في عام ١٩٤٥م،
اعتمد الشيخ منصور الشامي الدمنهوري قارئًا بالإذاعة المصرية، بعد أن اجتاز اختبارات
الاعتماد باقتدار، مستندًا إلى حفظه المتقن للقرآن الكريم وتمكنه من أحكام التلاوة،
فضلًا عن حضوره الذهني، وخفة روحه أمام لجنة الاختبار. وتدرج أجره بالإذاعة من خمسة
جنيهات حتى بلغ خمسة عشر جنيهًا، وانتشرت تلاواته عبر الأثير لتصل إلى الهند وباكستان
والمملكة العربية السعودية والمسجد الأقصى، كما بثتها إذاعات لندن وسوريا وإذاعة الشرق
الأدنى، فغدا واحدًا من أشهر قراء القرآن الكريم في العالم الإسلامي.
وعقب ثورة ٢٣ يوليو
عام ١٩٥٢م عُيِّن الشيخ قارئًا بمسجد رمضان شحاتة بمنطقة المنشية بالإسكندرية، فكان
من أبرز قراء المدينة، واجتمع الناس على تلاوته لما امتاز به من حسن الأداء، وجمال
الصوت، وإتقان أحكام التلاوة.
ومع اتساع شهرته
وذيوع صيته داخل مصر وخارجها، تلقى العديد من الدعوات لإحياء الليالي القرآنية في الأقطار
العربية والإسلامية، وكان من أبرزها زيارته التاريخية إلى سوريا عام ١٩٥٧م، حيث استقبله
الرئيس شكري القوتلي بحفاوة بالغة، في مشهد جسَّد ما بلغه من منزلة رفيعة، وما حظيت
به المدرسة المصرية في التلاوة من تقدير واحترام في العالم العربي والإسلامي.
وقد سجل الشيخ
مواقف وطنية مشرفة؛ ففي أثناء الحرب العالمية الثانية، ومع اقتراب القصف الألماني من
مدينة الإسكندرية عام ١٩٤١م، رفض مغادرة المدينة، وأصر على البقاء وتلاوة القرآن الكريم
في مسجد سيدي أبي العباس المرسي، إيمانًا منه برسالته وطمأنةً للناس في تلك الظروف
العصيبة. كما برزت وطنيته في منتصف خمسينيات القرن الماضي، حين رفض عرضًا مغريًا من
الإذاعة البريطانية لتسجيل ثلاث ساعات أسبوعيًّا مقابل خمسة جنيهات عن كل دقيقة، احتجاجًا
على الموقف البريطاني الذي سبق العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦م.
وعلى الصعيد التاريخي،
ارتبط اسم الشيخ بواقعة تاريخية اشتهرت في سيرته؛ إذ يُروى أنه أثناء أدائه فريضة الحج
في أواخر الأربعينيات، كان يتلو القرآن الكريم بحضور الملك عبد العزيز آل سعود، في
وقت كانت فيه الملكة تعاني تعسرًا في الولادة، وما إن بُشِّر الملك بسلامتها وسلامة
مولودها حتى سمَّى المولود منصورًا تيمنًا بالشيخ، وهو الأمير منصور بن عبد العزيز،
وزير الدفاع السعودي الأسبق.