Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

شبهة تغيير الأحكام في ترجمات القرآن تفنيد ورد

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

شبهة تغيير الأحكام في ترجمات القرآن تفنيد ورد

تُثار بين الفينة والأخرى شبهة خطيرة مؤداها: أن الترجمات الحديثة لمعاني القرآن إلى اللغات الأجنبية تُغيّر الأحكام التشريعية عمدًا لتوافق الغرب، وهي شبهة تستهدف زعزعة الثقة في جهود الأمة لنقل رسالة الله، والحق أن هذه الشبهة تقوم على خلط جوهري بين أنواع الترجمة، وتغفل الضوابط العلمية والشرعية التي وضعها العلماء لهذا الفن الدقيق.

عرض الشبهة

يزعم المثيرون أن الترجمات الحديثة لمعاني القرآن تُغيّر الأحكام التشريعية عمدًا، مستندين إلى اختلاف الصياغة بين الترجمات، متجاهلين أن الترجمة الحرفية مستحيلة شرعًا، وأن الجائز هو الترجمة التفسيرية للمعاني، وهي اجتهاد بشري لا يغير حكمًا ثابتًا في النص الأصلي.

الرد المجمل

الادعاء بأن الترجمات تغير الأحكام التشريعية هو شبهة باطلة؛ لأن ما يُسمى "ترجمة القرآن" هو في حقيقته ترجمة لمعانيه وتفسير له، وليس ترجمة للقرآن نفسه الذي لا يُعادل كلام الله فيه شيء، والترجمة الحرفية التي تحاكي النظم القرآني مستحيلة شرعًا وعادةً باتفاق العلماء، بينما الترجمة التفسيرية الجائزة تخضع لضوابط صارمة تمنع أي تحريف، والأحكام الشرعية لا تستنبط من الترجمات إطلاقًا، بل من النص الأصلي بالعربية، ومن السنة، والإجماع، والقياس، ولا يقوم بذلك إلا المجتهدون المتخصصون، كما أكدت دار الإفتاء المصرية في فتواها الرسمية.

الرد المفصل

يمكن الرد على تلك الشبهة من خلال عدة محاور تبين زيفها، وتظهر افتقادها للفهم السليم والدقة في النظر، وهي كما يلي:

  • أولًا: الترجمة تنقسم إلى حرفية وتفسيرية، والحرفية مستحيلة باتفاق العلماء

قسم العلماء الترجمة إلى قسمين أساسيين:

  1. ترجمة حرفية: وهي نقل الكلمات واحدة واحدة مع مراعاة محاكاة الأصل في نظمه وترتيبه.
  2. ترجمة تفسيرية (أو معنوية): وهي نقل الكلمات مع النظر إلى المعنى، بحيث لا تراعى فيها محاكاة الأصل في النظم، بل المهم حسن تصوير المعاني والأغراض كاملة. [ينظر: الأصلان في علوم القرآن للدكتور القيعي، جـ ١، ص ٣٧٢؛ ترجمة القرآن لعبد الوكيل الدروبي، ص ١٩، ٢٠؛ مناهل العرفان للزرقاني، جـ ٢، ص ٧].

وقد ذهب العلماء إلى أن الترجمة الحرفية متعذرة ومستحيلة؛ لأنه لا يوجد في اللغات مفردات تقابل بعضها بعضًا تمامًا، ويختلف ترتيب الكلام من لغة إلى أخرى، بل إن الترجمة اللفظية المثلية - التي تراعي جميع الدلائل القريبة والبعيدة والخصائص البلاغية- محال ليس في استطاعة الثقلين باتفاق العلماء. [ينظر: القول السديد في حكم ترجمة القرآن المجيد، تأليف محمد مصطفى الشاطر، ص ١١ وما بعدها].

ومثال ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: ٦٦]؛ فإن الترجمة الحرفية لهذه الآية قد تخفي المعنى على المتلقي الأجنبي، بينما الترجمة التفسيرية تقول: "لرزقوا من كل جهة" فتنقل المعنى المراد بوضوح. [ينظر: ترجمة القرآن لعبد الوكيل الدروبي، ص ٢٠].

  • ثانيًا: استحالة الترجمة الحرفية شرعًا؛ لأنها محاولة للإتيان بمثل القرآن

لا تقف استحالة الترجمة الحرفية عند الحد العادي، بل هي مستحيلة شرعًا أيضًا؛ لأن من يدعيها يكون قد زعم الإتيان بمثل للقرآن في نظمه وبلاغته، وهذا تكذيب صريح لآية التحدي: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: ٨٨].

