Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التوسل في ضوء القرآن والسنة

الكاتب

أ.د/ أحمد نبوي الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية

التوسل في ضوء القرآن والسنة

التوسل في جوهره ليس إلا بابًا من أبواب القرب من الله بمحبوباتِه، وسعيًا لنيل فضله بمنزلة من اصطفاهم من خلقه؛ فهو مسلكٌ جرى عليه عمل الأمة جيلًا بعد جيل، تعظيمًا لمن عظّم الله، وتلمُّسًا لرحماته في كنف أهل الود والقبول.

مفهوم التوسل

ذهب جماهير العلماء سلفًا وخلفًا، وهو معتمد المذاهب الفقهية الأربعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، [انظر في ذلك الموسوعة الفقهية الكويتية ١٦/١٥٦(وما بعدها)، فقد نقلوا هناك الأقوال بالتفصيل] إلى مشروعية التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - سواء في حياته أو بعد وفاته، كقولك: اللهم إني أسألك بنبيك، أو بجاه نبيك، أو بحق نبيك، أو بحرمة نبيك، أو غير ذلك.

وكذلك جواز التوسل بالصالحين والأولياء، كقولك: اللهم إني أسألك بفلان، أو بحقه، أو بجاهه.

والتوسل بالأولياء الذي نقول به هو سؤال الله بمنزلتهم وجاههم عنده، وكرامتهم لديه، وسابقة الود منه والاصطفاء لهم، وذلك في التحقيق يرجع إلى التوسل بحب الله وإكرامه لهم، وهذا يستوي فيه الولي الحي والميت؛ لأن الله يحب أولياءه ويكرمهم جميعًا، بل الولي الميت أولى؛ لأنه في دار الكرامة والجزاء.

وحتى تنجلي لك الصورةُ واضحة في هذا الأمر، ويزول من عقلك الغبش والغُبار حول هذا الموضوع، سينتظم كلامنا عنه في النقاط الآتية:

الكلام على حديث توسل الضرير

عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي، قَالَ: «إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قَالَ: فَادْعُهُ، قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يا مُحَمَّدُ إنِّي تَوَجَّهْتُ بكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لي، اللهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِىَّ» [أخرجه: عبد بن حميد في المنتخب (٣٧٩)، وأحمد في مسنده (١٧٢٤٠)، والترمذي في جامعه (٣٥٧٨)، والنسائي في الكبرى (١٠٤٩٥)، وفي عمل اليوم والليلة (٦٥٩)، وابن ماجه في سننه (١٣٨٥)، وابن خزيمة في صحيحه (١٢١٩)، والحاكم في مستدركه (١/ ٣١٣ و ٥١٩) من طرق عن : شُعْبَة،َ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ : سَمِعْتُ عُمَارَةَ بْنَ خُزَيْمَةً يُحَدِّثُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حنيف، فذكره. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر، وهو الخطمي، وقال الحاكم: إسناده صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي].

وقد اتفق المحدثون على صحته:

 فصححه الأئمة الحفاظ النقاد الجهابذة الترمذي وابن خزيمة والطبراني، والحاكم، والبيهقي، والضياء المقدسي، والمنذري، وعبد الغني المقدسي، والنووي، والذهبي، والهيثمي، وابن حجر، والسخاوي والسيوطي، والزَّبِيدي [انظر على الترتيب: جامع الترمذي ٥/ ٤٦١، صحيح ابن خزيمة ٢/ ٢٢٥، معجم الطبراني ٩/٣٠، دلائل النبوة ٦/ ١٦٧، الترغيب والترهيب ١/ ٤٧٤، النصيحة في الأدعية الصحيحة ص٩٧، الأذكار ص٣٠٦، تلخيص المستدرك على الصحيحين  ١/ ٥١٩، مجمع الزوائد ٢/ ٢٧٩، أمالي ابن حجر كما في الفتوحات الربانية ٤/ ٣٠٢، القول البديع ص٢٣١، الخصائص الكبرى ٢/ ٣٤٦، إتحاف السادة المتقين ٣/ ٤٦٩].

وقد صححه أيضًا ابن تيمية والألباني: إلا أنهما حملاه على حياته- صلى الله عليه وسلم - فادّعَيا فيه التخصيصَ دون بينة، وهو خطأٌ منهما، وممن تبعهما.

الحديث دالُّ على جواز التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته وبعد موته

إذ هو محمول على العموم لعدم قيام دليل على التخصيص، وهذا ما فهمه حفاظ الحديث وجهابذته أنه يفيد العموم؛ حيث ترجموا له في كتبهم بتراجِمَ تفيد ذلك:

  • فذكره الترمذي والحاكم والبيهقي في كتاب الدعوات، على أنه من الدعوات المأثورة المشروعة.
  • وذكره ابن ماجه والمنذري والهيثمي في كتاب الصلاة؛ لأن الصلاة المأمور بها فيه داخلة في باب التطوع والنفل.
  • وذكره النووي في باب أذكار صلاة الحاجة، على أنه من جملة الأذكار التي تقال عند عروض حاجة.

وهذا اتفاق منهم على أن الحديث معمول به، وأنه عامٌ لجميع الناس في جميع الحالات، ولو كان خاصًا بذلك الضرير، لم يكن لذكرهم له في كتب الأحكام وغيرها فائدة، ولنبهوا على أنه غير معمول به كما نبهوا على غيره من الأحاديث التي تكون مخصوصة أو منسوخة، فأضعف الإيمان أننا سائرون على فهمهم واستنباطهم، فلا وجه للنكير علينا وعليهم، ما لم يكن الإنصاف حاملًا على اختيار قولهم وترك المغالطات.

