Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الشيخ منصور بدار قارئ السلطنة والثورة والمنبع الأصيل للعبقرية القرآنية

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

الشيخ منصور بدار قارئ السلطنة والثورة والمنبع الأصيل للعبقرية القرآنية

في تاريخ دولة التلاوة المصرية، تبرز قاماتٌ عريقةٌ شكَّلت الوجدان، وصاغت بعبقريتها هوية هذا الفن المرموق، وفي مقدمتهم الشيخ منصور بدار؛ ذلك الصوت الأسطوري، والمنبع الأصيل الذي نهل منه كبار القراء، والذي جمعت مسيرته الممتدة بين رفعة المكانة في بلاط الملوك والسلاطين، ومواقف الشموخ والعزة الوطنية.

المنبع الأصيل لعرش التلاوة

في أواخر القرن التاسع عشر، وتحديدًا في عام ١٨٨٤م، شهدت قرية مجول، التابعة لمركز بنها بمحافظة القليوبية، ميلاد طفل حمل اسم منصور محمد منصور بدار، لتبدأ من تلك البيئة الريفية الهادئة رحلة أحد أعظم أصوات التلاوة في التاريخ المصري الحديث.

تلقى الصغير علومه الأولى، وحفظ القرآن الكريم كاملًا في كُتَّاب القرية على يد الشيخ علي جاسر، قبل أن تقوده خطاه إلى الجامع الأزهر الشريف؛ ليتم تعليمه العالي هناك، ويبرز كواحد من أساطين القراء المرموقين. 

ولم يكن الشيخ منصور مجرد قارئ عادي عاصر الرعيل الأول، بل كان يمثل المنبع الأصيل، والمدرسة الملهمة التي نهل منها عبقري التلاوة الشيخ مصطفى إسماعيل، والذي تأثر بأستاذه تأثرًا كبيرًا، وسارعلى دربه، وَتَقَمَّصَ شخصيته القرآنية الفريدة، قبل أن يتفوق التلميذ لاحقًا، بفضل امتداد عطائه، ومواكبة صوته لعصر الإذاعة.

قارئ السلطنة الخصوصي في بلاط الخلافة

لم تكد موهبة الشاب منصور بدار تتفتح في أروقة الجامع الأزهر، حتى بدَّلت الأقدار حاله من النقيض إلى النقيض، بطريقة أشبه بالقصص الخيالية؛ فخلال زيارة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني لبرِّ مصر، كان السلطان يداوم على الصلاة في الجامع الأزهر، وهناك وقع سمعه على تلاوة الشيخ منصور بدار الخلَّابة، فبهرته وأخذت بمجامع قلبه؛ ليقرر فورًا أن يستأثر بهذا الصوت الفريد، وبين يوم وليلة، انتقل ابن القليوبية إلى عاصمة الخلافة إسطنبول، بعد أن مُنح جواز سفر مفتوحًا، ليُعيَّن في وظيفة قارئ السلطان الخصوصي، ويمضي هناك نحو أربعة عشر عامًا، امتدت في مطلع القرن العشرين، أفاض الله عليه خلالها من خير القرآن الكريم، ليعود بعدها إلى وطنه مصر بثراء واضح، وملامح متغيرة، جعلت والده يعجز عن التعرف عليه فور نزوله من القطار في محطة بنها.

صوت الثورة ومواقف العزة في البلاط الملكي

عاد الشيخ منصور بدار إلى مصر؛ ليكون في قلب الأحداث الوطنية، ومع اندلاع ثورة عام ألفٍ وتسعمائةٍ وتسعةَ عشر (١٩١٩م)، بقيادة الزعيم سعد زغلول، سخَّر الشيخ صوته لخدمة القضية الوطنية، فكان يداوم على القراءة يوميًّا، إبان فترة الثورة، بهدف جذب آلاف المصلين والمستمعين، مستغلًا تلك التجمعات الحاشدة لتوزيع المنشورات الوطنية التي تندد بالاستعمار الإنجليزي؛ لينال بجدارة لقب قارئ الثورة، ويجمع بينه وبين لقبه القديم قارئ السلطنة.

وقد أثمرت هذه الروح عن صداقة وطيدة جمعت بين الشيخ وزعيم الأمة سعد زغلول، مما جعل الشيخ يقرأ في مأتم الزعيم لمدة أسبوع كامل، وفي ذكراه السنوية ببيت الأمة، ممتدًا بصداقاته إلى علية القوم والساسة، مثل مصطفى النحاس باشا، وحيدر باشا.

ولم تقتصر مكانته على المحافل الشعبية، بل اختير قارئًا للسورة بالأزهر؛ لينضم إلى موكب السلطان فؤاد في العشرينيات، خلال جولاته لافتتاح المنشآت، كالمستشفى الشهير بمغاغة، حيث تبارى الشعراء المعاصرون في وصف صوته بأنه يهز النفوس خشوعًا، ويملك على المستمع لُبَّه، "ولقد أعجب به حضرة صاحب العظمة، وتفضل بالسؤال عن اسمه، وصافحه بيده الكريمة شاكرًا له إجادته، ثم نهض إلى وضع حجر أساس المستشفى".

