وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
يقول سيدنا ابن عطاء الله السكندري قدس الله سره: " سُبْحانَ مَنْ لَمْ يَجْعلِ الدَّليلَ على أوليائِه إلا مِنْ حَيثُ الدَّليلِ عَلَيهِ، وَلمْ يوصِلْ إليهمْ إلا مَنْ أراد أَنْ يوصِلَهُ إليهِ "
فالمسلم يسعى دائمًا إلى أن يكون وارثًا محمديًّا، لكن يتساءل البعض، من هو الوارث المحمدي، وما هي صفات الوارث المحمدي؟
يقول الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي قدس الله سره: "ولا يقال في أحد من أهل هذه الطريقة إنه محمدي إلا لشخصين: إما شخص اختص بميراث علم من حُكم، لم يكن في شرع قبله، فيقال فيه محمدي، وإما شخص جمع المقامات، ثم خرج عنها إلى لا مقام، كأبي يزيد وأمثاله، فهذا أيضًا يقال فيه محمدي، وما عدا هذين الشخصين فينسب إلى نبي من الأنبياء، ولهذا، ورد في الخبر:" أن العلماء ورثة الأنبياء"، ولم يقل ورثة نبي خاص، والمخاطب بهذا علماء هذه الأمة، وقد ورد أيضًا بهذا اللفظ قوله صلى الله عليه وسلم : "علماء هذه الأمة أنبياء سائر الأمم"، وفي رواية: "كأنبياء بنى إسرائيل". [الفتوحات المكية: ١/ ٢٢٣].
الوارث المحمدي هو من ورث الأنوار المحمدية، وأصبح قلبه مستهلكًا فيها، والأولياء المحمديون يتفاضلون في مقاماتهم بحسب نصيبهم من هذا الإرث المحمدي، فهناك الكامل والأكمل.
وفي هذا المعنى أوضح فضيلة الأستاذ الدكتور/ علي جمعة، أن الوارث المحمدي هو الذي انطبع فيه ما ورَّثه سيدنا رسول اللّه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم - للأمة، ففيه تخلق بأخلاق النبي المصطفى، والحبيب المجتبى، والمثال الأعلى، والإنسان الكامل – صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لا يغضب إلا للّه، وقلبه مطمئن دائمًا بذكر اللّه، وحاله مستقر مع اللّه على حال التوفيق، يهدي اللّه به عبادًا كثيرًا، ويفتح اللّه به قلوبًا كانت مغلقة، ويغفر اللّه له ولمن استهدى بهدي.
فالوارث المحمدي يكون له الإرشاد بالحال لا بالقال، ويجلس الإنسان معه، فيرتقي إلى اللّه من غير أن يتكلم، بأن تكون له التربية بالنظرة، ينظر إلى المريد فيربيه، وينفعل قلب المريد بمقدار ما في توجه شيخه إليه من الصدق والنصيحة والشفقة مع كمال المعرفة باللّه، ما يجعل كل تصرفات الشيخ هديًا وتربية، فإذا بالقلب يتخلى عن القبيح، ويتحلى بالصحيح، مما يجعله في حالة يتهيأ بها إلى الطاعات، وفي حالة يمحو فيها عنه المعاصي، كل ذلك بالنظر.
من يقرأ في السيرة العطرة يعلم أن حال سيد الخلق – صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كان إذا نظر إلى أحد من المؤمنين صيّره صحابيًا، وأحدث في نفسه عدالة، استوجبت منا تعظيمهم، وتوقيرهم، وتصديقهم، فكل الصحابة عُدُول بتعديل رسول اللّه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لهم.
وكيف عدَّلهم؟
بالنظر إليهم، يعني جلسوا أمامه فنظر إليهم، فأحدث في نفوسهم شيئًا استوجب عدالتهم، هذه الخاصية التي كانت في رسول اللّه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وهذه المنحة الربانية التي أعطاها اللّه لنبيه ورَّثها لأتقياء أمته. [من مقال بجريدة الوطن بعنوان: من هو الوارث المحمدي؟ ٦-١-٢٠٢٢].
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ عَلِيًّا، رضي الله عنه، كَانَ يَقُولُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ} [آل عمران: ١٤٤]، وَاللَّهِ لَا نَنْقَلِبُ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ، وَلَئِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ لَأُقَاتِلَنَّ عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ حَتَّى أَمُوتَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخُوهُ، وَوَلِيُّهُ، وَابْنُ عَمِّهِ، وَوَارِثُهُ، وَمَنْ أَحَقُّ بِهِ مِنِّي؟ [فضائل الصحابة للإمام أحمد: ١١١٠، والنسائي في الكبرى: ٨٣٩٦، والطبراني: ١٧٦، والحاكم: ٤٦٣٥].
عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ نَاجِذٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فِيهِمْ رَهْطٌ كُلُّهُمْ يَأْخُذُ الْجَذَعَةَ وَيَشْرَبُ الْفَرَقَ، قَالَ: فَصَنَعَ لَهُمْ مُدًّا مِنْ طَعَامٍ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، قَالَ: وَبَقِيَ الطَّعَامُ كَمَا هُوَ كَأَنَّهُ لَمْ يُمَسَّ، ثُمَّ دَعَا بِغُمَرٍ فَشَرِبُوا حَتَّى رَوَوْا، وَبَقِيَ الشَّرَابُ كَأَنَّهُ لَمْ يُمَسَّ أَوْ لَمْ يُشْرَبْ، فَقَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي بُعِثْتُ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً، وَإِلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَقَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ مَا رَأَيْتُمْ، فَأَيُّكُمْ يُبَايِعْنِي عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي وَصَاحِبِي؟» قَالَ: فَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ، قَالَ: فَقُمْتُ وَكُنْتُ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، قَالَ: فَقَالَ: «اجْلِسْ»، ثُمَّ قَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ أَقُومُ إِلَيْهِ فَيَقُولُ لِي: «اجْلِسْ»، حَتَّى كَانَ فِي الثَّالِثَةِ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى يَدَيَّ [مسند الإمام أحمد: ١٣٧١].
