ما هي موازين الشرع الدقيقة في أحكام التكفير؟
تقوم على حظر التسرع، واشتراط تحقق الشروط الصارمة، وانتفاء الموانع الأربعة؛ كالجهل والإكراه، مع التفريق بين الإطلاق والتعيين حمايةً لعصمة دماء المسلمين.
ما هي موازين الشرع الدقيقة في أحكام التكفير؟
تقوم على حظر التسرع، واشتراط تحقق الشروط الصارمة، وانتفاء الموانع الأربعة؛ كالجهل والإكراه، مع التفريق بين الإطلاق والتعيين حمايةً لعصمة دماء المسلمين.
تعد هذه القضية من أهم قضايا الاعتقاد؛ لأن الحكم لا يتأتى إلا بتحقق شروطه وضوابطه، وانتفاء موانعه، ولذلك عني العلماء بوضع الشروط الصارمة لهذه القضية الخطيرة، وتتمثل الشروط في ركنين؛ الأول: دلالة النصوص الصريحة على أن هذا الشيء كفر أكبر مخرج من الملة.
والثاني: انطباق الحكم على الشخص المراد الحكم عليه، وهذا يستوجب أن يكون المصدر للحكم عالمًا بقواعد الشرع وأصوله، قادرًا على الجمع بين النصوص، متبصرًا بحال من اتصف بالقول أو الفعل، وهل تمت الشروط في حقه يقينًا أم لا؟ فهذه اعتبارات جوهرية تسبق أي حكم.
من الضوابط المقررة أن المسلم لا يكفر بقول أو فعل أو اعتقاد إلا بعد أن تقام عليه الحجة، وتزال عنه الشبهة، يقول الإمام الغزالي -رحمه الله: "الكفر حكم شرعي كالرق والحرية مثلًا، إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار، ومدركه شرعي، فيُدرك إما بنص أو بقياس على منصوص" [ينظر: "فيصل التفرقة" ص ٨٩]، لذا وجب التثبت غاية التثبت؛ فلا يُكفر إلا من دل الكتاب والسنة على كفره دلالة لا تحتمل التأويل.
يجب شرعًا التفريق بين الفعل والفاعل، وبين الإطلاق والتعيين، وتنزيل النصوص على الوقائع والأشخاص بدقة متناهية، قال الإمام الشاطبي -رحمه الله: "إن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصًا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عمومًا" [ينظر: "الموافقات" (٢٧١/٢)]، إن نصوص الوعيد والتكفير المطلقة لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، فإذا رأيت إمامًا كفّر قائل مقالة، فلا يعتبر هذا حكمًا عامًا على كل من قالها إلا إذا استوفى الشخص شروط الاستحقاق الشرعي للتغليظ، وهو منهج يحمي الأمة من التسرع في الأحكام.
من الضوابط الجوهرية أنه لا يكفر باللوازم من الأقوال، ولا يعتبر بما تؤول إليه من أفعال ما لم يلتزمها القائل صراحة، يقول الإمام الشاطبي -رحمه الله: "مذهب المحققين من أهل الأصول أن الكفر بالمآل ليس بكفر في الحال" [ينظر: "الاعتصام" (٤٧٦/١)]؛ ويؤيده الحافظ ابن حجر -رحمه الله- مبينًا أن الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفر صريح قوله، أما من لم يلتزم اللازم وناضل عنه فلا يكون كافرًا ولو كان اللازم كفرًا [ينظر: "فتح الباري" (٥٢٣/٢)]، إن التناقض في المذهب ليس كفرًا، ولازم المذهب ليس بمذهب إلا إذا استلزمه صاحبه وأقره.
لا يكفر إلا من أجمع أهل الإسلام على تكفيره أو قام عليه دليل لا معارض له. حكى ابن عبد البر -رحمه الله- قوله: "لا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر، أو سنة ثابتة لا معارض لها"، وهذا الورع هو الذي جعل الإمام أحمد -رحمه الله- يمتنع عن تكفير الجهمية بأشخاصهم قائلًا: "ولكني لا أكفركم؛ لأنكم عندي جهال"، مما يدل على أن الجهل مانع يمنع إيقاع الحكم حتى تبين المحجة [ينظر: "التمهيد" (٢١/١٧)]
بعد تحقق الشروط، لابد من انتفاء الموانع الأربعة وهي: الجهل، والخطأ، والتأويل، والإكراه، يقول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِیمَٰنِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وقد حذر العلماء من التسرع في هذا الباب؛ حيث يقول الغزالي -رحمه الله: "الذي ينبغي الاحتراز منه: التكفير ما وجد إليه سبيلًا؛ فإن استباحة دماء المصلين خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم واحد" [ينظر: (الاقتصاد في الاعتقاد) و(فيصل التفرقة)]، ويظل أهل السنة والجماعة لا يكفرون من خالفهم وإن كفّرهم المخالف؛ لأن الكفر حكم شرعي لا يجوز المعاقبة بمثله، بل يرجع فيه للوحي المعصوم.
الظروف التاريخية التي ولدت فيها أول بدعة تكفيرية في الإسلام جاءت عقب حادثة التحكيم بصفين
المنهج العلمي والحواري المتكامل الذي اتبعه سيدنا عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- في مواجهة أولى حركات التكفير المنظم في التاريخ الإسلامي، نموذجاً فذاً في تفكيك شبهات الخوارج
ظاهرة التكفير في العصر الحديث وصِدَامها بالثوابت الشرعية، لها أثرها التاريخي الممتد من عهد الصحابة - رضي الله عنهم -