Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

جناية النابتة على الأصول

الكاتب

هيئة التحرير

جناية النابتة على الأصول

كيف تحول علم أصول الفقه من أداة للفهم إلى وسيلة للإقصاء؟

حدث ذلك عبر "جناية النابتة" التي استبدلت الحوار العلمي بالتلقين الجامد، وعمدت إلى تطويع التراث لخدمة الأيديولوجيا، مما أنتج جيلًا يقدس القشور ويجهل مقاصد الفحول ويغلق أبواب التدبر

اغتيال المنهج الجدلي وإرساء ثقافة التلقين

عمدت (النابتة) في تعاطيها مع علم أصول الفقه إلى تجريف التربة العلمية التي نبت فيها هذا الفن الرفيع؛ فاستبدلوا المنهج القائم على (المناقشة)، و(إثارة الأسئلة)، و(المطارحات الذهنية) - وهي جوهر الدرس الأصولي وجرعات الذكاء التي تُبنى بها شخصية الفقيه - بمنهجٍ جامد يقوم على تلقي (الإجابات المعلبة) والمعدّة مسبقًا في غرف الأيديولوجيا الضيقة، إن هذا المسلك لا يكتفي بإفراغ العلم من مضمونه، بل يعمد إلى (تحنيط) العقل المسلم، وتحويل طالب العلم من (مجتهدٍ ناظر) يتذوق أسرار الشريعة إلى (وعاءٍ ناقل) يردد شعارات لا يفقه مآلاتها، إنهم بذلك يغلقون باب الفهم الذي فتحه أئمتنا الكبار كالشافعي والغزالي، والذين ما وصلوا إلى الحقائق إلا عبر ممرات الاعتراضات الدقيقة التي تصقل الملكة وتطرد الدخيل، بينما تريد (النابتة) عقلًا مستسلمًا يسهل قياده نحو منزلقات الغلو والتطرف.

القراءة التطويعية واختطاف المقاصد التراثية

لقد تجاوزت هذه الفئة حدود الخطأ المعرفي إلى ما نسميه (القراءة التطويعية) القسرية؛ حيث يقتحمون حياض أمهات كتب الأصول بمناهج غريبة عن مقاصد واضعيها، فيستنطقون نصوص الأقدمين بما لم تقل، ويحملون عبارات أساطين العلم على محامل تتوافق مع (المشرب المتشدد) الذي يهدف إلى حمل الناس على الرأي الواحد واللون الواحد، إنها عملية (اختطاف للتراث) وإعادة تدويره ليصبح سلاحًا في يد الإقصاء، بدلًا من أن يكون جسرًا للرحمة والوسطية، إن هذا النوع من التفسير المنحرف يضرب أمانة النقل في مقتل، ويجعل من علم الأصول —الذي وُضع لضبط الاستنباط— أداة لشرعنة التشدد وتضييق ما وسعه الله ورسوله على عباده، وهو عين الانحراف عن الصراط المستقيم الذي سلكه علماء الأمة عبر القرون، مما يمهد الطريق لخطاب الكراهية والانغلاق.

تزهيد الطلاب في الأمهات وإحلال السطحية المفتتة

في سعيٍ حثيث لعزل جيل الوسط العلمي عن جذوره الضاربة في أعماق التاريخ، عمل هؤلاء على التقليل من شأن المتون الأصولية المعتمدة التي تلقتها الأمة بالقبول، وصرفوا وجوه الطلاب عنها إلى كتيبات سطحية وتأليفات (هزيلة) تفتقر إلى النضج وتفتقد للبركة العلمية، يصورون العلم لطلابهم كمعركة وهمية بين (باطلٍ محصن) وقع فيه كبار علماء الأمة وسلفها الصالح، وبين (حقٍّ مطلق) حصروه في شرذمة من المتأخرين، متسترين خلف أسماء رنانة مثل (أصول الفقه على منهج أهل الحديث)، إنهم بذلك يبنون جدارًا عازلًا بين الطالب وبين (أمهات الكتب) التي تمنحه الرسوخ، ويستعيضون عنها بوريقات تزرع في قلبه الكبر والغرور العلمي، وتوهمه بأنه قد أحاط بما لم يحط به الأوائل، وهي أولى خطوات الانزلاق نحو التكفير والتبديع لكل من خالف هذه (القشور) المعرفية، مما يُنتج فكرًا متطرفًا يرى في نفسه الاحتكار المطلق للحقيقة.

تلاعب المصطلحات وتأصيل فكر الشقاق والتبديع

إنَّ المنتهى الخطير لهذا المنهج هو استخدام (أصول الفقه) كمنصة لإطلاق أحكام التبديع وتفريق وحدة الصف الإسلامي تحت ستار التمسك بالسنة، لقد برع هؤلاء في (التلاعب بالمصطلحات)؛ فيصنفون المصنفات التي يحشرون فيها قواعد مخترعة، تزعم أن منهجهم هو الحق المحض وأن غيرهم في ضلال مبين، حتى وصل بهم الشطط إلى وضع قواعد إقصائية مثل: (من خالف أهل الحديث ولو في قاعدة واحدة فليس منهم)، إن هذا المسلك ليس من العلم في شيء، بل هو (تأصيل للفرقة) واعتداء على المدارس الفقهية العريقة التي حفظت دين الأمة، إنهم يحولون طالب العلم من باحث عن الحق إلى قاضٍ يبحث عن أخطاء الناس، ويملؤون عقول الشباب بترهات تشوش تحصيلهم وتسمم علاقتهم بمجتمعهم، مما يجعلهم لقمة سائغة لجماعات العنف التي تتغذى على هذا الفكر الإقصائي الذي لا يقبل الحوار ولا يحترم الخلاف.

يقول الله تعالى: ﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾ [محمد: ٢٤]، (وهنا دعوة ربانية لإعمال العقل والتدبر الذي تأباه مناهج التلقين الجامدة).

ولقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلين» [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ].

وهذا الحديث هو الحصن الحصين في وجه كل من يحاول تطويع العلم لمآرب الغلو والتطرف.

الخلاصة

إن معالجة سرطان التطرف تبدأ من استرداد (العقل الأصولي) من أيدي العابثين، والعودة إلى رحاب المناهج الأزهرية الرصينة التي تجمع بين النقل والعقل؛ فالعلم ليس شعارات براقة، بل هو رسوخٌ في الفهم، وأدبٌ في الخلاف، وحمايةٌ للأمة من كل غلوٍّ واعتساف.

موضوعات ذات صلة

الأمية الدينية تعد من أخطر أسباب التطرف الديني، إذ تفتح الباب أمام التفسيرات المغلوطة والانغلاق الفكري.

استحلال الدماء عند المتطرفين انحراف خطير يخالف الإسلام، الذي يُحرّم القتل ويُقدّس النفس.

المشروع الإسلامي يسعى لتقديم حلول تفصيلية واقعية لمشكلات العصر عبر تطبيقات حضارية ذات بعد أخلاقي وروحي.

موضوعات مختارة