كانت بنود وثيقة المدينة دعائم أساسية لتشكيل مجتمع متماسك متعدد الديانات والثقافات، قائم على الحرية والعدل والتعاون، مما يعكس حكمة النبي ﷺ في إدارة التنوع، ويجعلها نموذجًا صالحًا للاقتداء في كل زمان.
كانت بنود وثيقة المدينة دعائم أساسية لتشكيل مجتمع متماسك متعدد الديانات والثقافات، قائم على الحرية والعدل والتعاون، مما يعكس حكمة النبي ﷺ في إدارة التنوع، ويجعلها نموذجًا صالحًا للاقتداء في كل زمان.
كانت (يثرب) قبل وصول النبي -صلى الله عليه وسلم- تعيش حالة من التمزق الشديد؛ حيث أنهكتها الحروب الأهلية المزمنة بين قبيلتي الأوس والخزرج (مثل حرب بُعاث) وهو اليوم الذي تقول فيه السيدة عَائِشَةَ -رضي الله عنها- كما في الصحيح: "كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ -عز وجل- لِرَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم، فِي دُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم، وَقَدِ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ، وَقُتِلَتْ سَرَاتُهُمْ" عني الأوس والخزرج، ومعناه أنه قتل فيه من أكابرهم من كان لا يؤمن أن يتكبر ويأنف أن يدخل في الإسلام لتصلبه في أمر الجاهلية ولشدة شكيمته حتى لا يكون تحت حكم غيره[ ينظر وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى -السمهودي- ص١٧٢]،قال الله -تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُوا۟ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَاۤءࣰ فَأَلَّفَ بَیۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦۤ إِخۡوَٰنࣰا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةࣲ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، "ولا شك أن المجتمع المدني خضع لسيطرة اليهود قبل أن يقوي كيان العرب فيه خضوعًا تامًا اقتصاديًا وسياسيًا وفكريًا، حيث ترك اليهود بعض طوابعهم عليه كما أنهم تأثروا بالقبائل العربية التي تحيط بيثرب من كل مكان، من ذلك أن اليهود نقلوا من الشام إلى يثرب فكرة بناء الآطام حيث بلغ عددها في يثرب تسعة وخمسين أطمًا، كما حملوا معهم خبراتهم الزراعية والصناعية مما أثر في ازدهار بساتين يثرب حيث النخيل والأعناب والرمان وبعض الحبوب، كما ظهر الاهتمام بتربية الدواجن والماشية وبرزت صناعات النسيج الذي تحوكه النسوة إلى جانب الأواني المنزلية وبعض الأدوات الأخرى اللازمة للمجتمع الزراعي، وكما أثر اليهود على مجتمع المدينة فقد تأثروا بالعرب من حولهم فظهرت طوابع الحياة القبلية على يهود بما فيها من عصبية وكرم واهتمام بالشعر وتدريب على السلاح، وطغيان النزعة القبلية على يهود جعلهم لا يعيشون ككتلة دينية واحدة بل قبائل متنازعة لم تتمكن من توحيد صفها حتى في عصر السيرة عندما واجهت أحداث الجلاء" [راجع كتاب السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية (أكرم العمري جـ١ص٢٢٧)].
وحسبنا هذا الدستور الذي وضعه رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- بوحي من ربه واستكتبه أصحابه، ثم جعله الأساس المتفق عليه فيما بين المسلمين وجيرانهم اليهود، حسبنا ذلك دليلًا على أن المجتمع الإسلامي قام منذ أول نشأته على أسس دستورية تامة، وأن الدولة الإسلامية قامت -منذ أول بزوغ فجرها- على أتم ما قد تحتاجه الدولة من المقومات الدستورية والإدارية وظاهر أن هذه المقومات، أساس لا بد منه لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في المجتمع؛ إذ هي في مجموعها إنما تقوم على فكرة وحدة الأمة الإسلامية وما يتعلق بها من البنود التنظيمية الأخرى، ولا يمكن أن نجد أرضية يستقر عليها حكم الإسلام وتشريعه ما لم يقم هذا التنظيم الدستوري الذي أوجده رسول الله صلّى الله عليه وسلم، على إنه في الوقت نفسه جزء من الأحكام الشرعية نفسها.
ومن هنا تسقط دعاوى أولئك الذين يغمضون أبصارهم وبصائرهم عن هذه الحقيقة البديهية، ثم يزعمون أن الإسلام ليس إلا دينا قوامه ما بين الإنسان وربه، وليس له من مقومات الدولة والتنظيم الدستوري شيء، وهي أحبولة عتيقة، كان يقصد منها محترفو الغزو الفكري وأرقاء الاستعمار، أن يقيدوا بها الإسلام كي لا ينطلق فيعمل عمله في المجتمعات الإسلامية ولا يصبح له شأن قد يتغلب به على المجتمعات المنحرفة الأخرى، إذ الوسيلة إلى ذلك محصورة في أن يكون الإسلام دينًا لا دولة، وعبادات مجردة، لا تشريعًا وقوانين، وحتى لو كان الإسلام دينًا ودولة في الواقع، فينبغي أن ينقلب فيصبح غير صالح لذلك ولو بأكاذيب القول [(فقه السيرة) للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: ص١٥٢].
