Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

سُنن التدوين ومعراج التطوّر الأصولي

الكاتب

هيئة التحرير

سُنن التدوين ومعراج التطوّر الأصولي

هل يُعد علم الأصول نظاماً عقلياً مرناً؟

 يمثل الدرس الأصولي منظومة فكرية حوّلت الفكر السيال إلى قواعد هندسية منضبطة، استهلها الشافعي تدوينًا، وطورها علماء الكلام صيانةً للوحي وعمارةً للكون.

عبقرية الشافعي من الفكر السيال إلى النظام المعرفي

لقد كان الفكر الأصولي في صدور الصحابة والتابعين (سليقةً رصينة) وفكرًا سيالًا لا يحتاج إلى تدوين، حتى جرت سُنّة الله في خلقه بضرورة ضبط المعارف مع اتساع الآفاق؛ فكان الإمام الشافعي - رضي الله عنه - هو (المبتكر الأول) الذي نقل هذا العلم من الوجدان إلى البيان في كتابه (الرسالة).

إن الشافعي لم يبتدع في الدين ما ليس منه، بل قام بـهندسة العقل الفقهي، محولًا طرائق الاستنباط إلى فنٍّ منهجي يُدرس ويُنقل، وهذا هو الامتثال الحقيقي لقوله تعالى: ﴿فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةࣲ مِّنۡهُمۡ طَاۤئِفَةࣱ لِّیَتَفَقَّهُوا۟ فِی ٱلدِّینِ﴾ [التوبة: ١٢٢]؛ فالتفقه ليس مجرد جمعٍ للمرويات، بل هو (نظمٌ للمدارك) وإعمالٌ لقواعد النظر التي تمنع التشتت والارتباك الفكري.

واجب الوقت وحركية المدرسة الكلامية

مع اتصال المسلمين بحضارات الأمم ورواج (النزعة الكلامية)، لم يقف علماء الأصول موقف المتفرج؛ بل قاموا بـواجب الوقت؛ وهو تطوير أدوات العلم لمواجهة الأفكار الوافدة، إن دخول المباحث الكلامية والمنطقية في الأصول يمثل نموًّا طبيعيًّا للعلم، واستجابةً لضرورات المواكبة المعرفية.

هذا التطور هو الذي صنع عقلية التفقه القادرة على الربط بين (النص الشرعي) و(الواقع المتغير)، إن المتطرفين الذين ينكرون هذا التطور يريدون تجريد الفقيه من أدواته العقلية ليبقى أسيرًا للسطحية، بينما المنهج الأزهري الوسطي الأشعري الراسخ يرى في هذا النمو صقلًا للملكة العلمية، وتطبيقًا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلْفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ» [مسند الشاميين للطبراني ١/‏٣٤٤ — الطبراني (ت ٣٦٠)].

الحُفاظ الأثبات وحصانة التراث الأصولي

حين رمى الجهلةُ والنابتةُ أئمةَ الأصول بالابتداع، انبرى حفاظُ الملة - كالبيهقي وابن عبد البر - ليؤكدوا أنَّ (التطور المنهجي) له أصلٌ ثابت من فعل السلف، فكانت مصنفاتهم الأثرية في الأصول بمثابة (الجسر) الذي يربط القواعد العقلية بالبراهين النقلية.

إن هذه الكتب لم تُصنف لتقول لنا "توقفوا عند الأثر وجمدوا العقل"؛ بل لتثبت أنَّ علم الأصول الذي طورته المدرسة الكلامية هو علمٌ (شرعيُّ المنبت)، وأن تغير (القوالب والاصطلاحات) هو سُنّة جارية تقتضيها ثقافة العصر، إنَّ هذا البناء التكاملي هو الذي يقطع الطريق على التيارات المتشددة التي تضرب (العقل) بـ(النقل)، وتوهم العامة بأن العلم هو مجرد ظواهر مروية بلا فقهٍ ولا تنظير.

شمولية الإدراك وعمارة الكون

إنَّ الغاية القصوى من تطور المنهج الأصولي هي تمكين الإنسان من فهم "مراد الله" لتحقيق "عمارة الأرض"، فالأصولي لا يتعامل مع النص ككتلة صلبة، بل كروحٍ تسري في الواقع، إنَّ رفض التطور المعرفي يؤدي إلى انغلاق العقل، مما يُنتج فكرًا متطرفًا لا يعرف من الدين إلا المنع والتحريم.

بينما الدرس الأصولي المتطور يُعلمنا أنَّ الشريعة (صالحٌ ومصلح) لكل زمان ومكان، وأن التعامل مع علوم العصر بجدارة واقتدار هو من صميم (الأمانة العلمية)، إنَّ الربط بين العلة والحكمة، وبين النص والمصلحة، هو الذي يجعل الشريعة رحمةً للعالمين، ويجعل من المسلم عنصرًا بنائيًّا يدرك أنَّ استعمار الأرض (أي عمارتها) هو من مقاصد الخلافة، كما قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا﴾ [هود: ٦١].

الخلاصة

 إنَّ جحودَ تطورِ الدرسِ الأصولي هو جحودٌ لمرونةِ الإسلامِ وعبقريةِ علمائه، وإنَّ التمسكَ بالمنهجيةِ الكلامية والمنطقية هو الحصنُ من الفكرِ المتطرفِ السطحي، فالعلمُ (نورٌ ونظام)، وتطوّرُ قوالبه هو سرُّ بقائهِ شاهدًا على العصور، ليظلَّ العقلُ الأصوليُّ منارةً للاستنباط، ودرعًا للشريعة، وسبيلًا لعمارةِ الدنيا بالدين.

موضوعات ذات صلة

إنَّ صيانة العقل الأصولي هي حمايةٌ لمنابع الفهم عن الله ورسوله.

إنَّ علمَ أصولِ الفقهِ هو ميزانُ الاستقامةِ وعِصمةُ الأذهان، وما طعنَ فيه طاعنٌ إلا لِخَللٍ في نَظره.

 إن معركتنا اليوم مع التطرف ليست مجرد مواجهة أمنية؛ بل هي معركة فكرية وجودية.

موضوعات مختارة