Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

وهم الجاهلية وتزييف الإيمان

الكاتب

هيئة التحرير

وهم الجاهلية وتزييف الإيمان

هل عادت الأمة الإسلامية إلى "الجاهلية الأولى" كما يزعم دعاة التكفير وهل يصح وصف المجتمعات بالشرك؟

 قطعًا لا؛ فقد دلت النصوص النبوية على أن الأمة لا تجتمع على الشرك الأكبر بنص حديث "لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي"، وأن الشرك العام الذي يستأصل جماعة المسلمين ليس مما خشيه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على أمته، وما يروجه الغلاة من مصطلحات كجاهلية المجتمع والردة الجماعية ليس إلا انحرافًا فكريًّا وقلبًا لموازين الوحي، يهدف لاستباحة الدماء وتمزيق نسيج الأمة المستقرة بيقين الإيمان.

الأمة لا تجتمع على الشرك بنص النبوة

لقد تركنا النبي ﷺ على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وودع أمته بخبر يقيني يقطع دابر الأوهام التكفيرية التي يقتات عليها الغلاة. إذ يقول في حديث الصحيحين عن عقبة بن عامر رضي الله عنه: «وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا وَتَقْتَتِلُوا فَتَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» [متفق عليه].

إن هذا النص الشريف يمثل صمام أمانٍ فكريٍّ للأمة؛ فمعناه ليس استحالة وقوع الشرك من بعض الأفراد، وإنما انتفاء الشرك العام الذي تعود به الأمة كلها إلى الوثنية. وكما أصّل الحافظ ابن عبد البر في (التمهيد)، فإن من خاف على أمة محمد الشرك بعد أن أمنها نبيها منه، فقد جاء من التعسف والتنطع بما لا يخفى بطلانه. إن المتطرف يقلب موازين الوحي؛ فيرى الأمة غارقةً في الأوثان، بينما نبيها يزكيها، وهذا الفصام الفكري هو الذي يدفع النابتة لاستباحة النفوس بدعوى كاذبة هي تطهير الأمة من الشرك.

جذور الجاهلية والمحاكاة الباطلة

يتوهم الكثيرون أن مصطلح جاهلية المجتمع ظهر فجأة دون مقدمات، والحق أن جذوره ممتدة بعمق في رحم الفكر المتطرف. وقد تجلى ذلك في تنظيرات صاحب (الظلال) وكتاب (معالم في الطريق) لسيد قطب، وتعمق بصورة أشد خطورة في كتابات أخيه محمد قطب مثل (جاهلية القرن العشرين) وكتاب (هل نحن مسلمون؟)، حيث كادت هذه الكتابات أن تخرج الأمة جمعاء من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر.

لقد تفرع من هذا الفكر جماعات معاصرة متطرفة (كجماعات التكفير والهجرة)، حيث أُجبر أتباعها على هجر ديارهم وبيع أموالهم تحت زعم الدخول في الإسلام من جديد. إننا أمام حالة من المحاكاة الباطلة المفتعلة لزمن البعثة؛ حيث يتصور الشاب المتطرف نفسه صحابيًّا في شعاب مكة، ويرى المجتمع المسلم حوله مجتمع أبي جهل، متجاهلًا أن الفرق بين الجاهلية وبين المعصية كالفرقِ بين السماءِ والأرض، وأنَّ تغييبَ هذا الفارقِ هو الذي مهد الطريقَ لاستحلالِ الدماءِ والأعراضِ تحت لافتاتِ الجهاد الزائفة.

كنانة الله وحواضر الإسلام بين أنوار الحق وأوهام الغلاة

لقد تمادى الغلاة في تطاولهم حتى وصفوا حواضر الإسلام العريقة والمجتمعات المسلمة بأنها ديار كفر، واعتبروا أن طاعات المسلمين محض خزعبلات. 