وقد أكد الأئمة أن طلب المستحيل العادي حرّمه الإسلام؛ لأنه ضرب من العبث وتضييع للوقت، ولأن محاولة هذه الترجمة ادعاء لإمكان وجود مثل للقرآن، وهو تكذيب شنيع لصريح الآية. [ينظر: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، جـ ١، ص ١٠٩؛ البرهان في علوم القرآن للزركشي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، جـ ١، ص ٤٦٤؛ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، جـ ١، ص ٢٣٢-٢٣٦؛ المحلى لابن حزم الظاهري، جـ ٣، ص ٢٥٤؛ المجموع للنووي، جـ ٢، ص ٣٧٩؛ المغني لابن قدامة، جـ ١، ص ٥٢٦].

  • ثالثًا: الترجمة التفسيرية الجائزة هي ترجمة لمعاني القرآن، وليست ترجمة للقرآن نفسه

أما الترجمة التفسيرية أو المعنوية، فهي التي يقوم فيها المترجم بفهم المعنى من اللفظ ثم يعبر عنه بلفظ آخر من لغة أخرى يدل عليه، أو يفهم الآية جملة ويعبر عنها بألفاظ أجنبية تؤدي المعنى، وقد يأتي لأحد التفاسير المعروفة فيترجمه إلى لغة أخرى. وهذا النوع جائز شرعًا، بل قد يكون واجبًا كفائيًا؛ لتبليغ معاني القرآن إلى غير الناطقين بالعربية. [ينظر: القول السديد للشاطر، ص ١١؛ الأصلان للقيعي، جـ ١، ص ٣٧٣].

والترجمة بهذا المعنى هي في حقيقتها ترجمة لتفسير القرآن، لا ترجمة للقرآن نفسه، وهي مساوية لتفسير القرآن بلغة أجنبية. قال العلماء: إن تفسير القرآن بلغة أجنبية يأخذ حكم سابقه من الجواز، ولا يجوز أن تسمى ترجمة للقرآن، بل تسمى "ترجمة تفسير القرآن" أو "تفسير القرآن بلغة كذا" [ينظر: مناهل العرفان للزرقاني، جـ ٢، ص ٢٧٢ وما بعدها]، وبهذا النوع نرفع النقاب لغير العرب عن جمال القرآن، وندفع الشبهات الملفقة، ونزيل الحواجز بين الإسلام وعشاق الحق من الأمم الأجنبية.

  • رابعًا: التمييز بين المعاني الأولية والثانوية يوضح حدود الترجمة

لا بد للمترجم من الإحاطة بمعاني الأصل المترجم كلها، وهي ضربان:

  1. المعاني الأولية (الأصلية): وهي ما يستفاد من الكلام بصرف النظر عن الصيغة، كالحكم بالجود على حاتم في جملة "حاتم جواد"، ويمكن التعبير عنها بأي لغة.
  2. المعاني الثانوية (التابعة): وهي ما يستفاد زائدًا على المعنى الأولي، كالفرق بين "حاتم جواد" و "إن حاتمًا لجواد" وما فيهما من تأكيد وبلاغة، وهذه المعاني الثانوية هي مناط البلاغة والإعجاز، وتختلف باختلاف المخاطبين والألسنة. [ينظر: مناهل العرفان للزرقاني، جـ ٢، ص ١٧ وما بعدها].

وعليه، فإن ترجمة المعنى الأصلي والأولي فقط جائزة وميسورة في أغلب الأحيان، بينما ترجمة المعاني الثانوية غير مستطاعة بحال من الأحوال، وهي مظهر الإعجاز المُتحدى به، ولا يحيط بها لسان عربي فضلًا عن لسان أجنبي؛ وهذا يقطع بأن أي ترجمة لا يمكنها أن تضاهي النص القرآني أو تغير أحكامه؛ لأن جوهر الإعجاز والأحكام الدقيقة مرتبط بالمعاني الثانوية التي لا تدركها الترجمة.

  • خامسًا: الأحكام الشرعية لا تستنبط من الترجمات، والضوابط تمنع التغيير (دراسة فتوى دار الإفتاء المصرية)

من أعظم المغالطات في هذه الشبهة هو افتراض أن الأحكام الشرعية تُستنبط من الترجمات، وقد فصلت دار الإفتاء المصرية هذه المسألة في فتواها الرسمية، حيث قررت أن الأحكام الشرعية لا تستنبط من القرآن الكريم وحده، وإنما تستنبط من المصادر الأساسية للتشريع؛ وهي: القرآن، والسنة النبوية، والإجماع، والقياس. [ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية، الفتاوى الإلكترونية، رقم ٤٠٤٨، بتاريخ ١٢ يوليو ٢٠١٧ م].

