وعندما تؤرخ لهذا العلم القرآني
الأسطورة الذي قرأ عشرات السور بروايات مختلفة على امتداد نصف قرن وما يزيد، وبرع
في أداء مئات الآيات بأسلوب معجز يأخذ بالألباب والعقول معًا نأخذ عليه إهماله
وتقصيره في تسجيل القرآن بصوته على اسطوانات لأسباب غير معلومة، حرمت القراء
والسميعة معًا من متعة الاستماع إلى آية واحدة بصوته الرخيم.
أجمع كل المعاصرين للشيخ أحمد ندا من
كتاب، وصحفيين، وأدباء، وشعراء على قامة الشيخ ندا، وعظيم دوره في تأسيس دولة
التلاوة، وباستثناء قصيدة شاعر النيل حافظ إبراهيم في رثاء الشيخ ندا.
فيما يلي عرض لبعض ما كتب عن القاري
الشيخ أحمد ندا:
يقول الشيخ عبد العزيز البشري في رثاء
الشيخ ندا:
كان صوته سيد الأصوات وأقواها، وإنه
ليكون في أعلى طبقات الصوت حتى ليخيل إليك أن شرايين رأسه ستنفجر، فإذا به يحوم
حول طبقة أعلى يلتمس إليها الوسائل وينصب لها الشباك والحبائل حتى يتمكن منها
ويرسل بها إلى عنان السماء.
وفي مقدمته لكتاب ألحان السماء كتب شيخ
الصحفيين الأستاذ حافظ محمود يقول:
كانت نافذتنا في بيتنا القديم تطل على
مسجد السيدة زينب، وكان قارئ السورة هو الشيخ أحمد ندا يصلني صوته على بعد حوالي
تسعين مترًا تقريبًا رغم عدم وجود مكبرات صوت، وكان الشيخ يقرأ فيجود وكأنه يخطب
تمتزج في صوته القوة والحلاوة معًا.
ويضيف الأستاذ حافظ محمود.. وعندما
انتقلنا إلى منزل قريب من مسجد فاضل باشا وسمعت صوت الشيخ محمد رفعت ينساب من
منافذ المسجد انسيابًا رقيقًا، ليس فيه جبروت صوت الشيخ ندا، لكن فيه نغمات حسبتها
أول الأمر صوت الكمان الصادر عن سكان التكية المجاورة للمسجد.. أنغام صادرة من فم
إنسان تحسبه وهو يردد الآيات ملاكًا يلبس عمامة بيضاء.
وفى كتيباته الأربعة التي أصدرها
الناقد المرموق الأستاذ كمال النجمي كملاحق المجلة الكواكب في شهر رمضان من عام
١٩٨٠م كتب يقول:
أشرق الشيخ أحمد ندا بصوته مع إشراقة
القرن العشرين وأصبح عمدة القراء بلا منازع حيث وصل بفنه إلى القمة، وفي الوقت
الذي كان تلميذه الأول الشيخ محمد رفعت يحصل على جنيهين في الليلة، كان الشيخ ندا
يحصل على عشرة جنيهات وخمسة وعشرين جنيها ذهبيًا داخل القاهرة ويحصل على ضعف هذا
المبلغ إذا قرأ في الأقاليم، ولا يختلف اثنان من القراء الذين عاصروه على أن صوته
كان صوتًا لا يوصف.. كان قويًا ورقيقًا في نفس الوقت كان صوتًا حلوًا ومع حلاوته
كان يقرأ قراءة خبير بالقواعد والأصول المتواترة عن النبي ﷺ، وقبل الشيخ ندا جاء على
القراء حين من الدهر كان المجتمع يعاملهم على أنهم فقهاء مقابر ومحفظو قرآن في
الكتاتيب والبيوت ليس أكثر، لقد كان الشيخ أحمد ندا يتمتع بصوت مثل الجواهر
النادرة التي تضيء وتلمع وتخطف القلوب والأبصار بذكر الله.
ويقول الأستاذ محمود السعدني في كتابه:
مع مطلع القرن العشرين ظهر شاب طويل
القامة قمحي اللون وسيم القسمات يقرأ القرآن بصوت جميل، وبطريقة مبتكرة تحمل
السامعين على الجلوس في أماكنهم ساعات طويلة لا يفارقونها بينما الصوت الجديد يلعب
بمشاعرهم وبعقولهم، ويضيف عندما ظهر الشيخ أحمد ندا لم يكن في مصر راديو، وكانت
السهرات وقفًا على العمد والأعيان وكانت لياليهم يحييها لهم أولاد الليالي من
المنشدين وهم جماعة من المشايخ كانوا أحيانًا يرتلون القرآن وأحيانًا أخرى ينشدون
التواشيح، وكان سعر القراء أرخص من التراب قبل أن يظهر الشيخ ندا وتصبح للتلاوة
دولة تنافس دولة الفن كما أصبح لها جمهور يفوق جمهور المطربين مجتمعين.