أما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِی عَنِّی فَإِنِّی قَرِیبٌۖ أُجِیبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فهذه الآية دليل على جواز التوسل؛ وذلك لأن لفظ (الدَّاعِ) فيها عام، وكذا لفظ (دَعَانِ) أيضًا عام؛ لوقوعه في سياق الشرط، فتكون الآية شاملة للدعاء بتوسل وبدونه بدليل حديث الأعمى، ولو كان التوسل دعاءً لغير الله للزم على ذلك أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - مخالفًا للقرآن، وآمرًا بدعاء غير الله، وذلك محال قطعًا [الرد المحكم المتين، مطبوع ضمن موسوعة العلامة المحدث المتفنن عبد الله بن الصديق الغماري١٤/١٤٣].

وأما قياس المتوسلين بالأنبياء والصالحين على المشركين: كما ادعوه في قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِینَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦۤ أَوۡلِیَاۤءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِیُقَرِّبُونَاۤ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰۤ﴾ [الزمر: ٣]، فهو قياس مع الفارق، فهؤلاء مشركون عبدوا غير الله واتخذوا معه آلهة، وأولئك مسلمون يشهدون أن لا إله إلا الله ويفردونه بالوحدانية والعبادة، وتوسلهم في الدعاء بنبي أو ولي ليس من عبادة غير الله في شيء، ولا يخفاك أن تنزيل الآيات التي نزلت في المشركين على المسلمين الموحدين هو من فعل الخوارج، والعياذ بالله تعالى.

التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبالصالحين في القرون الفاضلة

[انظر مقالًا بعنوان: (كبار أئمة الإسلام ومحدثوه يتوسلون عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبور الصالحين)، نُشر في مجلة المسلم، السنة السادسة، العدد (٤) ذي القعدة ١٣٧٥هـ، وهو مطبوع ضمن موسوعة العلامة المحدث المتفنن عبد الله بن الصديق الغماري (١٧/٥٥٦].

وقد جرى عمل الأمة على التوسل؛ وإليك بعضَ النماذج (الصحيحة الثابتة)، التي وقعت في عهد الصحابة والقرون الفاضلة، والتي تدل دلالة واضحة على خطإ من خصَّص الحديث بأي نوع من المخصصات:

١- إرشادُ عثمان بن حُنيف رجلًا إلى التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم -:

فعثمان بن حُنيف نفسُه - وهو راوي الحديث – أَرشد الرجل الذي كانت له إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - حاجةٌ، فأرشده عثمان بن حُنيف - رضي الله عنه - إلى التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فقضيت حاجته.

أخرج الطبراني في المعجم الكبير - بإسناد صحيح: "أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رضي الله عنه - فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَكَانَ عُثْمَانُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَلَا يَنْظُرُ فِي حَاجَتِهِ، فَلَقِيَ ابْنَ حُنَيْفٍ فَشَكَى ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوضَّأْ، ثُمَّ ائْتِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلْ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فَتُقْضِي لِي حَاجَتِي»، وَتَذْكُرُ حَاجَتَكَ، وَرُحْ حَتَّى أَرُوحَ مَعَكَ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَصَنَعَ مَا قَالَ لَهُ، ثُمَّ أَتَى بَابَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رضي الله عنه - فَجَاءَ الْبَوَّابُ حَتَّى أَخَذَ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَهُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رضي الله عنه - فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى الطَّنْفِسَةِ، فَقَالَ: حَاجَتُكَ؟ فَذَكَرَ حَاجَتَهُ وَقَضَاهَا لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا ذَكَرْتُ حَاجَتَكَ حَتَّى كَانَتِ السَّاعَةُ، وَقَالَ: مَا كَانَتْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ فَاذْكُرْهَا، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، مَا كَانَ يَنْظُرُ فِي حَاجَتِي وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيَّ حَتَّى كَلَّمْتَهُ فِيَّ، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: وَاللهِ مَا كَلَّمْتُهُ، وَلَكِنِّي شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَتَاهُ ضَرِيرٌ فَشَكَى إِلَيْهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَتَصَبَّرْ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيْسَ لِي قَائِدٌ وَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ ادْعُ بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ»، قَالَ ابْنُ حُنَيْفٍ: فَوَاللَّهِ مَا تَفَرَّقْنَا وَطَالَ بِنَا الْحَدِيثُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْنَا الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ قَطُّ".

وقد صحح هذه القصةَ الطبراني، ووافقه: البيهقي والمنذري والهيثمي وغيرهم.

 أما مشاغبة محقق (المعجم الكبير) في ثبوت هذا الأثر: فلا وزن لها في مجال النقد الحديثي، بعد حكم هؤلاء الحفاظ.