إن هذا التوصيف الجائر يطعن في بلدان كنانة الله (مصر) وغيرها، والتي طالما كانت وما زالت حصنًا للوسطية ومنارة للعلم. فمصر التي شع منها نور الأزهر ليضيء الدنيا، لا يمكن لمبطل أن يصبغ عليها ثوب الجاهلية لمجرد مخالفتها لأوهامه الضيقة.

إن ادعاء ارتداد الأمة في عقر دارها هو عين الجهل بالمنهج النبوي الشريف؛ فمهد الحضارة الإسلامية الذي أسسه النبي ﷺ في المدينة المنورة بُني على التيسير وحفظ الدماء. 

وهؤلاء الذين يكفرون المجتمعات بسبب القوانين أو العادات يتناسون أن الشرك محله القلب والجحد، فكان فعلهم استخفافًا بحرمة الأمة وطعنًا في تاريخها.

الاستدارة الموهومة للزمان وضلال التجهيل

لقد زعم صاحب الظلال أن الزمان قد استدار كهيئته يوم جاء الإسلام، وأن البشرية بجملتها -بما فيها المجتمعات المسلمة- قد ارتكست في الجاهلية الأولى، وهو ما سماه انقطاع تتابع  الإيمان)، وهذا خبطٌ فكريٌّ شنيع يجعلُ من القرآنِ الكريمِ خصمًا للأمةِ لا هاديًا لها، ويُبطلُ وعدَ اللهِ بحفظِ هذا الدين.

إنَّ تقسيمَ المسلمينَ إلى شيعٍ جاهليةٍ تتبعُ مناهجَ أهلِ الكتابِ حذو النعل بالنعل هو هدمٌ لمفهومِ أمةِ الإجابة وإعدامٌ لثمرةِ جهودِ العلماءِ والربانيين على مدار ألف وأربعمائة عام، فالإسلامَ ليس تمثيلية يُعاد إخراجها في كل عصر، بل هو منهجُ حياة حيٌّ باقٍ في القلوبِ والضمائر.

إنَّ الجاهلية في لسانِ الشرعِ هي وَصْفٌ للسلوكِ المنحرفِ أو الأخلاقِ المذمومة، كما قال النبي لأبي ذر: «إِنَّكَ امرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ» [صحيح مسلم: (١٦٦١)]، ولم يُكفره بذلك، أما تحويلها إلى حكمٍ بالردةِ على المجتمعاتِ فهو عبثٌ بالمفاهيمِ وتزويرٌ للحقائقِ الشرعيةِ لا يقبله عقلٌ ولا نقل.

الخلاصة

إن القول بجاهلية المجتمعات هو المفتاح الشيطاني الذي شُرعت به أبواب القتل في جسد الأمة. والمنهج الوسطي يرى الأمة مبرأة من الشرك العام بشهادة نبيها الصادق.

وقد أدرك العلماء والربانيون خطورة هذا الفكر الظلامي فتصدوا له بمؤلفات تفكك أوهامه، مثل كتاب (دعاة لا قضاة) للمستشار حسن الهضيبي وغيره من الردود الأزهرية والعلمية التي نقضت فكر التكفير نقضًا مباشرًا؛ لتؤكد للعالم أن ديننا جاء ليحيي الإنسان ويعمر الأوطان، لا ليفني الخلق تحت دعاوى التجهيل.

موضوعات ذات صلة

إنَّ الشريعةَ الغراء لم تأتِ لتعطيلِ العقول بل لتكميلِها، وما زال أئمتنا يرون أنَّ العقلَ أصلُ النقل.

 إنَّ العُزوفَ عن نِظامِ الشروحِ والحواشي ليس (تجديدًا) بل هو (تجريدٌ) للعقلِ من أدواتِ فَهْمِ الوحي.

إنَّ الشريعة الغرَّاء مَبناها على السَّعة والرحمة لِيجد الخلق فيها حياةً وأُنسًا، وإنَّ مِن أعظمِ الجِنايةِ حَبسَ الأمةِ في مَضايقِ الفهمِ السَّقيمِ.