وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
يزعم البعض أن القرآن الكريم يقر صراحة بأن النبي محمدًا ﷺ قد ارتكب ذنوبًا ومعاصي، مستدلين على ذلك بظاهر الآية الثانية من سورة الفتح: ﴿لِّیَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، حيث يقول أصحاب هذه الشبهة إن النص القرآني ينسب إليه "الذنب" بشكل مباشر ويعده بالمغفرة؛ والمغفرة لا تكون إلا عن خطيئة سابقة أو لاحقة، وهو ما ينفي عنه -في زعمهم- صفة العصمة المطلقة التي ينسبها المسلمون لنبيهم، ويجعله كبقية البشر الخطائين؛ مما يقدح في كمال النبوة ويشكك في صلاحيته كقدوة مطلقة للبشرية، مستغلين هذا الفهم السطحي للطعن في مقامه الشريف.
الواقع أن الآية المذكورة جاءت في سياق التشريف والامتنان لا التوبيخ، كما أن معنى "الذنب" هنا لا ينصرف إلى المعاصي الأخلاقية أو الكبائر التي يرتكبها العوام -حاشاه ﷺ-، وإنما المقصود به إما ما وقع منه قبل البعثة من أمور لا تقدح في العصمة، أو ما يُعد في مقام النبوة العالي "خلاف الأَوْلى"؛ حيث إن حسنات الأبرار قد تُعد سيئاتٍ عند المقربين لعلو مقامهم، خاصة وأن القرآن نفسه قد شهد للنبي بالعصمة والكمال الخلقي في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیمࣲ﴾ [القلم: ٤]، فضلًا عن أن سيرته العملية المدونة بدقة تنفي عنه أي انحراف سلوكي.
للرد على هذه الشبهة بشكل عقلي ومنضبط، يجب تفكيكها من خلال عدة محاور مترابطة:
أولًا: السياق القرآني والوحدة الموضوعية:
لقد وردت الآية في سورة "الفتح" التي هي سورة بشارة ونصر وتأييد، كما قال تعالى: ﴿وَیُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَیۡكَ وَیَهۡدِیَكَ صِرَٰطࣰا مُّسۡتَقِیمࣰا﴾ [الفتح: ٢]؛ ومن الناحية العقلية لا يستقيم أن يمتن الله على نبيه بالنصر والهداية للصراط المستقيم وهو يوبخه على "ذنب" بالمعنى المتعارف عليه، فلو كان مذنبًا عاصيًا –حاشاه– لما استحق وصف الهداية المطلقة ولا النصر الإلهي؛ لأن سنة الله هي نصر الصالحين لا المذنبين.
ثانيًا: استحالة إخفاء "الذنب" تاريخيًّا:
تُعد سيرة النبي ﷺ أكثر سير البشر توثيقًا في التاريخ، حيث دُونت حركاته، وسكناته، وعبادته، وحتى خلواته وخلجات نفسه التي عاتبها القرآن (كما في قصة زينب بنت جحش)؛ ولو كان هناك "ذنب" سلوكي أو أخلاقي لسجله التاريخ كما سجل أدق التفاصيل، ولتخطفه أعداؤه في وقته للتشنيع عليه، غير أن الواقع التاريخي يثبت أنه كان يُلقب بـ"الصادق الأمين" قبل البعثة وبعدها، فسيرته كتاب مفتوح ناصع البياض لم يجد فيه المتربصون سقطة واحدة.
ثالثًا: المفهوم النسبي للذنب (مقام النبوة):
لا يُقاس مصطلح "الذنب" في حق الأنبياء بمقاييس البشر العاديين؛ فالأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر الخسيسة بإجماع العقلاء من أهل الملة، ولذا فإن ما يُنسب إليهم من "ذنب" هو من باب "ترك الأفضل" أو "فعل المباح بدلًا من المندوب" في ميزان كمالهم الشاهق؛ فما يعتبره الإنسان العادي إنجازًا قد يعتبره النبي في حقه تقصيرًا في حق الله، ولذلك يستغفرون تواضعًا وطلبًا لرفعة الدرجات، لا تكفيرًا عن دنس المعاصي.
رابعًا: التناقض الداخلي في طرح الشبهة:
يُعد من التناقض العقلي أن يؤمن الطاعن بصدق القرآن في آية (الفتح) بينما يكذبه في آيات أخرى تصف النبي بالكمال مثل ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، و ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیمࣲ﴾ [القلم: ٤]؛ فالقرآن يفسر بعضه بعضًا، والنص الذي يثبت الخُلق العظيم ينفي تلقائيًّا "الذنب" بمفهومه السلبي؛ مما يوجب حمل آية الفتح على محمل يليق بمقام النبوة والعصمة.
صفوة القول: إن وصف النبي ﷺ بالمذنب استنادًا إلى ظاهر النص دون فهم سياقه ومعهود الخطاب الشرعي هو قراءة مغلوطة ومجتزأة؛ حيث إن العصمة ثابتة له ﷺ بالنقل الصحيح والعقل الصريح، بينما ما ورد في القرآن من نسبة "الذنب" هو تعبير عن رقي مقام العبودية للنبي؛ إذ يعد الهفوات البسيطة ذنوبًا تستوجب الاستغفار تعليمًا للأمة ورفعةً في الدرجات، لتظل سيرته العطرة الشاهد الأكبر على طهارته المطلقة من كل دنس.
يزعم البعض أن النبي ﷺ لم يكن معصومًا بشكل مطلق، ويستدلون على ذلك بما ورد في سورتي عبس والتحريم، حيث عاتبه الله تعالى فيهما على اجتهاداته التي لم تصب الصواب، على حد زعمهم.
يزعم البعض أنّ القرآنَ ليس وحيًا؛ لأنه نزل على مدى ثلاثةٍ وعشرين عامًا،
يردّ بعض المشككين على فكرة وجود النسخ في القرآن، مدّعين أنه يتعارض مع كمال الله، وكأنه -سبحانه- يغيّر رأيه.
يطعن بعض المشككين في حجية الصحيحين، متسائلين عن كيفية حصول إجماع الأمة على صحتهما
العصمة في الإسلام تعني الحفظ والمنع من الوقوع في المعصية