وبينت الفتوى أن استنباط الأحكام لا يكون إلا للمجتهدين من العلماء، الذين يجب أن تتوفر فيهم شروط كثيرة، منها: العلم؛ لقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: ٣٣]. ومنها: التخصص؛ كما قال الإمام الشافعي: "لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُفْتِي فِي دِينِ الله، إِلَّا رَجُلًا عَارِفًا بِكِتَابِ الله: بِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَبِمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ، وَتَأْوِيلِهِ وَتَنْزِيلِهِ، وَمَكِّيِّهِ وَمَدَنِهِ، وَمَا أُرِيدَ بِهِ" [ينظر: رواه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (جـ ٢، ص ٣٣١، ط. دار ابن الجوزي، السعودية)؛ وورد ضمن فتوى دار الإفتاء المصرية رقم ٤٠٤٨].

وأكدت الفتوى أن ترجمة القرآن باللغات الأخرى ليست ترجمة حرفية للنص القرآني، وإنما هي ترجمة للمعاني المأخوذة من التفاسير، وتحتاج إلى فهم الأساليب العربية، وسياق الآيات، وأسباب النزول، وإلى مراجعة من أهل الاختصاص.

كما أوضحت دار الإفتاء أن دعوة القرآن إلى التفكر ليست لاستنباط الأحكام الشرعية من قبل العامة، وإنما للإيمان بوجود الخالق والتفكر في مخلوقاته، وخلصت الفتوى إلى أنه على من لا يحسن اللغة العربية ألَّا يكتفي بقراءة التراجم ليتوصل بنفسه إلى الأحكام الشرعية، بل يسأل أهل الاختصاص -كدور الإفتاء التي تجيب باللغات المختلفة- فيما يريد معرفته. [ينظر: المصدر نفسه].

  • سادسًا: الاعتراف بوجود ترجمات مشوهة لا يعني تعميم التهمة على الكل، بل التمييز واجب

ينبغي الاعتراف بأن هناك ترجمات صدرت عن مستشرقين بدافع العداء للإسلام، وقد حذّر العلماء منها وناقشوها نقديًا، لكن المقابل الإسلامي كان قويًا، حيث عُقدت مؤتمرات دولية لوضع الضوابط والمعايير الشرعية للترجمة، ورصد الترجمات الشائعة ودراسة مضامينها ونقدها. والموقف العلمي السليم هو التمييز بين الترجمات المشوهة الصادرة عن المستشرقين، والترجمات الإسلامية الدقيقة الصادرة عن هيئات علمية موثوقة، والتي تلتزم بالضوابط الشرعية وتستند إلى التفاسير المعتبرة، مع الرجوع في استنباط الأحكام إلى العلماء المجتهدين كما أمرت بذلك الفتوى.

الخلاصة

إن شبهة تغيير الترجمات للأحكام التشريعية هي شبهة واهية تقوم على الجهل بحقيقة الترجمة وضوابطها، وتغفل أن القرآن محفوظ بحفظ الله، وأن الترجمات مهما بلغت دقتها تبقى اجتهادات بشرية لا تعلو على النص الأصلي. وما على المسلم إلا أن يطمئن إلى أن الأحكام الشرعية ثابتة في النص العربي المعجز، وأن استنباطها مختص بالمجتهدين المؤهلين، كما نصت على ذلك دار الإفتاء المصرية وبيَّن فقهاء الإسلام، والأمة بعلمائها وهيئاتها قادرة على نقد الترجمات المشوهة وإنتاج ترجمات دقيقة تنقل رسالة الإسلام كما هي، دون تحريف أو تبديل، مستوفية شروط العلم والأمانة التي قررها أئمة الإسلام عبر القرون.

موضوعات ذات صلة

يناقش المقال قضية خلود التشريع الإسلامي في مواجهة دعاوى تاريخية النص.

تعد شبهة اقتباس القرآن من الكتب السابقة من أقدم ما أثاره المبشرون والمستشرقون.

التعدد في الأوراق والنسخ المادية، وليس في نص القرآن الكريم نفسه.

يزعم بعض المشككين أن القرآن لا يمكن أن يكون فصيحًا ومعجزًا  لوجود بعض الألفاظ الغريبة.

يردّ بعض المشككين على فكرة وجود النسخ في القرآن، مدّعين أنه يتعارض مع كمال الله.

موضوعات مختارة