٢- ذَهابُ بلال بن الحارث المزني إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإقرار عمر بن الخطاب لذلك:

أخرج ابن أبي شيبة والبيهقي - بإسناد صحيح - من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار - وكان خازن عمر - قال: "أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَسْقِ اللَّهَ لِأُمَّتِكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا؛ فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْمَنَامِ؛ فَقَالَ: ائْتِ عُمَرَ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّكُمْ مُسْقَوْنَ، وَقُلْ لَهُ: عَلَيْكَ الْكَيْسَ الْكَيْسَ، فَأَتَى الرَّجُلُ عُمَرَ، فَأَخْبَرَهُ، فَبَكَى عُمَرُ ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ مَا آلُو إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ" [مصنف ابن أبي شيبة ١٢/ ٣٠ رقم (٣٢٦٦٥)، دلائل النبوة (٧/ ٤٧)، كلاهما من طريق: أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن مالك الدار، فذكره].

وقد صحح إسنادَ هذه الروايةِ شيخُ الإسلامِ الحافظُ (ابن حجر) في (الفتح)، فقال: "روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح"، ثم قال: "وقد روى سيفُ في (الفتوح) أن الذي رأى المنام المذكور، هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة" [فتح الباري:(٢/٤٩٦)].

٣- ثلاثة من كبار حفاظ الحديث يشكون الجوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - عند القبر الشريف:

قال الحافظ أبو بكر بن المقرئ مسند أصبهان: "كنت أنا والطبراني وأبو الشيخ في مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - فضاق بنا الوقت، فواصلنا ذلك اليوم، فلما كان وقت العشاء حضرت إلى القبر الشريف وقلت: يا رسول الله الجوع! فقال لي الطبراني: اجلس، فإما أن يكون الرزق أو الموت! فقمت أنا وأبو الشيخ فحضر البابَ عَلويٌ، ففتحنا له، فإذا معه غلامان بقفتين فيهما شيءٌ كثير، وقال: يا قوم شكوتموني إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -! فإني رأيته في النوم، فأمرني بحمل شيء إليكم".

فهذا صنيع الإمام الطبراني وهو شيخ المحدثين بغير منازع، وهو دال على فَهمه الذي لا زلنا نفهمه إلى اليوم، ويشاركه في هذا الفَهم أبو الشيخ، وأبو بكر بن المقرئ.

ثم إنه قد ذكر هذه القصةَ الإمامان الحافظان المشهوران: الذهبي والسخاوي [سير أعلام النبلاء (١٦/٤٠٠)، تذكرة الحفاظ، (٣/١٢٢)، القول البديع (ص ٣٣٨-٣٣٩)]، مقرَّين غير منكرين.

فهذا هو الساري في طبقات المحدثين جيلًا من وراء جيل، وهو الذي نقول به وندفع من يتهجم عليه، فضلًا عمن يخبطُ خبط عَشواء فيتجاسر على تكفير صنيعٍ صدَرَ من أولئك الأئمة.

٤- قصد الإِمامِ أبي الخير الأقطع القبرَ الشريف، وقوله: أنا ضيفُك الليلةَ يا رسولَ الله:

قال الحافظ الذهبي في تاريخ الإِسلام(٧/٩٢٠)، في ترجمة الإِمام الزاهد العابد أَبي الخير الأَقطع (ت ٣٧٤هـ)وقال السلمي: "سمعت منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول": سمعت أبا الخير الأقطع يقول: "دخلت مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأنا بفاقة، فأقمتُ خمسة أيام ما ذقت ذَوَاقًا، فتقدمتُ إلى القبر، وسلّمت على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلى أبي بكر وعمر، وقلت: أنا ضيفك الليلة يا رسول الله، قال: ونمت خلف المنبر، فرأيت في المنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، وعلي بين يديه، فحرّكني عليٌ وقال: قم، قد جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقمت إليه وقبلت بين عينيه، فدفع إلي رغيفًا فأكلت نصفه، وانتبهت، فإذا في يدي نصفُ رغيفٍ".

٥- ضياعُ ولد الإمام أبي الفرج ابن أبي حاتم وشكواه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم:

قال الحافظ تاج الدين السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى: ٦/ ٣٩٤)، في ترجمة الإمام الفقيه الزاهد؛ أبي الفرج ابن أبي حاتم القزويني (ت ٥٠١): "وهو صاحب الكرامة في ضياع ابنه في طريق الحج؛ وذلك أنه حج سنة سبع وتسعين وأربع مئة، فضاع ولده قبل وصوله إلى المدينة الشريفة، فلما وصل إلى المسجد الشريف، أخذ يتمرغ في الباب ويبكي والخلق مجتمعون حوله وهو يقول: يا رسول الله جئتك من بلد بعيد زائرًا وقد ضاع ابني، لا أرجع حتى تردَّ عليّ ابني، فما زال يردد هذا القول حتى دخل ابنه من باب المسجد فاعتنقا وتباكى الخلق".

٦- توسل الإمام الشافعي بالإمام أبي حنيفة:

أخرج الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد:١/ ١٢٣) - بسند صحيح - عن الإمام الشافعي أنه قال: "إني لأتبرك بأبي حنيفة، وإذا عَرَضَت لي حاجةٌ صليت ركعتين وجئتُ إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعُد عني حتى تُقضى".

٧-   توسل الخلال شيخ الحنابلة بموسى الكاظم:

أخرج الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١/ ٤٤٢)، أن الحسن بن إبراهيم أبا علي الخلال - شيخ الحنابلة في زمانه - كان يقول: "ما همنّي أمرٌ فقصدتُ قبر موسى بن جعفر، فتوسّلتُ به إلا سهّل الله تعالى لي ما أحِبَّ".