من أهم ما قام به سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما يتعلق بالقيمة الدستورية للدولة الجديدة؛ هو (كتابة وثيقة بين المسلمين وغيرهم)، وفي هذا روى ابن هشام أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم تمض له سوى مدة قليلة في المدينة حتى اجتمع له إسلام عامة أهل المدينة من العرب، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها، عدا أفرادًا من قبيلة الأوس، فكتب رسول الله صلّى الله عليه وسلم كتابًا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم [(فقه السيرة) للدكتور: محمد سعيد رمضان البوطي: ص١٥٠].
إن هذه الوثيقة حجة ناطقة لأبلغ بيان لا تترك مجالًا لشك ولا ريبة أن الإسلام دين ودولة، وأن الإسلام ليس صلة فردية بين العبد وربه فقط، وأن المجتمع الإنساني الذي يلتزم أفراده الإسلام لابد أن يفرز ذلك الدولة الإسلامية.
ولم تترك الصحيفة مجالًا لنمو الخلاف بين طوائف المجتمع؛ وهو أمر وارد في كل مجتمع إنساني- وكان لا بد من إيضاح القانون الأساسي الذي يمكن على أساسه حل كل ما يثور من خلافات، ولذلك فإن ما يقع بين أهل الصحيفة من خلافات أو شجار يخشى فساده أو إضراره بالمصالح التي يتعلق بها حق الجميع يكون المرجع فيه وفي كيفية حله وإنهائه إلى الله -عز وجل- بتشريعه وإلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بقضائه فيه.
وفي هذا يروي ابن هشام : "وإِنَّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ اشْتِجَارٍ يُخَافُ فَسَادُهُ، فَإِنَّ مَرَدَّهُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى أَتْقَى مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَأَبَرِّهِ، وَإِنَّهُ لَا تُجَارُ قُرَيْشٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا، وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النَّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ، وَإِذَا دُعُوا إلَى صُلْحٍ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ، فَإِنَّهُمْ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ، وَإِنَّهُمْ إذَا دُعُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، إلَّا مَنْ حَارَبَ فِي الدِّينِ، عَلَى كُلِّ أُنَاسٍ حِصَّتُهُمْ مِنْ جَانِبِهِمْ الَّذِي قِبَلَهُمْ، وَإِنَّ يَهُودَ الْأَوْسِ، مَوَالِيَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ، عَلَى مِثْلِ مَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، مَعَ الْبِرِّ الْمَحْضِ؟ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ" [سيرة ابن هشام، ت السقا: (١/٥٠٤)].
ولا تكتفي الصحيفة بأن تحدد الوطن بجوف المدينة وقبائلها ومن يلحق بها وله نفس أهداف المجتمع وغاياته، ولا بأن تقر المخالف في الدين على عقيدته وشعائره، ولا أن تشرك الجميع في الدفاع عن الوطن بالنفس والمال، وإنما تعطي حقوقًا لم يعهدها أحد في غير الإسلام وهو حق النصح والنصيحة والبر دون الإثم، فقد ورد في الصحيفة أن ما بين المسلمين وبين غيرهم- فضلًا عن التناصر في رد العدوان- هو النصح والنصيحة والبر.
ويمكن أن نقدر مدى ما تتسم به الصحيفة- بعد العدل والمساواة- من تسامح إذا راعينا أن النصح والنصيحة هما من أصول الدين الاجتماعية فالرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» [النسائي: ٤٢١٠]، ولا شك أن المجتمع الذي يتناصح أفراده جميعًا هو مجتمع كامل، وأن النصح قد يكون من غير المسلم فيما يعرض للمجتمع من أمور الدنيا ومصالحها فالنصح بين الناس في شؤون دنياهم قد يكون من المسلم وغير المسلم ولا يمنع اختلاف الدين من استشارة أهل الرأي من غير المسلمين متى كان إخلاصهم للمجتمع لا تشوبه شائبة، ولذلك تقول الصحيفة: "وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النُّصْحَ وَالنَّصِيحَةَ، وَالْبِرَّ دُونَ الْإِثْمِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَأْثَمْ امْرُؤٌ بِحَلِيفِهِ، وَإِنَّ النَّصْرَ لِلْمَظْلُومِ، وَإِنَّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ، وَإِنَّ يَثْرِبَ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَإِنَّ الْجَارَ كَالنَّفْسِ غَيْرَ مُضَارٍّ وَلَا آثِمٌ، وَإِنَّهُ لَا تُجَارُ حُرْمَةٌ إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا" [سيرة ابن هشام، ت السقا: (١/٥٠٤)]، فإذا خلت النفوس من الإثم وأخلصت في النصح في مصالح المجتمع وأمور حياته عادت الفائدة على الجميع على اختلاف العقائد في المجتمع.
لقد أرست وثيقة المدينة أسس التعايش والتعاون بين مكوّنات المجتمع المتعددة، وجسدت حكمة النبي ﷺ في إدارة التنوع، لتبقى نموذجًا خالدًا يصلح لمجتمعاتنا اليوم.
كانت وثيقة نفسية تلامس حاجات الإنسان النفسية العميقة كالانتماء، والأمان، والثقة، والتسامح.
كانت حجر الأساس في بناء تجربة التعايش السلمي في المدينة المنورة.
كانت الهجرة النبوية نقطة تحول جوهري في تاريخ التشريع الإسلامي.
وثيقة المدينة كانت نموذجًا يعتمد على الولاء المشترك، والمساواة في الحقوق والواجبات، والالتزام بالقانون والتعاون المجتمعي
لقد أظهرت الهجرة النبوية الكريمة دورًا بارزًا للمرأة في دعم الرسالة الإسلامية، وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها نموذجًا مشرقًا لهذا الدور