وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
تتبنى (النابتة) في فكرها المنبتِّ عن الجذور عقيدةً بائسة تزعم أنَّ الأصل في علاقة المسلم بغيره هو (الحرب والقتال)، مصورين الإسلام للعالم كأنه (آلة حربية) صماء لا تتوقف عن الصدام، إنهم يتوهمون أنَّ واجب المسلم هو استعداء كل من سواه، متشبثين بآيات السيف ومنتزعين إياها من سياقها التاريخي والتشريعي؛ ليدفعوا بالشباب نحو محرقة التشدد، إنَّ هذا المسلك المنحرف يعتمد على تفريغ الأدلة من مواردها لتناسب أهواء الغلو، وهو ما أدى إلى تشويه فريضة (الجهاد) وتحويلها من وسيلةٍ شريفة لرد البغي وصيانة الحقوق إلى أداةٍ للترهيب وسفك الدماء، مما يضرب جوهر المقاصد الشرعية التي قامت على حفظ النفوس والمُهَج، وجعلت السلم هو المنطلق والغاية في عمارة الأكوان.
على النقيض من هذا الغلو، يقرر المنهج الوسطي الأزهري الراسخ أنَّ (السلم) هو القاعدة والأساس في علاقتنا مع العالمين، لقد فقه علماء الأمة عبر العصور أنَّ الشريعة ما شرعت القتال إلا لضرورة دفع العدوان، مستدلين بالمنهج القرآني الذي يفيض رحمة وقسطًا قال تعالى: ﴿لَّا یَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِینَ لَمۡ یُقَٰتِلُوكُمۡ فِی ٱلدِّینِ وَلَمۡ یُخۡرِجُوكُم مِّن دِیَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡۚ﴾ [الممتحنة: ٨]، إنَّ المسلمين الأوائل فتحوا عقول الناس وقلوبهم بالبر الإنساني قبل أن يفتحوا البلاد، مدركين أنَّ الجهاد (قتالٌ) لدفع المحاربين وليس (قتلًا) للأفراد لمجرد اختلاف الدين؛ فالنبي الذي حرم التعرض لدور العبادة هو الذي علمنا أنَّ القوة في الإسلام هي (قوةٌ أخلاقية) تنحاز للسلم فور انكفاف العدو عن ظلمه.
إنَّ التلاعب بآيات سورة التوبة هو السمة الغالبة على خطاب المتطرفين؛ والحقُّ الذي يتغافلون عنه هو أنَّ هذه الآيات نزلت في فئات مخصوصة غدرت بالمسلمين ونقضت العهود وترصدت للفتك بالأبرياء، كما وصفهم الحق سبحانه: ﴿لَا یَرۡقُبُونَ فِی مُؤۡمِنٍ إِلࣰّا وَلَا ذِمَّةࣰۚ﴾ [التوبة: ١٠]، فالأمر بقتال هؤلاء هو حق دفاعي مشروع لرد البغي، وليس إذنًا عامًّا باستباحة العالمين، فإذا تفلت القتال من ضوابطه الشرعية التي قررها الفقهاء، خرج عن كونه جهادًا ليصير (إفسادًا في الأرض) أو (خيانةً لعهد الأمان)، إنَّ القول بأنَّ الإسلام يأمر بشن الحرب الكونية ضد غير المسلمين هو محض كذبٍ على الشريعة وجناية على أحكامها، فلا قتال إلا لردع طغيان أو دفع عدوان يهدد كرامة الإنسان.
أما تشبثهم بحديث: «أمِرْتُ أنْ أقاتِلَ الناسَ...»، فهو مغالطة كبرى؛ إذ هو من قبيل (العام الذي أريد به الخصوص)، فقد قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - في المرتدين الذين خرجوا بحد السيف على النظام العام للدولة وحاولوا تقويض أمنها وخيانة عهودها، ومثل هذا الصنف يُحاكم في كل الأعراف الدولية بتهمة (الخيانة العظمى)، ومع ذلك فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - باب العفو والرجوع للحق بقوله في آخر الحديث: «فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فقَد عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأمْوَالهُم»، ليدلل على أنَّ المقصد كان حماية المجتمع من الفوضى المسلحة وليس إكراه الناس على الاعتقاد، إنَّ حرية الاعتقاد في الإسلام أصيلة، لكنها مشروطة بعدم الخروج على النظام العام أو تهديد السلم المجتمعي، وهذا هو الفهم الرصين الذي يحمي الأمة من لوثة التطرف ونزعات التكفير والصدام.
قال تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِینَ یُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِینَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، (أصل أصيل في حصر القتال برد العدوان ومنع الاعتداء).
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمِرْتُ أنْ أقاتِلَ الناسَ حتى يَشْهدُوا أنْ لا إِلهَ إلا اللهُ وَيُؤْمِنُوا بي، وَبِمَا جئتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فقَد عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأمْوَالهُم إلا بِحقِّها، وحسابُهم على اللهِ» [رواه البخاري ومسلم]، وهو حديث خاص بمن حارب وغدر ونقض النظام العام للدولة.
إنَّ معالجة سرطان التطرف تبدأ بيقين أنَّ الإسلام دينُ تعايشٍ لا دين تصادم، وأنَّ القتال استثناءٌ للدفاع لا أصلٌ للاستعداء؛ فلا نجاة لنا إلا باسترداد (البوصلة المقاصدية) التي ترى في الإنسان كرامةً، وفي السلام ضرورةً، وفي الرحمة غايةً تملأ الآفاق أمنًا وأمانًا.
يُمثل الشباب الثروة الكبرى للأمة والمستهدف الأول لتيارات الغلو، مما يستوجب بناء استراتيجية وقائية تقوم على الرفق والوسطية وتفعيل الأمن الفكري.
السلام جوهر الإسلام، ودستور الطمأنينة، وعنوان الأمة في تعايشها.
كشف لنا هذا المنهج ضحالة فكرهم وافتقارهم لأدوات الاستنباط الشرعي الرصين التي امتلكها جيل الصحابة.