٨- توسل الفقيه عبد الله بن محمد بأبي الوليد النيسابوري:

 قال الإمام الحاكم النيسابوري - كما في (طبقات الشافعية الكبرى) (۳/ ۲۲۸) - في ترجمة الإِمام الجليل، أَبي الوليد النيسابوري (ت ٣٤٩): "كان إمامَ أهلِ الحديث بخراسان، وأزهدَ من رأيتُ من العلماء وأعبدَهم، وأكثرَهم تقشفًا ... وسمعتُ أبا الحسنِ عبدَ الله بنَ محمدٍ الفقيهَ يقول: ما وقعتُ في ورطة قطُّ، ولا وقع لي أمرٌ مهمٌ، فقصدتُ قبر أبي الوليد، وتوسلتُ به إلى الله تعالى، إلا استجاب الله لي".

٩- توسل أهل سمرقند بالإمام البخاري:

قال الذهبي في (السير) (١٢/ ٤٦٩)، وفي (تاريخ الإسلام) (٦/ ١٦٤)، والسبكي في (طبقات الشافعية) (٢/ ٢٣٤)، وقال أبو علي الغساني الحافظ: أخبرنا أبو الفتح نصر بن الحسن السكتي السمرقندي، قدم علينا بلنسية عام (٤٦٤هـ) قال: "قحَط المطر عندنا بسمرقند في بعض الأعوام، فاستسقى الناس مرارًا، فلم يُسقَوا، فأتى رجل صالح معروف بالصلاح إلى قاضي سمرقند فقال له: إني رأيت رأيًا أعرضه عليك، قال: وما هو؟ قال: أرى أن تخرج ويخرجَ الناس معك إلى قبر الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، وقبره بِخَرْتَنْك، ونستسقي عنده، فعسى الله أن يسقينا، قال: فقال القاضي: نِعْمَ ما رأيت، فخرج القاضي والناس معه، واستسقى القاضي بالناس، وبكى الناس عند القبر، وتشفعوا بصاحبه، فأرسل الله تعالى السماء بماء عظيم غزير أقام الناس من أجله بخرتنك سبعة أيام أو نحوها، لا يستطيع أحد الوصول إلى سمرقند من كثرة المطر وغزارته، وبين خَرْتَنْك وسمر قند نحو ثلاثة أميال".

ويجب التنبهُ إلى:

أننا لا نستدل على مشروعية التوسل وجوازه من خلال هذه الحكايات والآثار - رغم صحتها وثبوتها - وإنما الغرضُ إثباتُ وقوعِ ذلك (عمليًا) في عهد الصحابة والقرون الفاضلة، ردًا على من ينكر وقوعَ ذلك.

نصوص الحفاظ والمحدثين في التوسل بالأنبياء والصالحين

والآن إليك طائفةٌ من كبراء المحدثين والحفاظ وأعيانهم، الذين مارسوا التوسل بطريقة عملية؛ لنقطع الجدل والتشغيب عن هذا المعنى، وليثبُتَ لك بما لا خفاء فيه: أنه قد جرى عملُ الأمة سلفًا وخلفًا على مشروعية التوسل، وقد اخترت لك المحدثين دون سواهم من الفقهاء والمفسرين واللغويين، رغم ورود ذلك عنهم أيضًا؛ حتى ترى كيف تعامل حملة الحديث النبوي وشراح السنة مع هذه المسألة:

١- إمام المذهب وعالم قريش وناصر السنة، الإمام الشافعي (ت ٢٠٤)، وقد تقدم توسلُه بالإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان.

٢- الإمام الحافظ، الثقة، الرحّال، الجوّال، عَلم المعمَّرين، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، صاحب المعاجم الثلاثة (ت ٣٦٠).

٣- والإمام الحافظ الصادق محدث أصبهان أبو محمد، عبد الله بن محمد أبو الشيخ الأصبهاني (ت ٣٦٩).

٤- والإمام الحافظ الجوّال الصدوق، مسند الوقت، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المقرئ الأصبهاني (ت ٣٨١).

وقد تقدم خبرُ هؤلاء الحفاظ الثلاثة في توسلهم عند القبر الشريف

٥- قال الذهبي في سير اعلام النبلاء (٢١ / ٢٥١)، في ترجمة الإمام الحافظ الزاهد، أبي محمد محمد بن عبيد الله الحجري (ت ٥٩١): "قال أبو الربيع بن سالم الحافظ: كان وقت وفاة أبي محمد بن عبيد الله قحطٌ، فلما وُضع على شفير القبر، توسلوا به إلى الله في إغاثتهم، فسُقوا في تلك الليلة مطرًا وابلًا، وما اختلف الناسُ إلى قبره مدةَ الأسبوع إلا في الوحل والطين".

٦- الإمام الحافظ المفسر المؤرخ، أبو الفرج ابن الجوزي (ت٥٩٧)، توسل في كتابه (التذكرة في الوعظ) (ص: ١٦٢)، بقوله: "فالواجب علينا أن نستغيث بمراحم العزيز الرحيم، ونستشفعَ إليه بجاه نبيه الكريم".

٧- الإمام الحافظ الفقيه، أبو عمرو ابن الصلاح (ت٦٤٣)، قال في فتاویه (۱ / ۲۱۰): "وذلك أن كراماتِ الأولياء من أمته، وإجاباتِ المتوسلين به في حوائجهم ومغوثاتهم، عَقِيبَ توسلهم به في شدائدهم، براهينُ له قواطع، ومعجزاتٌ له سواطع ....."

