وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
لقد انبرى السادة الفقهاء وعلماء القانون في عالمنا العربي لرصد هذه الظاهرة، محاولين تفكيك بنيتها الفكرية والإجرامية، فنجد الدكتور أحمد جلال عز الدين يضع يده على مكمن الخطر بوصف الإرهاب (عنفًا منظمًا) يرمي لخلق حالة من التهديد العام لتحقيق مآرب سياسية [د. أحمد محمد أبو مصطفى: الإرهاب ومواجهته جنائيًّا، ص ٣٨]، وهذا التشخيص يتسق مع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِی ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِینَ﴾ [القصص: ٧٧].
وفي ذات السياق، يرى الدكتور نور الدين هنداوي أن الإرهاب ممارسة تصدر عن (جماعة غير قانونية) تسعى لفرض إرادتها على الدولة أو الأفراد [د. نور الدين هنداوي: السياسة الجنائية للمشرع المصري في مواجهة جرائم الإرهاب، ص ٩]، بينما اتجه الدكتور محمد عبد المنعم عبد الخالق والدكتور رجب عبد المنعم متولي إلى التركيز على الوسيلة المادية من متفجرات وأسلحة، مؤكدين أن الغاية هي (إثارة الرعب والفزع) في نفوس الآمنين، وهو ما حذر منه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» [أخرجه أبو داود]،
ولم يغب عن بصيرة الدكتور نبيل أحمد حلمي أن الإرهاب قد يكون فعلًا فرديًّا أو جماعيًّا أو حتى دوليًّا، طالما أنه يستهدف أرواحًا بشرية أو حريات أساسية للضغط على إرادة المجتمعات [د. نبيل أحمد حلمي: الإرهاب الدولي وفقًا لقواعد القانون الدولي العام، ص ٢٨]، ويختم الدكتور أسامة محمد بدر هذا النسق بتعريف جامع يرى فيه الإرهاب استخدامًا للعنف لخلق (مناخ عام من التخويف) [د. أسامة محمد بدر: مواجهة الإرهاب، دراسة في التشريع المصري والمقارن، ص ٥٦].
أما في الضفة الأخرى من الفكر القانوني، فقد تلاقت العقول على تجريم الترويع؛ حيث قرر (سوتيل) أن الإرهاب عمل إجرامي مقترف عبر (الرعب أو الفزع الشديد) [مشار إليه في مؤلف دكتور / محمد فتحي عيد: واقع الإرهاب في الوطن العربي، ص ٢٤]، وانحاز (جونز برج) إلى فكرة (الخطر العام) الذي يهدد الحياة والصحة العامة،
ويُبرز كلٌّ من (توم مالكيسون) و(الوفاسير) الجانب (المنسق والمنظم) للعنف، مؤكدين أن الإرهاب ليس فعلًا عشوائيًّا، بل هو مخطط له لبلوغ أهداف بعينها [مشار إليه في مؤلف د. منتصر سعيد حمودة، الإرهاب الدولي، ص ٤٤]، بينما وسع (سالدانا) الإيطالي الدائرة لتشمل الجرائم السياسية والاجتماعية التي تنبئ عن أسباب مفزعة للجمهور، وهو ما يدعونا لتذكر قول الحق سبحانه: ﴿وَإِذَا قِیلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ قَالُوۤا۟ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ * أَلَاۤ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا یَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١-١٢].
في قراءة معاصرة، يطرح (بروس هولغمان) في كتابه (داخل الإرهاب) مفهومًا غاية في الخطورة، وهو (العنف الفكري المخطط له)؛ حيث تصبح القوة أداة لتحقيق أجندات محددة [مشار إليه في مؤلف د. أحمد فلاح العموش: مستقبل الإرهاب في هذا القرن، ص ٢٠]، وهذا يؤكد أن الإرهاب يبدأ (فكرة) منحرفة قبل أن يتحول إلى (رصاصة) قاتلة.
إن (تران تام) يضع الإرهاب في مصاف (الجريمة الدولية) التي تتوسل بالرعب للوصول إلى أغراض ضمنية [مشار إليه في مؤلف محمد عبد الله طالب المري، الإرهاب، ص ٨٩]، وبذلك تلتقي الرؤى الفقهية على أن الإرهاب هو خروج سافر على (الفطرة الإنسانية) قبل أن يكون خروجًا على النصوص القانونية.
من جماع ما تقدم، نستطيع أن نستنبط أن الإرهاب، في جوهره الفقهي، هو (سلوك عدواني) يستخدم العنف أو التهديد به كأداة وظيفية لإشاعة الذعر، بغية اختطاف إرادة المجتمع أو الدولة، إن هذا الاتفاق بين فقهاء الشرق والغرب يبرهن على أن العالم يقف صفًا واحدًا ضد هذا (الخبال الفكري) الذي يسفك الدماء المحرمة، متجاهلًا قوله - صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» [أخرجه مسلم].
إنَّ محاربة هذا الفكر تتطلب يقظة فقهية تبين تهافت استدلالات المتطرفين، وتؤكد أن الأديان والقوانين السوية إنما جاءت لعمارة الكون لا لخرابه، ولحفظ النفس لا لإزهاقها.
إنَّ الإرهاب ظاهرة غريبة عن قيمنا، تجمع بين فساد الطوية وفظاعة الوسيلة، وإنَّ تعريفات الفقهاء - على تنوعها - قد أجمعت على أن ترويع الآمنين هو جريمة نكراء لا تبررها الأهداف، ولا تقبلُها الشرائع، فالواجب يحتِّم علينا بناء حائطِ صدٍّ فكري وقانوني يحمي الأجيال من غوائل التطرف، ويرسخ قيم التعايش والسلام.
إن التطرفَ والإرهابَ لا ينبعانِ من سببٍ واحدٍ، بل من شبكةٍ معقّدة منَ العواملِ المتداخلةِ
إنَّ المتأمل في عواصف التاريخ يدرك أنَّ الإرهاب ليس نبتةً طارئة
إن المعركة مع الإرهاب ليست مجرد صدامٍ عسكري؛ بل هي حربٌ مقدسة لاسترداد سماحة الإسلام من براثنِ عقولٍ مَرقت من الدين كما يمرق السهم من الرمية