Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الشيخ أحمد ندا مؤسس دولة التلاوة في القرن العشرين

الكاتب

هيئة التحرير

الشيخ أحمد ندا مؤسس دولة التلاوة في القرن العشرين

هل يمكن لقارئ قرآن أن يتربع على عرش التلاوة، ويصبح نجم المجتمع الأول في عصر العمالقة، ويتقاضى أجرًا بالجنيهات الذهبية، ثم يرحل عن عالمنا دون أن يترك خلفه تسجيلًا واحدًا لآية واحدة بصوته؟ تعرّف على السيرة المذهلة للشيخ "أحمد ندا"، العبقري الذي أسس دولة التلاوة ومشى الملوك في جنازته.

نشأة "نجم" في سماء التلاوة

الشيخ أحمد ندا (١٨٥٢- ١٩٣٢م) قارئ قرآن مصري، ويعد أحد أعلام هذا المجال البارزين، من مواليد حي البغالة بالقاهرة. هو مؤسس مدرسة تلاوة القرآن المصرية الحديثة، عاصر ثلاثة قراء كبار هم محمود القيسونى، وحسن الصواف، وحنفي برعي، لكن الشيخ أحمد ندا ابتكر طريقته الخاصة في التلاوة التي لم يسبقه إليها أحد، فكانت قراءته لا تلتزم لونًا واحدًا، وإنما تتجول بين فنون التنغيم وجمالياتها، فاكتسب شهرة كبيرة، وتتلمذ على يديه الكثيرون، لكنه توفي دُون أن يترك تسجيلًا يعبر عن صوته، وإنما عرف تاريخه من روايات من استمعوا إليه.

وُلد أحمد ندا عام ١٨٥٢ م في حي البغالة بالقاهرة وكان أصله مِن مدينة المحلة الكبرى بالغربية، لأب يعمل مؤذنًا في مسجد السيدة زينب رضي الله عنها، حفظ القرآن صغيرًا وامتلك مفاتيح موهبة لم توجد مثلها في هذا الزمان فكان أول نجم يتلألأ في دولة التلاوة في عصرنا الحديث.

نجم المجتمع وقصره الزينبي

والقارئ الشيخ أحمد ندا قصة عظيمة تلخص هذا الفن المرموق الجميل، فن التلاوة، فواقع الحال أن مواصفات القارئ الجيد في عرف المهتمين بتلاوة القرآن الكريم تتضمن ثلاثة شروط هي الصوت الجميل، أحكام التلاوة - الإلمام بعلم النغم وكلها شروط تجسدت بوضوح في الشخصية القرآنية للشيخ أحمد ندا بشكل يفوق الوصف وواقع الحال أيضًا، إن ما قيل عن صوت الشيخ ندا ومساحته وجماله إضافة إلى أدائه المعجز وتفوقه الكاسح على أقرانه في الماضي والحاضر والمستقبل يؤكد على أحقيته في لقب مؤسس دولة التلاوة، ورائد روادها بلا منازع في تاريخنا الحديث والمعاصر، ليس باعتباره قارنًا عبقريًا فحسب، بل لكونه نجم مجتمع من الطراز الأول يتمتع بمكانة مرموقة ترفعه إلى مصاف الساسة والزعماء وأيضًا باعتباره رجل دين رفيع المقام يعرف جيدًا قدر أهل القرآن.

 ارتبط اسمه أكثر ما ارتبط بالحرص على الالتزام بالشكل والمضمون معًا في شخصية حامل القرآن من حيث الحرص على مظهره وسلوكياته واعتزازه بنفسه من ناحية، والحرص على أحكام التلاوة والتخلق بخلق القرآن من ناحية أخرى متسلحًا بموهبته التي حباه الله بها؛ ولذا كان طبيعيًا أن يتحول قصره بالقرب من المسجد الزينبي إلى منارة علم ودين، وملتقى رجال الدين والثقافة، وأهل الفن والصحافة، يؤمه الشيخ زكريا أحمد، والشيخ البشري الابن، وعبد الوهاب، وأم كلثوم، وحافظ إبراهيم، والشيخ عليّ محمود، والشيخ محمد رفعت الذي تتلمذ عليه وتأثر به كما تأثر به جميع حملة القرآن في عصره وفي الزمن الآتي أيضًا باعتباره الأصل في دولة القراء والجماعة القرآنية التي انبثقت عنها جميع المدارس القرآنية التي ارتبطت بأسماء الرواد والعباقرة من قراء القرآن الكريم.

شهادات تاريخية: ماذا قال عنه معاصروه؟

وعندما تؤرخ لهذا العلم القرآني الأسطورة الذي قرأ عشرات السور بروايات مختلفة على امتداد نصف قرن وما يزيد، وبرع في أداء مئات الآيات بأسلوب معجز يأخذ بالألباب والعقول معًا نأخذ عليه إهماله وتقصيره في تسجيل القرآن بصوته على اسطوانات لأسباب غير معلومة، حرمت القراء والسميعة معًا من متعة الاستماع إلى آية واحدة بصوته الرخيم.