٨- الإمام شيخ الإسلام، عالم الأولياء وولي العلماء، محيي الدين النووي (ت ٦٧٦)، قال في كتابه (المجموع شرح المهذب) (٨/٢٧٤)، في بيان آداب زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ثم يرجع إلى موقفه قبالة وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيتوسل به، ويستشفع به إلى ربه".

٩- الإمام الحافظ الفقيه، شيخ الحرم المكي، محب الدين الطبري (ت ٦٩٤)، توسل في كتابه الرياض النضرة في مناقب العشرة (۳۱/۱) بقوله: "رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين بمحمد وآله".

١٠- الإمام الحافظ المجتهد، تقي الدين السبكي (ت ٧٥٦)، توسل في فتاويه (۱/ ۳۰۰) بقوله: "والله المسئول أن يوفقنا لما يرضيه بمحمد وآله".

١١- الإمام الحافظ، أبو المحاسن ابن حمزة الحسيني الدمشقي (ت ٧٦٥)، توسل في كتابه (ذيل تذكرة الحفاظ) (١ / ٣١٥)، بقوله: "فالله تعالى يبقيه، ويمتع به الإسلام، ويديم النفع به الأنام، بجاه المصطفى سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام".

وفي (ذيل العبر) (٤ / ۲۰۰) توسّل بقوله: "ويجمع له ولمواليه خير الدارين، بمحمد وآله".

١٢- الإمام الحافظ المفسر، عماد الدين ابن كثير (ت٧٧٤)، توسل في كتابه (البداية والنهاية) (۱۳/ ۱۹۲) بقوله: "فالله يجعلها عبرة للمسلمين، ورحمة للعالمين، بمحمد وآله الطاهرين".

١٣- الإمام الحافظ الفقيه، سراج الدین ابن الملقن (ت ٨٠٤)، توسل في كتابه (البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير) (٢ / ١٨٥)، بقوله: "جعل الله ذلك خالصًا لوجهه بمحمد وآله".

١٤- الإمام الحافظ، نور الدين الهيثمي (ت ۸۰۷)، توسل في كتابه (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) (٩ / ٤٢٠) بقوله: "زينه الله بالتقوى ونفعه بالعلم، بمحمد وآله".

١٥- الإمام الحافظ شيخ القراء، شمس الدين ابن الجزري (ت۸۳۳)، قال في كتابه (الحصن الحصين) (ص ٥)، في آداب الدعاء،" وأن يتوسل إلى الله بأنبيائه والصالحين من عباده".

١٦- شيخ الإسلام وأمير المؤمنين في الحديث، الإمام الحافظ، ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢)، توسل في ديوانه المطبوع بالهند المكتبة العربية بحيدر أباد الدكَّن: قال (ص (١٦):

يا سَيّدي يا رسولَ الله قد شرُفت ... قَصائدي بمديح فيكَ قد وُصفَا

مدحتُك اليوم، أرجو الفضلَ منك غَدا ... من الشفاعة، فالحَظْني بها طَرفَا

ببابِ جُودِك عبدٌ مذنبٌ َكِلفٌ ... يا أحسنَ الناسِ وَجهًا مُشرِقًا وقَفَا

بكم توسَّلَ يرجو العفوَ عن زلل ... مِن خَوفه جَفنه الهامِي لقد ذَرَفا

وقال (ص ١٨):

إصدَحْ بمدحِ المصطفى، واصدعْ به ... قلبَ الحسود، ولا تخفْ تفنيدَا

واقصِد له، واسألْ به تعطَ المنى ... وتعيشُ مهما عشتَ فيه سَعيدا

خيرُ الأنام، ومن لجا لجنابه ... لا بِدْعَ أن أضحى به مسعُودا

وقال (ص ٢٦):

نبي الله يا خيرَ البرايا ... بجاهِك أتّقي فصلَ القضاءِ

وأرجو يا كريمُ العفوَ عما ... جنتْه يداي يا ربَّ الحِـباءِ    

[الحِباء: العطاء العام بلا منّ ولا جزاء. انظر: تاج العروس (٣٧/٣٩٣)].

وختم كتابه (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) (١٣/٥٧٣) بقوله: "إلهي أتحرقُ بالنار وجهًا كان لك مصليًا، ولسانًا كان لك ذاكرًا أو داعيًا، لا بالذي دلّنا عليك، ورغَّبنا فيما لديك، وأمرنا بالخضوع بين يديك، وهو محمد خاتم أنبيائك، وسيدُ أصفيائك، فإن حقَّه علينا أعظمُ الحقوق بعد حقك، كما أن منزلته أشرفُ منازل خلقك".

١٧- الإمام المحدث المؤرخ، بدر الدين العيني (ت ٨٥٥)، توسل في افتتاح كتابه (عمدة القاري بشرح صحيح البخاري) (١/ ١١) بقوله: "فها نحن نشرع في المقصود، بعون الملك المعبود، ونسأله الإعانة على الاختتام، متوسلًا بالنبي خير الأنام، وآله وصحبه الكرام".

١٨- محدث البلاد اليمنية في عصره، الإمام شهاب الدين الزَّبيدي (ت ٨٩٣)، توسل في مقدمة مختصره لصحيح البخاري (التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح) (ص ٩) بقوله: "والمسؤول من الله تعالى أن ينفع بذلك، ويجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يُصلح المقاصد والأعمال، بجاه سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين".