وَعن أبي إسحاق قال: قِيلَ لِقُثَمٍ: كَيْفَ وَرِثَ عَلِيٌّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَكُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُ وَاللَّهِ كَانَ أَوَّلُنَا بِهِ لُحُوقًا، وَأَشَدُّنَا بِهِ لَزُوقًا [مصنف ابن أبي شيبة: ٣٧٠٨٨، ١٩/٥٧٤، والحاكم: ٤٦٣٣].
قال القاضي إسماعيل بن إسحاق: وَذُكِرَ لَهُ قَوْلُ "قُثَمَ" هَذَا، فَقَالَ: إِنَّمَا يَرِثُ الْوَارِثُ بِالنَّسَبِ أَوْ بِالْوَلَاءِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ ابْنَ الْعَمِّ لَا يَرِثُ مَعَ الْعَمِّ، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا الِإِجْمَاعِ أَنَّ عَلِيًّا وَرِثَ الْعِلْمَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَهُمْ، وَبِصِحَّةِ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي. [مستدرك الحاكم: ٤٦٣٤].
وقد أيد الحافظ ابن عساكر معنى ما قاله القاضي إسماعيل بقوله: "المراد بالميراث ها هنا العلم، بدليل أن العباس أقربُ منه قرابة، غير أن علياً كان ألزمَ للنبي صلى الله عليه وسلم، وأقدم له صحابة " [تاريخ دمشق: ٤٢/ ٣٩٣].
ووجه الاستدلال بالأحاديث السابقة أن وراثة النبي صلى الله عليه وسلم المقصودة ليست وراثة المال، كما قال القاضي إسماعيل، والحافظ ابن عساكر، والدليل أيضًا على أن الوراثة ليست وراثة المال، هو ما حدث بين الصديق، رضي الله عنه، والبضعة النبوية الشريفة، حيث استدل الصديق، رضي الله عنه، بقول النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» [البخاري: ٣٠٩٢، ومسلم: ١٧٥٧].
فالوراثة المقصودة هي التي وردت في حديث أبي الدرداء، رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال: «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» [أبو داود: ٣٦٤١، وابن ماجه: ٢٢٣، واللفظ له].
يتجلى هذا المعنى في وصف سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم لأصحابه كما جاء في حق الصديق، رضي الله عنه، وهو أحد العشرة، قال فيه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُون لِي صَاحِبِي؟ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُون لِي صَاحِبِي؟، إِنِّي قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا، فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ». [البخاري: ٤٦٤٠].
وكانت مشكلة المشركين مع " لا إله إلا الله "، أما مشكلة المنافقين فمع "محمد رسول الله ".
وبهذه الوراثة يتضح أن حب الإمام عليِّ كرم الله وجهه من الإيمان؛ فقد قال علي، رضي الله عنه : عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «أَنَّهُ لَا يُحِبُّكَ إِلا مُؤْمِنٌ، وَلا يُبْغِضُكَ إِلا مُنَافِقٌ» [مسند الإمام أحمد: ٧٣١].
وفى حق أحد العشرة أيضًا؛ وهو عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، قال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: «دَعُوا لِي أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنْفَقْتُمْ مِثْلَ أُحُدٍ - أَوْ مِثْلَ الْجِبَالِ - ذَهَبًا، مَا بَلَغْتُمْ أَعْمَالَهُمْ»[مسند الإمام أحمد: ١٣٨١٢].
الوارث المحمدي هو من انطبع فيه خُلُق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهديه، يرشد بالحال والنظرة التي تفتح القلوب، وتُحدِث التهيأ للطاعة والبعد عن المعصية، كما كانت نظرة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو سرٌّ لا يُوصل إليه إلا لمن أراد الله أن يوصله، إنها وراثة العلم النبوي التي ورثها الأصفياء، وعلى رأسهم الإمام علي، كرم الله وجهه، حيث كانت محبته فرقاناً بين الإيمان والنفاق.
نجد في حكم الإمام الرفاعي ميزانًا دقيقًا يجمع بين انضباط العقل وتطلع الروح
متى تجلّى الحقُّ على قلب السالك بالجلالِ سكنت فيه الهيبة، ومتى تجلّى بالجمالِ
تُعد محبة النبي ﷺ الروحَ السارية في جسد الإيمان، والقبلة التي تتجه إليها قلوب السالكين
في دروب تزكية النفوس، وبناء الشخصية المسلمة السوية، تبرز أقوال أئمة الهدى كمعالم طريق تضيء للسالكين دروبهم
عد مقام الرجاء من المقامات الروحية الأساسية في التصوف الإسلامي
من معالم السير إلى الله تعالى -كما قررها أهل التحقيق- أن تكون بالجمع بين تعظيم كتاب الله، ولزوم سنة رسوله ﷺ، وتزكية الباطن مع إحكام الظاه