتصوروه بعد.

الاستثمار في السِّلم ونشر الدعوة

يقول الزهري: "ما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يُكلَّم أحدٌ بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه" [سيرة ابن هشام ٢/‏٣٢٢]، وبالفعل، دخل في سَنتي الهدنة مثل مَن كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر، ولهذا أطلق القرآن اسم الفتح على هذا الصلح في قوله تعالى: ﴿لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡیَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ ءَامِنِینَ مُحَلِّقِینَ رُءُوسَكُمۡ وَمُقَصِّرِینَ لَا تَخَافُونَۖ فَعَلِمَ مَا لَمۡ تَعۡلَمُوا۟ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتۡحࣰا قَرِیبًا﴾ [الفتح: ٢٧].

تجليات الحكمة النبوية في مواجهة المنطق البشري

أراد الله عز وجل أن يبرز الفرق واضحًا بين وحي النبوة وتدبير الفكر البشري، وبين توفيق النبي المرسل وتصرف العبقري المفكر، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتصرف بناءً على إلهام إلهي يأتي من فوق دنيا الأسباب ومظاهرها، بينما كان بعض الصحابة ينظرون بمقاييس البشرية العادية والخبرات المحسوسة، ومن ذلك:

  • موقف سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

في حديث صلح الحديبية من حديث سيدنا الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنه: "فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: «إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي» قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: «بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟» قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ» قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ، قُلْتُ: أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا" [أخرجه البخاري في صحيحه (٢٧٣١)].

  • درس الثبات والوفاء (قصة أبي جندل):

حين جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد هاربًا إلى المسلمين، أصر والده سهيل على رده بموجب شرط الصلح، فقام إليه أبوه آخذًا بتلابيبه، وأبو جندل يصرخ بأعلى صوته: "يا معشر المسلمين أأردُّ إلى المشركين يفتنوني في ديني؟"، فما كان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن غرس قيمة الوفاء بالعهود قائلًا: «اصْبِرْ، وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إِنَّا قَدْ صَالَحْنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ وَجَرَى بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الْعَهْدُ، وَإِنَّا لَا نَغْدِرُ» [أخرجه أحمد في مسنده (١٩٢١٢) والبيهقي في سننه الكبرى (١٨٨٩٨)].

دروس في القيادة والإدارة السياسية

تضمن الصلح مواقف تؤسس لقواعد الدولة الإسلامية في التعامل مع الآخر ومع الداخل، وتوضح طبيعة العلاقة بين القائد والرعية.

  • إرسال العيون والمشاورة:

يحكي لنا سيدنا المسور بن مخرمة رضي الله عنه ما حدث عند اقتراب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذي الحليفة فيقول: "فَبَعَثَ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ، وَسَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ أَتَاهُ عَيْنُهُ، قَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا، وَقَدْ جَمَعُوا لَكَ الْأَحَابِيشَ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ، وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ، وَمَانِعُوكَ، فَقَالَ: «أَشِيرُوا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيَّ، أَتَرَوْنَ أَنْ أَمِيلَ إِلَى عِيَالِهِمْ وَذَرَارِيِّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَصُدُّونَا عَنِ الْبَيْتِ، فَإِنْ يَأْتُونَا كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَطَعَ عَيْنًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِلَّا تَرَكْنَاهُمْ مَحْرُوبِينَ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، خَرَجْتَ عَامِدًا لِهَذَا الْبَيْتِ لَا تُرِيدُ قَتْلَ أَحَدٍ وَلَا حَرْبَ أَحَدٍ فَتَوَجَّهْ لَهُ، فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ. قَالَ: «امْضُوا عَلَى اسْمِ اللهِ» [أخرجه البخاري (٤١٧٨)].

فالشورى في الشريعة الإسلامية مشروعة ولكنها ليست ملزمة، والحكمة منها استخراج وجوه الرأي والبحث عن المصلحة التي قد يختص بعلمها بعضهم دون بعض، استشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه، وأشار عليه أبو بكر بالتوجه للبيت، لكن حين ظهرت إشارة إلهية ببروك الناقة، اتخذ النبي قرارًا بالصلح والموافقة على شروط المشركين قائلًا: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا» [أخرجه البخاري (٢٧٣١)]، وهذا يعني أن الشورى تأتي من وراء حكم الوحي، وأنها شرعت للتبصر بها لا للإلزام أو التصويت على أساسها.

الدلالات الاجتماعية والروحية

لم تخلُ الحديبية من دروس في الآداب والمشاعر التي تربط الأمة بنبيها، وتوضح مدى تعظيم الصحابة لمقام النبوة.

  • التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

وصف عروة بن مسعود الثقفي مشهدًا مذهلًا لمحبة الصحابة وتعظيمهم وتبركهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك حين قال: "فَوَاللهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ" [أخرجه البخاري (٢٧٣١)]، إن التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبصاقه وعرقه أمر مندوب ومشروع، وهو تعبير عن شدة المحبة وتوسل بمن جعله الله رحمة للعالمين.

  • حماية الجناب النبوي الشريف:

يظهر ذلك جليًّا حين كان سيدنا المغيرة بن شعبة رضي الله عنه واقفًا على رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه السيف، وجاء عروة بن مسعود وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ، فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ لَهُ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" [أخرجه البخاري (٢٧٣١)] وفيه ما فيه من إظهارٍ للعزة الإسلامية، وتعظيم للقائد، ووقاية له مما قد يفاجأ به من سوء.

الأحكام الفقهية المستنبطة من الصلح

استخلص العلماء والأئمة من وقائع الحديبية مجموعة من الأحكام التي تشكل دستورًا في فقه المعاهدات والعبادات، ومن ذلك:

  • مشروعية الهدنة وضوابطها:

استدل العلماء بصلح الحديبية على جواز عقد هدنة بين المسلمين وأعدائهم إلى مدة معلومة، سواء كان ذلك بعوضٍ يأخذونه منهم أو بغير عوض، أما إذا كانت المصالحة على مال يبذله المسلمون، فقد ذهب الجمهور إلى عدم جوازه لما فيه من الصغار، إلا إذا دعت إليه ضرورة لا محيص عنها كخوف الهلاك أو الأسر، فيجوز كما يجوز للأسير فداء نفسه بالمال. [انظر في أحكام الهدنة: مغني المحتاج: ٤/ ٢٦٠، والمغني لابن قدامة: ٩/ ٢٩٠، والهداية: ٢/ ١٠٣، وبداية المجتهد: ١/ ٣٧٤].

  • أحكام الإحصار في العمرة والحج:

دلت أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الصلح من التحلل والنحر والحلق على أن المحصر يجوز له التحلل بذبح هدي حيث أحصر، سواء كان حاجًّا أو معتمرًا، كما دلت على أن المتطوع لا يلزمه قضاء تلك العمرة أو الحج إذا كان قد تحلل بسبب الإحصار [انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (٢/ ٢٠٥)].

النتائج الاستراتيجية بعيدة المدى

لم يمر وقت طويل حتى انقلب الضيق إلى فرج، فقصة أبي بصير الذي انفلت من قريش وكون مجموعة مقاومة عند سيف البحر، جعلت قريشًا هي من تتوسل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتناشده الله والرحم أن يقبلهم عنده ويضمهم إليه حماية لتجارتها [انظر: صحيح البخاري (٢٧٣٢)]، وهكذا رأى صحابة رسول الله رضوان الله عليهم بأعينهم بأن رأيهم البشري كان قاصرًا أمام حكمة النبوة، وتفرغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفتح خيبر ومراسلة ملوك الأرض، وتهيأت مكة لفتح سلمي تألفت فيه القلوب قبل أن تفتح الحصون.

الخلاصة

إن صلح الحديبية يعلمنا أن النصر ليس دائمًا في صليل السيوف، بل قد يكون في حبر المعاهدات ومرونة المفاوضات، لقد كان درسًا في فن الممكن تحت مظلة التوكل على الله، إن التزام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالعهود رغم قسوتها الظاهرية كان هو السلم الذي ارتقى به المسلمون إلى الفتح العظيم.

فيا أيها المسلم اتهِم رأيك أمام الوحي، واعلم أن ما تراه تراجعًا قد يكون هو الانطلاقة الكبرى التي أعدها الله لك ولأمتك.

موضوعات ذات صلة

صلح الحُدَيْبِيَة من أهم المعاهدات التي تمت في الإسلام، وقد سماه الله تعال فتحًا مبينًا.

اتفاقٌ جرى بين النبيّ محمد -صلى الله عليه وسلم- وقريش في السنة السادسة للهجرة.

جاء فتح مكة تحقيقًا للبشارة وأهل مكة أنفسهم أحسوا بالخجل؛ لأن أكثر العرب دخلوا الإسلام.

من أشهر قبائل العرب العدنانية، واشتهرت لتجمعها حول الحرم المكي.

انطلقت أحداث فتح مكة عقب نقض قريش لصلح الحديبية باعتدائها على حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم.

موضوعات مختارة