شروط دخول الإذاعة والاعتزال المبكر

على الرغم من المكانة الأسطورية التي بلغها الشيخ منصور بدار، إلا أن مسيرته اتخذت مسارًا غريبًا ومفاجئًا، ومثله مثل أقرانه من قرَّاء القرآن الكريم في عصره، فلم يهتم بتسجيل القرآن الكريم بصوته على أسطوانات، على الرغم من تواجده يوميًّا في الجامع الأزهر للقراءة كل مساء، منذ اندلاع ثورة ١٩١٩م، وحتى وفاة سعد زغلول عام ١٩٢٧م، حيث شارك المشايخ أحمد ندا، وعلي محمود، ومحمد رفعت، ومحمد مجد، قارئ السورة بالمسجد الأحمدي، في القراءة بمأتم الزعيم، قبل أن يقرأ في مأتم الملك فؤاد في أبريل عام ١٩٣٦م، ثم يعتزل التلاوة في المآتم والمناسبات، ومرت السنوات تلو السنوات، حتى بلغ الشيخ منصور من العمر أرذله، وظل صوته مرهونًا بحدود محافظة القليوبية وما حولها، حتى أُسدل الستار على حياته.

يقول الدكتور حسين زاهر، نقلًا عن والده الشيخ عبد العظيم زاهر: "إن الإذاعة حاولت مرارًا وتكرارًا التعاقد مع الشيخ منصور بدار في النصف الثاني من الثلاثينيات، ولكنه اشترط عليهم عدم التقيد بالوقت"، ويؤكد ابن شقيقه، الحاج جودة بدار، أن السبب الحقيقي لعدم قيده هو شرطه بأن يسبق تلاوته حديثٌ ديني، ويعقبها حديثٌ آخر.

روائع التلاوة ولغز التراث المحجوب

عاش الشيخ منصور بدار حياةً زاهدةً، لم يتزوج خلالها لأسباب صحية، مكرِّسًا ما تبقى من عمره للتلاوة الثابتة لبعض السور القرآنية، مثل: الحاقة، والنجم، والرعد، وق، والقمر، على امتداد ثلث قرن من اعتزاله، وحتى وفاته في التاسع من أغسطس لعام ألفٍ وتسعمائةٍ وسبعةٍ وستين (١٩٦٧م) عن عمر يناهز ثلاثةً وثمانين عامًا، وامتازت تلاواته في الجمعة اليتيمة من شهر رمضان بالتفرد الباهر، الذي ذكره معاصروه بإجلال شديد، وتأثر بليغ.

ورغم أنه لم يهتم، كسائر قراء عصره، بتسجيل القرآن على أسطوانات تجارية، إلا أن لغزًا كبيرًا يحيط بتراثه؛ فبينما تتحدث روايات غير مؤكدة عن وجود تسجيلات له في إذاعتي إيران وتركيا، فإن المؤكد هو وجود تسجيلات نادرة له محفوظة على بكرات صوتية لدى عائلة حيدر باشا بمصر الجديدة، يُمنع تداولها أو سماعها تنفيذًا لوصية منسوبة إلى الشيخ، مما يترك محبي هذا الصوت في ترقب وشغف دائم للإفراج عن هذه الثروة القرآنية، وحفظها من الضياع؛ لِتُشَنِّفَ بها آذان الأجيال.

مراجع للاستزادة:

  • عبد الحميد دشو، معجم كبار القراء في مصر، ص٥.
  • شكري القاضي، عباقرة التلاوة في القرن العشرين، ص٣١.
  • محمود السعدني، ألحان السماء، ص٢٣.

الخلاصة

وهكذا رحل الشيخ منصور بدار، تاركًا خلفه إرثًا خالدًا في خدمة كتاب الله، ومواقف تاريخية جسدت هيبة القارئ وشموخه في أبهى صورها، ورغم غيابه عن أثير الإذاعة، وبقاء تسجيلاته النادرة حبيسة الخزائن، إلا أن أثره الممتد، وصوته العبقري، سيظلان محفورين في وجدان المدرسة المصرية، كأحد الرموز الملهمة التي لا تُنسى.

موضوعات ذات صلة

هل كان الشيخ محمد رفعت مجرد صوت عبر الأثير، أم كان آية من آيات الله.

تربع الشيخ محمد صديق المنشاوي على عرش دولة التلاوة بصوتٍ خاشعٍ فريد.

قارئ القرآن المصري الشهير، وُلد عام ١٩٠٥ بقرية ميت غزال.

وقف الشيخ أبو العينين شعيشع حارسًا أمينًا على دولة التلاوة ونقيبًا لحملة كتاب الله.

العالم الأزهري المخضرم الذي لُقِّب بجدارة بـ "أبي القراء" وشيخهم غير المنازع.

موضوعات مختارة