وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
لقد مُنيت (النابتة) في مسلكها التعليمي بانقطاعٍ تام عن السند المتصل في علم أصول الفقه، لا من جهة الرواية فحسب، بل من جهة (الدراية) والتحقق و(التزكية)، إن هذا الانقطاع ليس مجرد فجوة زمنية، بل هو (انفصالٌ وجداني) عن ركنٍ ركين من أركان الاجتهاد؛ مما أدى بهم إلى هدمٍ ممنهج للتراث والتطاول على سدنته، إنَّ مَن حُرم (السند الحقيقي) الذي يؤهله لفهم هذا العلم الشريف، يجد نفسه بالضرورة عاجزًا عن إدراك مقاصد الأصوليين، فيستعيض عن الفهم بالتشنيع، وعن العلم بالتسفيه، إن زعمهم بأن كتب الأصول موغلة في الباطل هو (اعترافٌ ضمني) بجهلهم بمصطلحاتها، فكان جزاؤهم من جنس عملهم: (تِيهًا معرفيًّا) وانقطاعًا عن المدد الذي حفظ للأمة توازنها عبر القرون، ليخرجوا لنا فكرًا مشوهًا يرى في العلم (عدوًّا) وفي الأئمة (خصومًا).
إن هؤلاء الذين يزعمون العودة إلى (السلف) بلا واسطة ولا إسناد، إنما يتبعون سلفًا موهومًا لا حقيقة له إلا في (أفهامهم السقيمة)، فالحقيقة التي يغفلون عنها - أو يتغافلون - هي أن تراث الإسلام قاطبة، من فقه وأصول وقراءات، مستودعٌ في صدور رجال أهل السنة والجماعة من السادة الأشاعرة والماتريدية، فليس في الدنيا إسنادٌ متصل للقرآن الكريم أو للكتب الستة إلا وفي حلقاته إمام أشعري أو ماتريدي؛ فعليهم مدار أسانيد القراءات في شرق الدنيا وغربها، فكيف يزعم هؤلاء وصل ما انقطع وهم يطعنون في (الحلقة الوسطى) التي نقلت إلينا الوحي؟ إن هذا المنهج المشوه هو السبيل المحقق للانقطاع عن الإسلام جملةً وتفصيلًا، ظاهرًا وباطنًا، حسًّا ومعنى؛ إذ لا يُتصور دينٌ بلا نقلة، ولا علمٌ بلا إسناد.
يجب أن يدرك الوعي المسلم أن الطعن في السادة الأشاعرة والماتريدية هو في حقيقته طعنٌ في (جوهر الدين)؛ لأنهم هم السواد الأعظم ونقلة التراث الذين لا يُعرف إلا من جهتهم، وكما قرر الإمام الحافظ أبو زرعة الرازي بقوله الخالد: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنه زنديق... وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة" [الخطيب البغدادي في الكفاية]، فإن (النابتة) اليوم تعيد الكرة؛ فيجرحون في (الشهود) من الأئمة الأعلام ليبطلوا (المشهود به) من صحيح الفهم عن الله ورسوله، إن هذا المسلك هو بذرة (التطرف) الأولى؛ حيث يتم عزل الشاب عن مرجعيات الأمة الكبرى، ليصبح لقمة سائغة لكل فكرٍ إقصائي يرى في تكفير الأئمة دينًا وفي تبديع الأمة قربة.
من العجب العجاب أن نجد حتى من يقتدي بهم هؤلاء المتشددون يقرون بفضل السادة الأشاعرة وإمامتهم؛ فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية قد تتلمذ على أيديهم وقاتل تحت رايتهم، وعبر التاريخ نجد أبطال الإسلام كصلاح الدين الأيوبي ونور الدين زنكي، وأساطين العلم كالبيهقي والنووي وابن حجر العسقلاني، كل هؤلاء نبتوا في مدرسة الأشاعرة والماتريدية، فإذا كان هؤلاء (مبتدعة) كما تزعم النابتة، فقد ضاع الدين وانقطع حبل اليقين! إن إقرار كبار المفتين في مدارسهم أنفسهم بفضل هؤلاء - كما جاء في فتاوى معاصرة - يكشف زيف المناهج الشوهاء التي تزرع الفتنة، وتدفع الشباب نحو (هاوية التطرف) التي لا تقبل الخلاف ولا تحترم الإجماع، مما يهدد السلم المجتمعي والوحدة الوطنية والإسلامية.
يقول الله تعالى: ﴿فَسۡءَلُوۤا۟ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، (وأهل الذكر هم أهل السند المتصل رواية ودراية، لا أدعياء العلم المنبتُّون).
ولقد قال - صلى الله عليه وسلم: «تَسْمَعُونَ، وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ، وَيُسْمَعُ مِمَّنْ يَسْمَعُ مِنْكُمْ» [سنن أبي داود - ط دهلي مع عون المعبود ٣/٣٦٠ — أبو داود (ت ٢٧٥)]، وهذا هو الأصل النبوي الشريف للسند المتصل الذي يربط الأجيال ببعضها ويحميها من شذوذ الفكر المتطرف.
إن معركتنا مع التطرف هي معركة (إسناد) و(منهج)؛ فمن انقطع سنده ساء فهمه وضاع أدبه مع سلف الأمة، ولا نجاة لنا إلا بالالتصاق بمدرسة أهل السنة والجماعة (الأشاعرة والماتريدية)، التي حفظت للأمة عقلها، وأوصلت إلينا أنوار الشريعة غضة طرية عبر سلسلة ذهبية من العلماء الربانيين الذين جعلوا من العلم رحمةً للعالمين.
إنَّ صيانة الإنسان، وحياطة الأوطان تبدأ بامتلاك ميزانٍ قسط لا يميل.
إن صيانة العقول من لوثات الغلو هي الفريضة الغائبة التي بها تستقيم شؤون الدين والدنيا.
التكفير مُنزَلَقٌ فكري خطير وحكم شرعي يستوجب التثبت التام والورع، إذ يرتبط لُغويًا بالستر والشرع بالجحود.