١٩- الإمام المحدث، أحمد بن إسماعيل الكوراني (ت ٨٩٣)، توسل في كتابه (الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري) (١١/ ٣٢٨) بقوله: "واللهَ أسأل التجاوز عن هفوات الأقلام... وأتوسل إليه بصاحب المقام، أن يجعل سعيي مشكورًا، وعملي مبرورًا، وأن يغفر لي ولوالدي ولمشايخي ولأحبتي ولجميع المسلمين أجمعين".

وقال أيضًا (٢ / ٢٢٥): "وأنا أقول - خاضعًا لجناب قدسه تعالى - إني آمنت بما قال رسولك الصادق المصدوق – صلى الله عليه وسلم - فبحرمته لديك أن تجعلني من الفائزين برؤية جمالك، إنك على ذلك قدير، وأنت الذي لا ترد سائِلك خائبًا"

٢٠- الإمام الحافظ المؤرخ، شمس الدين السخاوي (ت ٩٠٢)، توسل في آخر كتابه (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث) (٤ / ٤١٠) بقوله: "سيدنا محمد سيد الأنام كلهم، ووسيلتنا وسندنا وذخرنا، في الشدائد والنوازل".

٢١- الإمام الحافظ المجتهد، جلال الدين السيوطي (ت ٩١١)، توسل في مواضع عديدة من كتبه، منها قوله في (الإتقان في علوم القرآن) (٢/ ٥٠٢): "والله أسأل أن يعين على إكماله، بمحمد وآله".

وقوله في (تاريخ الخلفاء) (ص ٣٦٩): "وأسأل الله تعالى أن يقبضنا إلى رحمته قبل وقوع فتنة المئة التاسعة!! بجاه محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحبه أجمعين، آمين".

٢٢- الإمام المحدث الحجة، شهاب الدين القسطلاني (ت ٩٢٣)، توسل في شرحه الفريد الماتع لصحيح البخاري المسمى: (إرشاد الساري) بقوله (٣/ ٣٣٦): "يا سيدي يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربك في ذلك وفي جميع أموري، اللهم شفعه فيَّ وفي سلفي".

وقال في كتابه (المواهب اللدنية بالمنح المحمدية) (٣/ ٦٠٦): "وأما التوسل به - صلى الله عليه وسلم - بعد موته في البرزخ فهو أكثر من أن يحصى أو يدركَ باستقصاء، وفي كتاب (مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام) للشيخ أبي عبد الله بن النعمان طرفٌ من ذلك.

ولقد كان حصل لي داءٌ أعيا دواؤُه الأطباءَ، وأقمت به سنين، فاستغثتُ به ليلة الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ٨٩٣ بمكة - زادها الله شرفًا ومَنَّ عليَّ بالعود في عافية بلا محنة - فبينا أنا نائمٌ إذ جاء رجلٌ معه قِرطاٌس يكتب فيه: هذا دواء لداء أحمد بن القسطلاني من الحضرة الشريفة بعد الإذن الشريف النبوي، ثم استيقظتُ فلم أجد بي – والله - شيئًا مما كنت أجدُه، وحصل الشفاء ببركة النبي - صلى الله عليه وسلم -".

٢٣- عالم بلاد الحجاز في زمانه الإمام المحدث، محمد بن عَلّان الصدّيقي الشافعي (ت ١٠٥٧)، توسل في آخر كتابه النافع (دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين) بقوله (٤/ ٧٦٧): "بجاه نبيك سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - كل وقت وحين".

٢٤- خاتمة المحدثين بالديار المصرية الإمام المحدث الفقيه محمد بن عبد الباقي الزُّرقاني (ت ١١٢٢)، توسل في شرحه على الموطأ (٢/ ٢٩٧) بقوله: "وأسأله الإعانة على التمام، خالصًا لوجهه بجاه أفضل الأنام".

٢٥- محدث الشام في زمانه وعالمها، الإمام المحدث، إسماعيل بن محمد العَجْلوني الجراحي (ت ١١٦٢)، توسل في كتابه (كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس) (٢/ ٤٣) بقوله:

يا رب فارحمني بجاهِ المصطفى ... كنزِ الوجودِ وذي الهباتِ الباهرة

وبخير خلقِك لم أزلْ متوسلًا ... ذي المعجزاتِ وذي العلومِ الفاخرة

٢٦- الإمام الحافظ اللُّغوي، محمد مرتضى الزَّبيدي (ت ١٢٠٥) توسل في (إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين) (٥/ ٤١١) بقوله: (وصلى الله على سيدنا محمد سيد الكائنات، وعلى آله وأصحابه الأئمة الهداة، وقد توسلت بهم وبمصنف هذا الكتاب [الغزالي] أن يشفي الله مرضانا ومرضى المسلمين...". وبقوله (١٠/ ٥٥٧) عن حجة الإسلام الغزالي: "وقد كان مجابَ الدعوة مقبولَ الشفاعة، وذكر غير واحد أن من توسل به إلى الله تعالى في حاجة قضيت له، وها أنا متوسل به إلى المولى جل شأنه: أن يعيد عليَّ وعلى سائر المؤمنين من بركات هذا الكتاب ومؤلفه...".