أجمع كل المعاصرين للشيخ أحمد ندا من كتاب، وصحفيين، وأدباء، وشعراء على قامة الشيخ ندا، وعظيم دوره في تأسيس دولة التلاوة، وباستثناء قصيدة شاعر النيل حافظ إبراهيم في رثاء الشيخ ندا.

فيما يلي عرض لبعض ما كتب عن القاري الشيخ أحمد ندا:

يقول الشيخ عبد العزيز البشري في رثاء الشيخ ندا:

كان صوته سيد الأصوات وأقواها، وإنه ليكون في أعلى طبقات الصوت حتى ليخيل إليك أن شرايين رأسه ستنفجر، فإذا به يحوم حول طبقة أعلى يلتمس إليها الوسائل وينصب لها الشباك والحبائل حتى يتمكن منها ويرسل بها إلى عنان السماء.

وفي مقدمته لكتاب ألحان السماء كتب شيخ الصحفيين الأستاذ حافظ محمود يقول:

كانت نافذتنا في بيتنا القديم تطل على مسجد السيدة زينب، وكان قارئ السورة هو الشيخ أحمد ندا يصلني صوته على بعد حوالي تسعين مترًا تقريبًا رغم عدم وجود مكبرات صوت، وكان الشيخ يقرأ فيجود وكأنه يخطب تمتزج في صوته القوة والحلاوة معًا.

ويضيف الأستاذ حافظ محمود.. وعندما انتقلنا إلى منزل قريب من مسجد فاضل باشا وسمعت صوت الشيخ محمد رفعت ينساب من منافذ المسجد انسيابًا رقيقًا، ليس فيه جبروت صوت الشيخ ندا، لكن فيه نغمات حسبتها أول الأمر صوت الكمان الصادر عن سكان التكية المجاورة للمسجد.. أنغام صادرة من فم إنسان تحسبه وهو يردد الآيات ملاكًا يلبس عمامة بيضاء.

وفى كتيباته الأربعة التي أصدرها الناقد المرموق الأستاذ كمال النجمي كملاحق المجلة الكواكب في شهر رمضان من عام ١٩٨٠م كتب يقول:

أشرق الشيخ أحمد ندا بصوته مع إشراقة القرن العشرين وأصبح عمدة القراء بلا منازع حيث وصل بفنه إلى القمة، وفي الوقت الذي كان تلميذه الأول الشيخ محمد رفعت يحصل على جنيهين في الليلة، كان الشيخ ندا يحصل على عشرة جنيهات وخمسة وعشرين جنيها ذهبيًا داخل القاهرة ويحصل على ضعف هذا المبلغ إذا قرأ في الأقاليم، ولا يختلف اثنان من القراء الذين عاصروه على أن صوته كان صوتًا لا يوصف.. كان قويًا ورقيقًا في نفس الوقت كان صوتًا حلوًا ومع حلاوته كان يقرأ قراءة خبير بالقواعد والأصول المتواترة عن النبي ﷺ، وقبل الشيخ ندا جاء على القراء حين من الدهر كان المجتمع يعاملهم على أنهم فقهاء مقابر ومحفظو قرآن في الكتاتيب والبيوت ليس أكثر، لقد كان الشيخ أحمد ندا يتمتع بصوت مثل الجواهر النادرة التي تضيء وتلمع وتخطف القلوب والأبصار بذكر الله.

ويقول الأستاذ محمود السعدني في كتابه:

مع مطلع القرن العشرين ظهر شاب طويل القامة قمحي اللون وسيم القسمات يقرأ القرآن بصوت جميل، وبطريقة مبتكرة تحمل السامعين على الجلوس في أماكنهم ساعات طويلة لا يفارقونها بينما الصوت الجديد يلعب بمشاعرهم وبعقولهم، ويضيف عندما ظهر الشيخ أحمد ندا لم يكن في مصر راديو، وكانت السهرات وقفًا على العمد والأعيان وكانت لياليهم يحييها لهم أولاد الليالي من المنشدين وهم جماعة من المشايخ كانوا أحيانًا يرتلون القرآن وأحيانًا أخرى ينشدون التواشيح، وكان سعر القراء أرخص من التراب قبل أن يظهر الشيخ ندا وتصبح للتلاوة دولة تنافس دولة الفن كما أصبح لها جمهور يفوق جمهور المطربين مجتمعين.

