إن وصف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأنه رحمة يفيد أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قد بلغ في الرحمة درجة عالية حتى أصبح هو الرحمة ذاتها، وكأن الرحمة تجسدت في شخصه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو هي، وهي هو، ولذلك قال أبو السعود: "وهو رحمة، بطريق إطلاقِ المصدرِ على الفاعل للمبالغة" [إرشاد العقل السليم: ٣/ ١٦٣].
يقول الله تعالى: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٌ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، قال القرطبي في تفسيره: "﴿مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ﴾، يقتضي مدحًا لنسب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنه من صميم العرب وخالصها" [الجامع: ٨ /٣٩].
وقد أثنى الله عز وجل ومدح النبي -صلى الله عليه وسلم- في علاقته بأصحابه، ورحمته بهم وشفقته عليهم، وجمع له اسمين من أسمائه، فقال سبحانه عنه -صلى الله عليه وسلم-: ﴿بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، قال القرطبي: "قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: لَمْ يَجْمَعِ اللَّهُ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ اسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَائِهِ إِلَّا لِلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ قَالَ عنه: ﴿بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، وقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحج:٦٥]" [الجامع: ٨/٣٠٢]. قال ابن عباس: "سمَّاه باسمين من أسمائه" [الواحدي: ٢ /٥٣٦].
أما تسميته بذلك -صلى الله عليه وآله وسلم- معرفًا بالألف واللام، فإنه لم يرد تسميته به، قال الملا علي القاري: "وأما بصيغة التعريف {الرؤوف الرحيم}، فالظاهر أنه لا يجوز إطلاقهما على غيره سبحانه" [شرح الشفا: ١ /٤١].
وفي حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: "..وقد سمَّاه اللهُ رؤوفًا رحيمًا" [رواه مسلم]، فأما كون النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوصف مرة بأنه رحمة للعالمين، وأخرى بأنه رحمة للذين آمنوا، فلأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رحمة عامة و رحمة خاصة، أما الرحمة العامة فهي للعالمين، و أما الخاصة فهي للمؤمنين، فالمؤمنون داخلون إذن في رحمة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لهم مرتين.
يقول تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةً لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، قال ابن كثير: "يخبر تعالى أن الله جَعَل محمدًا -صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين، أي: أرسله رحمة لهم كلَّهم، فمن قَبِل هذه الرحمةَ وشكَر هذه النعمةَ سَعد في الدنيا والآخرة، ومن رَدَّها وجَحَدَها خَسِر في الدنيا والآخرة" [ابن كثير: ٥ /٣٣٨].