وقال في (تاج العروس من جواهر القاموس) (١٩/ ٥١١)، وهو يتحدث عن غَرناطة التي كانت ببلاد الأندلس: "وآثارها جليلة كثيرة لا يسعها هذا المختصر، والله يردها دار إسلام، بمحمد وآله عليهم السلام".

وألّف في (ضبط أسماء أهل الصُّفّة) تأليفًا صغيرًا سماه: (تحفة أهل الزلفة، في التوسل بأهل الصُّفّة)، أوصل فيه أسماءهم إلى اثنين وتسعين اسمًا.

وكان نقشَ خاتم الحافظ الزبيدي الذي كان يطبع به إجازاته ومكاتيبه - كما في (فهرس الفهارس) (٢/ ٥٤٩) - بيتُ شعرِ نصًّه:

محمدُ المرتضى يرجو الأمانَ غدًا ... بجدَّه وهو أوفى الخلقِ بالذممِ

فهل هؤلاء الحفاظ والمحدثون، مطعون في عقائدهم، أو عباد قبور، كما يتخرص بذلك المتخصرون؟!

توسل سيدنا عمر بسيدنا العباس رضي الله عنهما

أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن أنس أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ"

لا يدل هذا الأثر أبدًا على منع التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته، للأسباب الآتية:

١- أن سيدنا عمر نفسه أقرَّ بلال بن الحارث المزني الذي ذهب إلى القبر الشريف متوسلًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، كما تقدم ذكره، وهذا دليلٌ قاطعٌ على أن عمر لا يرى منع التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.

٢- وقد أراد سيدنا عمر بفعله ذلك أن يبين جواز التوسل بغير النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل الصلاح ممن ترجى بركته، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن حجر - وغيره كما سيأتي: "ويستفاد من قصة العباس استحبابُ الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة"[فتح الباري ٢/ ٤٩٧].

٣- ثم إن فعل الصحابة نوعًا من التوسل ليس منعًا من الأنواع الأخرى الثابتة، ولو صحت هذه الدعوى لكان تركهم التوسل بأسماء الله - في هذه الحادثة - دليلًا على المنع، ولا أحد يقول ذلك، بل المدار على ثبوت الدليل، وقد ثبت حديث الضرير، وبطل تأويلهم له.

٤- كما أن العدول عن الأفضل إلى الفاضل ليس دليلًا على منع التوسل بالأفضل، فقد تركوا التوسل بالعشرة المبشرين، وهم أفضل من العباس، فهل يدل على منع التوسل بهم؟

٥- وإنما لجأ الصحابة إلى التوسل بالعباس؛ لأن من السنة عند انقطاع المطر صلاة الاستسقاء، وصلاةُ الاستسقاء سنتها أن يدعوَ أحد المصلين، فهذا هو سبب الطلب من العباس - رضي الله عنه - فلا يدل على أنه لا يجوز الطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلى كل حال فالعلماء متفقون على أن فعل أحد الأمرين المشروعين الثابتين لا يمنع من الآخر، وهذا بدهي [انظر: إتحاف الأذكياء ١٤/ ٤٧٤، التوسل لمحمود الزين ص ٢٤].

وإليك الآن نصوص (شراح صحيح البخاري) لتعرف كيف فهموا هذا الأثر؟

١- قال الإمام شمس الدين الكرماني (ت ٧٨٦)، في (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري) (٦/ ١٠٣): "وأما استسقاؤه بالعباس، فإنما هو للرحم التي كانت بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأراد عمر أن يصلها بمراعاة حقه، ويتوسل إلى من أمر بصلة الرحم بما وصل، من رحم العباس، وأن يجعلوا ذلك سبيلًا إلى رحمة الله تعالى".

٢- وقال الإمام شمس الدين البِرْماوي (ت ٨٣١)، في (اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح) (٤/ ٤١٧): "وفي الحديث: الاستسقاء بأهل الصلاح لا سيما أقارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".

٣- وقال شيخ الإسلام ابن حجر (ت ٨٥٢)، في (فتح الباري) (٢/ ٤٩٧): "ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة".

٤- وقال الإمام البدر العيني (ت ٨٥٥)، في (عمدة القاري) (٧/ ٣٣): "وفيه من الفوائد: استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة".

٥- وقال الإمام القَسطَلَّاني (ت ٩٢٣)، في (إرشاد الساري) (٦/ ١٢٠): "(استسقى) متوسلًا (بالعباس بن عبد المطلب) للرحم التي بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأراد عمر أن يصلها بمراعاة حقه إلى من أمر بصلة الأرحام، ليكون ذلك وسيلة إلى رحمة الله تعالى".

٦- وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري (ت ٩٢٦)، في (منحة الباري بشرح صحيح البخاري) (٣/ ٨٦): "وفي الحديث: الاستسقاء بأهل الصلاح، لا سيما أقارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".

٧- وقال العلامة الأمير الصنعاني (ت ١١٨٢) في (سبل السلام شرح بلوغ المرام) (١/ ٤٥٣): "وفي هذه القصة دليل على الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وبيت النبوة، وفيه فضيلة العباس وتواضع عمر، ومعرفته لحق أهل البيت صلى الله عليهم".

٨- وقال شيخنا العلامة الدكتور: نور الدين عِتْر (حفظه الله)، في (إعلام الأنام شرح بلوغ المرام) (٢/ ١٨٨): "وفيه: الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وبيت النبوة، وأن التوسل إلى الله تعالى بعباده الصالحين من الأسباب القوية لإجابة الدعاء وقبوله".