حياته الأسرية وسلالته الفنية

عاش الشيخ أحمد أحمد عبد السلام أحمد الشهير باسم (الشيخ أحمد ندا) قرابة سبعين عامًا منذ خروجه للحياة بمنطقة العباسية بالقاهرة خلال حقبة الستينيات من القرن التاسع عشر حوالي عام ١٨٦٥م وحتى رحيله في النصف الأول من الثلاثينيات قبل افتتاح الإذاعة عام ١٩٣٤م، ويمكن تحديد تاريخ الوفاة من خلال مجلدات الأهرام في تلك الفترة خاصة وأن جنازته كانت جنازة رسمية وشعبية شارك فيها كبار رجال الدولة وبعض المبعوثين من الدول الإسلامية إضافة إلى عشرات الألوف من مريديه ومحبى صوته، وما بين مولده ورحيله تلقى الشيخ أحمد ندا قسطًا غير قليل من التعليم بالأزهر الشريف، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة ثم جوده على شيخه، وتعلم أصول التلاوة، ولكنه لم يفكر في احتراف التلاوة سوى مع بدايات القرن العشرين، فإذا به خلال سنوات تعد على أصابع اليد الواحدة يصبح أحد أبرز النجوم الزاهرة في المجتمع المصري؛ يحرص كبار القوم وعليته على دعوته، والاستمتاع بصوته الخارق للعادة، فيغدقون عليه من المال الوفير والجنيهات الذهبية بشكل لم يتحقق مع أي مبدع آخر في أي من الفنون، حتى غمره فيض القرآن بنعم لا تحصى وبنى قصره بالقرب من ميدان السيدة زينب على ناصيتين، وامتطى حنطورًا بستة خيول، وأصبح ملء السمع والبصر ينتظره جمهور المستمعين بفارغ الصبر في أي مكان يذهب إليه ويتوافد ألوف المصلين على مسجد السيدة زينب وما حوله للاستماع إليه في سورة الكهف كل جمعة، حتى انفرد بعرش التلاوة تمامًا ولم يستطع أي قارئ من معاصريه منافسته باستثناء المطرب عبده الحامولي، الذي كان يتبارى معه في التسابيح التي تسبق صلاة الفجر؛ حيث كان يعتلي مئذنة المسجد الحسيني، في حين كان الشيخ ندا يشدو بالتسابيح والنغمات السماوية من فوق مئذنة السيدة زينب، ويتبارون في المقامات الموسيقية الصعبة مثل مقام العشاق ومقام الحجاز، ويتجمع المستمعون بالآلاف حول المسجدين الشهيرين للاستماع إلى كل منهما وكأنَّ على رءوسهم الطير، غير أن تلك المنافسة لم تكن واردة على الإطلاق في تلاوة القرآن الكريم وربما لو امتد به العمر قليلًا وسجل للإذاعة لتغيرت خريطة القراء، ولمعت أسماء وتوارت أسماء أخرى والله أعلم.

أنجب الشيخ احمد ندا خمسة أبناء ثلاثة ذكور هم: أحمد أحمد ندا - محمد أحمد ندا - محمود أحمد ندا، وابنتان هما: سكينة أحمد ندا - وزينب أحمد ندا، وقد توفي الجميع إلى رحمة الله تعالى، والجدير بالذكر أن أحفاده من ابنه الأصغر محمود أحمد ندا هم الأقرب للشهرة والذيوع بداية من فوقية محمود أحمد الشهيرة باسم المطربة شريفة فاضل، ونهاية برجل الأعمال الأستاذ جلال محمود أحمد، وبينهما المطربة المعتزلة ثناء محمود أحمد.

رحيل الجسد وخلود الأثر

لقد عاش الشيخ أحمد ندا عمره لا يكاد يستريح من السهر ليلة واحدة، ولقد يسهر الليلة في أسيوط، ويسهر التالية في المحلة الكبرى مثلًا، فيُجَلْجِل في الثانية كما يُصَلْصِل في الأولى، ما ترى على صوته أثرًا لضعف ولا انخذال حتى مات وهو يقرأ من آيات الكتاب الحكيم سنة ١٩٣٢م، بعد أن وضع معالم الطريق للقراء من بعده.

رحم الله الشيخ أحمد ندا رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، جزاء ما قدم فِي خدمة كتاب الله عزّ وجل.

مراجع للاستزادة

[محمود السعدني، ألحان من السماء، ص١١٠].

[شكري القاضي، عباقرة التلاوة في القرن العشرين، ص١٦].

[محمود الخولي، أصوات من نور، ص١٦].

الخلاصة

رحل الشيخ أحمد ندا بجسده، وحُرمنا من تسجيلات صوته، لكنه ترك خلفه ما هو أبقى: "دولة التلاوة المصرية" بقواعدها، وهيبتها، ومدارسها التي أنارت العالم الإسلامي؛ ليبقى الشيخ ندا هو الأصل والركيزة الأساسية التي خرجت من عباءتها أساطير القراءة في العصر الحديث. رحم الله الشيخ رحمة واسعة، وجزاه خيرًا على ما قدم.

موضوعات ذات صلة

الشيخ كامل يوسف البهتيمي: عبقرية صوتية حوّلت التلاوة لرحلة عرفانية.

الشيخ مصطفى إسماعيل: عبقري التلاوة من الغربية إلى العالمية بالإذاعة.

الشيخ عبد الباسط عبد الصمد: الحنجرة الذهبية التي صاغت وجدان الأمة.

العلامة المقرئ المتقن، إبراهيم بن بدري بن أحمد العبيدي.

العلّامة المقرئ، الشيخ أحمد بن محمد، الشهير بلقب "سَلْمونة".