وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
قَالَ سَيِّدُنَا الإمام الرفاعي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: خَفِ اللَّهَ، خَفِ اللَّهَ: «رَأْسُ الحِكْمَةِ مَخَافَةُ اللَّهِ»، «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَإِنَّهَا جمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ» [الطبراني في الصغير: ٩٤٩].
هذه نصيحتي لك: أَي أَخِي أَخَذَتْنِي سَكْرَةُ التَّعْلِيمِ إِلَّا أَنِّي جَرَّبْتُ الزَّمَانَ وَأَهْلَهُ، وَعَارَكْتُ النَّفْسَ، وخَدَمْتُ الشَّرْعَ، وَانْتَفَعْتُ بِصُحْبَةِ أَهْلِ الصَّفَا، فَاقْبَلْ نَصِيْحَتِي؛ فَإِنَّهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ نَشَأَتْ بِإِخْلاصٍ عَنْ حُبِّ لَكَ. رُبَّ حَامِلِ فِقْهِ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ؛ أَيْ عَبْدَ السَّمِيعِ اعْمَلْ بِنَصِيْحَتِي وَلَا تَرَنِي رَجُلًا.
إِنْ قَالَ لَكَ قَائِلٌ: إِنَّ فِي مَمْلَكَةِ الرَّحْمَنِ مَخْلُوْقًا هُوَ أَضْعَفُ مِنْ هَذَا اللاش أُحَيمِد فَلَا تصدِّقْه؛ بَلْ أَقُولُ: يَسَّرَ اللهُ عَلَيَّ وعَلَيْكَ الطَّرِيقَ، وَجَعَلَنَا وَإِيَّاكَ وَالمُسْلِمِينَ مِنَ المُصْطَفِيْنَ الأَخْيَارِ والمُخْلِصِينَ الأَبْرَارِ، أَحْبَابِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِیࣰّا﴾ [النساء: ٤٥]، والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
ثم نبه سيدنا - رضي الله عنه - على خوف الله تعالى، ونبه على التقوى، وختم نصيحته المباركة بقوله لخليفته الشيخ عبد السميع الهاشمي - رضي الله عنهما: أَي أَخِي أَخَذَتْنِي سَكْرَةُ التَّعْلِيمِ، يريد أنَّ العلم له سكرة تأخذ الرجل من التواضع إلى التفاخر، وكان ذلك منه تواضعًا وانقيادًا للحق، وأيد ذلك المقصد بقوله: فاقبل نصيحتي؛ فإنها إن شاء الله نشأت بإخلاصٍ عن حب لك، وتلا قول النَّبِيِّ - ﷺ: «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» [مسند الإمام أحمد: ١٦٧٣٨].
وقال: اعمل بنصيحتي، ولا ترني رجلًا، انخلاعًا وتجردًا من النفس والأنانية، واعترافًا بأنه أضعف خلق الله، الذين هم في مملكة الله، إرشادًا للسالكين، وتنبيهًا للغافلين، وانقهارًا تحت سطوة العبودية، ووقوفًا عند حد المخلوقية، وتمسكًا بآثار النبي - صلى الله عليه وسلم.
فرضي الله عن هذا السيد الكبير، والعلم الشهير، وعن أسلافه الطاهرين، وأخلافه المكرمين، وعن ساداتنا أولياء الله أجمعين، ﴿وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلۡمُرۡسَلِینَ * وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الصافات: ١٨١-١٨٢].
هذا وإني رأيت في ذيل نسخة الحكم الشريفة التي ظفرت بها قصيدة جليلةً للإمام شيخ الإسلام، علامة الأنام، مولانا السيد الشيخ سراج الدين المخزومي الرفاعي - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ - يمدح بها سيدنا - رضي الله عنه - أعز الله مقداره ورفع في الدارين مناره فتشرفت بتخميسها، إتمامًا للخدمة المبرورة، وطمعًا بهمته العلية المأثورة، وناهيك به بفضل الله من يزري بأجنحة الطواويس، من به واهب الكرم تكميلًا لشرف وليه الإمام أبي العلمين المعظم المحترم، وها هو:
يَا سَيِّدًا لاذَتْ بِهِ السَّاداتُ وَتَزَيَّنَتْ بِمَدِيحِهِ الأَوْقاتُ
لَمَّا انتَهَتْ لِطَرِيقِكَ النَّفَحاتُ طَابَتْ بِحَضْرَةِ ذِكْرِكَ الوَثَباتُ
وبها لحزبكَ صولةٌ وثباتُ
نِبراسُ رُشدِكَ ظلمةَ الدَّعوى جَلا وشرابُ صِدقِكَ كاسُهُ معنًى حلا
شاعَتْ مآثِرُكَ الجليلَةُ في المَلا وظِلالُ بابِكَ يا رِفاعِيُّ العُلا
سُوحٌ بهِ تتنَزَّلُ البركاتُ
صَحَّ المديحُ بذكِرِ خُلقِكَ والثَّنا وبهِ توسَّلَ أهلُ حُبِّكَ للمُنَى
لكَ هِمَّةٌ يُجْلَى بها كلُّ العَنا ولكَ اليدُ البيضا التي كَشَفَتْ لنا
سترًا لديهِ تُسْكَبُ العَبَراتُ
أضحى هُداكَ مِنَ الغِوايَةِ مَخْرجًا وحماكَ مِنْ كدرِ النَّوازِلِ مُلْتَجا
أطلعتَ صبحًا لِلطَّريقَةِ أبلجًا وأخذتَ مِنْ لُبِّ الشَّريعَةِ منهجًا
قَصُرَتْ لعمرُكَ بعدَهُ الخطواتُ
أصبحتَ بحرًا لا يُرَدُّ نوالُهُ بل طودُ مجدٍ لا يُطالُ مَطالُهُ
أحرزتَ خُلقًا عَزَّ قدرًا حالُهُ أرضَيْتَ فيهِ اللهَ جلَّ جَلالُهُ
ونصرتَ ما جاءتْ بهِ الآياتُ
أعطيتَ عهدَ الفضلِ مِنْ أعلى يدٍ بحديثِ معجزةٍ صحيحٍ مُسْنَدِ
وأتيتَ منتصرًا لِسُنَّةِ أحمدٍ ومضيتَ مقتفيًا لأثرِ مُحَمَّدِ
طوعًا لكَ الحركاتُ والسَّكناتُ
أتقنتَ خدمتَهُ بِحُسْنِ نِيَابَةٍ قامَتْ بِصِدْقِ عزيمَةٍ وإنابَةٍ
ورفعتَ رايتَهُ بخيرِ عصابَةٍ فنظرتَ منه بنظرةٍ جذَّابَةٍ
خُرِقَتْ بها لك في الملا العاداتُ
سحَّتْ عليكَ بفيضِ وابلِ بِرِّها فجرى ببحرِ العالمينَ وبَرِّها
وغدوتَ منفردًا خزانةَ دُرِّها وسرى بمُتَّبِعِيكَ نافذُ سِرِّها
تركتْهُ في أحيائِها الأمواتُ
أُكْرِمْتَ من طَهَ بكفِّ جَنابِهِ بينَ القُفُولِ مُذِ التَجَأْتَ لبابِهِ
فَلَثَمْتَهُ وعُرِفْتَ في أحبابِهِ نورٌ أرادَ الحقُّ أن تُحْبَى بِهِ
رغمًا لمن فتكَتْ بهِ الظُّلماتُ
أضمرتَ في قلبِ الكمالِ دقيقةً نقشَتْ على لوحِ الغيوبِ رقيقةً
ومُذِ اتَّصَلْتَ إلى الإِلهِ حقيقةً أوضحتَ يا شيخَ الوجودِ طريقةً
سُدَّتْ بغيرِ سُلوكِها الطُّرُقاتُ
قامَتْ على النَّهجِ القَويمِ سويَّةً أوردتَها عن أهلِها مرويَّةً
وبها طويتَ شعائِرًا نبويَّةً ونشرتَ فيها رايَةً علويَّةً
خضعَتْ لرفعةِ قدرِها الهاماتُ
أودعتَ قدمًا نفحةً قدسيَّةً وأعطيت من فيضِ الكريمِ عطيَّةً
ولبستَ جهرًا خلعَةً سبطيَّةً وجعلتَ متنَ الانكسارِ مطيَّةً
جزمَتْ بخلقِ ما لديه هَناتُ
أحرزتَ بينَ القومِ أعظمَ نعمةٍ مِنْ خيرِ مبعوثٍ لأكرمِ أُمَّةٍ
وغدوتَ مندوبًا لكلِّ مهمَّةٍ وسبَقْتَ كلَّ العارفينَ بهِمَّةٍ
فُتِحَتْ لوافِدِ عزمِها الحضراتُ
جاوزتَ هامَ النيرينِ برفعةٍ طارتْ بمسكنِهِ وساكبِ دمعِهِ
وبرَزْتَ منتصرًا لأشرفِ شِرعةٍ وأكلتَ مائدَةَ القَبُولِ بخشعَةٍ
ولكم أجاعَتْ غيرَكَ الشَّطَحاتُ
للهِ كم لكَ مِنْ ضيا سِرٍّ سرى في الكونِ حتَّى خافَهُ أسدُ الشَّرىٰ
إليك النص المستخرج من الصورة الثالثة مع كامل التشكيل والتنسيق كما ورد:
يَا قَائِدَ الحِزْبَيْنِ يا عَالِي الذُّرَى يا صَاحِبَ العَلَمَيْنِ يا غوثَ الورى
طِبْ إِنَّ رَمْسَكَ عَمَّهُ الرَّحَماتُ
أَعرضتَ خَلْقًا عن عسىٰ وإلىٰ متىٰ وقطعتَ بالإخلاصِ صيفَكَ والشِّتا
فشربتَ كأسًا عزَّ أن يرهُ فتى هذا جزاءُ الصَّابِرينَ كما أتى
والقومُ يا ابنَ المصطفىٰ درجاتُ
لكَ دولةٌ قامَتْ بشأنٍ أوحدِ ومكانةٌ عَظُمَتْ بطرزٍ أمجدِ
يا خيرَ منسوبٍ لآلِ محمَّدٍ أتقنتَ نهجَ الاتِّباعِ لأحمدِ
في المشربينِ وما عراكَ شتاتُ
سُدْتَ الرِّجالَ بمظهرٍ عنه الجُمَل قَصُرَتْ رقايتُهُ وطالعُكَ اكتمل
وجمعتَ بينَ العلمِ حقًا والعمل ولنا الأدلَّةُ في ثناكَ طباعُكَ الـ
حسناءُ والأحوالُ والكلماتُ
لكَ بانكسارِكَ للعواجِزِ نهضةٌ زمر الخطوبِ بباسِها منقضَّةٌ
لكَ ساحةٌ هي للتَدَلِّي روضةٌ ولأنتَ معجزةٌ لجدِّكَ محضةٌ
وضَّاحةٌ ما شابها الشُّبهاتُ
أصلتَ سيفًا في العادي باترًا ورفعتَ رُكنًا للأحبَّةِ عامرًا
مُذْ نلتَ سرًّا للقيامةِ سائرًا ثَبَتَتْ مناقبُكَ الرِّجاحُ تواتُرًا
لزماننا وبنفيها الإثباتُ
نعم الكراماتُ التي علتِ السُّها مجدًا وكلَّلَ برد رونقها البها
هي مثلما نطقَ الوجودُ بفضلها خرسٌ بها أهلُ الجحودِ لأنَّها
فوقَ البداهةِ عندها مرقاةُ
برهان فضلكَ بالدَّلائلِ قد ثَبَت وعريقُ أصلكَ في السِّيادةِ قد نَبَت
وعزيزُ نفسِكَ يا ابن أفضلِ مَنْ قَنَت ذلَّتْ لسطوتِكَ الأسودُ وما رأت
أَنْ تحميها مِنْ بأسِكَ الغاباتُ
لَمَّا لبستَ من العنايةِ حُلَّةً داويتَ من أتباع رشدك علَّةً
والأسد حين أتتك تطلب خلَّةً ربضتْ على أعتابِ عزِّكَ ذلةً
وكذلك الأغمارُ والحياتُ
فجميلُ مدحِكَ مجملٌ ومفصَّلُ وجليلُ قدرِكَ في الشُّيوخ مفضَّلُ
وبذكركَ الشَّرفُ الرَّفيعُ مكمَّلُ والنَّارُ تخمدُ والسِّلاحُ معطَّلُ
لمَّا بنديكَ تكثُرُ الضَّجَّاتُ
ما أمَّ ساحةَ بحرِ فضلكَ ناقصٌ إِلَّا وكمَّلَهُ عطاءٌ خالصُ
رجفتْ لبأسكَ في الرِّجال فرائصٌ اللهُ أكبرُ إِنَّها لخصائصٌ
بيدِ النَّبيِّ بها حبتكَ الذَّاتُ
هذا مقامٌ دونَهُ هامُ العُلا وشريفُ شأنٍ مسكُهُ عمَّ الملا
طبنا به واللهِ والهمُّ انجلىٰ شكرًا لمولانا الَّذِي أهدىٰ إلىٰ
تصديقِ مَنْ تمحىٰ به الزَّلَّاتُ
طه الَّذِي شقَّ السَّماءَ ركابُهُ ورَقَىٰ إلىٰ الرَّحبِ الكريم جنابُهُ
وهمىٰ علىٰ كلِّ الورىٰ ميزابُهُ وإلىٰ طريقتك الَّتي هي بابُهُ
وعليه عطَّرَ قبرَهُ الصَّلواتُ
وأجلُّ تسليماتِ خلَّاقِ الملا تهمي علىٰ مثواه ما الفجرُ انجلىٰ
وتحيَّةٌ عظمىٰ يضيقُ لها الفلا والآلِ والأصحابِ والقومِ الأولىٰ
وعليك ما هبَّتْ بنا النَّسماتُ
يرتكز منهج الإمام الرفاعي على (فقه الافتقار)؛ حيث يغيب العبد عن رؤية نفسه ليشهد الحق وحده، سر نهضته الروحية يكمن في الانكسار والتواضع، معتبراً نفسه أضعف خلق الله فرارًا من كبر العلم وسكرة الظهور، هو طريقٌ يزاوج بين حقيقة التوحيد وضوابط الشريعة، ليكون الفقر الاختياري عين الغنى بالله والتمسك بسنة نبيه.
إحسان الظن بالخلق وتزكية النفس منهج الرفاعي.
حكمة الأئمة تُنير القلوب وتُقوّم المروءة والاستقامة.
الذكر يُصفي الباطن ويُجمل التعامل مع الخلق.