ابن كثير ينقل عن ابن تيمية قوله بجواز التوسل

من المعلوم والمقرر لدى أهل العلم أن الشيخ تقي الدين ابن تيمية الحراني (ت ٧٢٨)، هو أول من ذهب إلى منع التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته، وهو قول لم يقله عالم قبله، وكلامه في هذا مشهور، وصنف في ذلك جزءًا مفردًا سماه: (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة)؛ لكن الحافظ ابن كثير وهو تلميذ للحافظ ابن تيمية، نقل عنه التراجع عن المنع، وأنه أقر بجواز التوسل.

قال في (البداية والنهاية) (١٨ / ٧٤): "قال البرزالي: وفي شوال منها شكى الصوفية بالقاهرة على الشيخ تقي الدين وكلموه في ابن عربي وغيره إلى الدولة، فردوا الأمر في ذلك إلى القاضي الشافعيّ، فعقد له مجلس وادعى عليه ابن عطاء بأشياء فلم يثبت عليه منها شيء، لكنه قال لا يستغاث إلا بالله، لا يستغاث بالنبيّ استغاثة بمعنى العبارة، ولكن يتوسل به ويتشفع به إلى الله  فبعض الحاضرين قال ليس عليه في هذا شيء، ورأى القاضي بدر الدين بن جماعة أن هذا فيه قلة أدب، فحضرت رسالة إلى القاضي أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة، فقال القاضي قد قلت له ما يقال لمثله، ثم إن الدولة خيروه بين أشياء إما أن يسير إلى دمشق أو الاسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس ".

وقول ابن تيمية - رحمه الله - بجواز التوسل أو منعه لن يغير في المسألة شيئًا؛ لأنه إن ثبت أنه مات على قوله بالجواز كما نقل تلميذه ابن كثير فهو موافق لما عليه بقية الأئمة، وإن ثبت أنه مات على قوله بالمنع فيكون قول فرد واحد مقابل الجماهير الغفيرة، ومعلوم أن المحدثين يسمون مخالفة الثقة لمن هو أوثق بـ (الشاذ)؛ فلا يعبأ به لشذوذه وانفراده.

لكنها رسالة إلى مقلديه ومن تأثر به، نقول لهم: إن من قلدتموه في هذه المسألة روي عنه قولان، فهل الأليق أن تحملوا كلامه على ما أطبقت عليه الأمة قبله، أم تحملوا كلامه على ما يجعله شاذًا عن جماهير العلماء!! فاستقيموا يرحمكم الله؛ لأن من تعولون عليه في المسألة، لا يُعرف هل ثبت على رأيه أم تراجع عنه؟!

تعليم الجاهل برفق

وأما إن كان بين العامة من يخطئ في مراعاة أدب الزيارة والتوسل، فمن واجب أهل العلم إرشادُهم إلى الصواب برفق.

قال الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء) (٤/ ٤٨٤): "فمن وقف عند الحجرة المقدسة ذليلًا، مسلمًا، مصليًا على نبيه، فيا طوبى له، فقد أحسن الزيارة، وأجمل في التذلل والحب، وقد أتى بعبادة زائدة على من صلى عليه في أرضه، أو في صلاته؛ إذ الزائر له أجر الزيارة، وأجر الصلاة عليه، والمصلي عليه في سائر البلاد له أجر الصلاة فصلوا، فمن صلى عليه واحدة، صلى الله عليه عشرًا.

ولكن من زاره - صلوات الله عليه - وأساء أدب الزيارة، أو سجد للقبر، أو فعل ما لا يُشرع، فهذا فعل حسنًا وسيئًا، فيُعلم برفق، والله غفور رحيم.

فوالله ما يحصل الانزعاج للمسلم، والصياح وتقبيل الجدران، وكثرة البكاء، إلا وهو محب لله ولرسوله، فحبه المعيار والفارق بين أهل الجنة وأهل النار".

وقال في (معجم الشيوخ الكبير) (١/ ٧٤): "وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - على سبيل التعظيم والتبجيل، لا يكفر به أصلًا، بل يكون عاصيًا، فليُعرَّفْ أن هذا منهيٌ عنه".

الخلاصة

إنَّ هذه الوجوه النيرة من حفاظ الأمة ومحدثيها لم يخرجوا بتوسلهم عن حقيقة التوحيد، بل صانوا جناب الشريعة من جفاء الغالين وشغب المشككين، فالتعلق بالوسيلة هو عين الوفاء لأصلها، والإنصاف يقتضي أن نقتفي أثر هؤلاء الأكابر رفقًا بالعباد وجمعًا للقلوب على مائدة الحب المحمدي الواسعة.

موضوعات ذات صلة

التوسل والاستغاثة برسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لقضاء الحوائج من المسائل الجائزة شرعًا.

ما هو التوسل إلى الله تعالى مفهومه وأنواعه؟ وهل يجوز التوسل بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم- في حياته وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى؟

إنَّ التوسل بجناب الأنبياء والصالحين هو أدبُ المحبين ومسلك الموحدين.

إنَّ قضيَّة التبرك بالصالحين هي مِشكاةُ مَحبةٍ اقتبسها أهلُ الودِّ من أنوار النبوة.

يتساءلون: ما هو السرُّ الكامن في سيدتنا السيدة فاطمة عليها السلام؟

موضوعات مختارة