تخوض الدولة المصرية معركةَ وعيٍ حاسمةً ضد "تسييس العمل الإنساني"، وشراء جماعة الإخوان الإرهابية لولاءات البسطاء؛ وفي هذا المقال نُفكك أساليب هذا الاستغلال التنظيمي، وكيف واجهته الدولة بحسمٍ قانوني، وتوعيةٍ أزهرية رصينة تحفظ كرامة المواطن.
تخوض الدولة المصرية معركةَ وعيٍ حاسمةً ضد "تسييس العمل الإنساني"، وشراء جماعة الإخوان الإرهابية لولاءات البسطاء؛ وفي هذا المقال نُفكك أساليب هذا الاستغلال التنظيمي، وكيف واجهته الدولة بحسمٍ قانوني، وتوعيةٍ أزهرية رصينة تحفظ كرامة المواطن.
يقوم المفهوم العلمي للعمل المدني على تقديم العون دون تمييز أو مآربَ سلطوية، وفي المنهج الأزهري الرصين، يُعد العمل الخيري عبادة تُشترط فيها "النوايا الخالصة" والبعد التام عن المَنّ والأذى الفكري، أو استعباد المحتاجين، لقد أكد علماء الأزهر الشريف عبر منابرهم أن ربط المساعدة بموقف سياسي أو فكري هو هدم لمقاصد الشريعة التي جاءت لحفظ كرامة الإنسان.
قال الله تعالى مبينًا شرط قبول الصدقة ونقاء مقصدها: ﴿قَوۡلࣱ مَّعۡرُوفࣱ وَمَغۡفِرَةٌ خَیۡرࣱ مِّن صَدَقَةࣲ یَتۡبَعُهَاۤ أَذࣰىۗ وَٱللَّهُ غَنِیٌّ حَلِیمࣱ﴾ [البقرة: ٢٦٣].
وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [صحيح البخاري (١)].
لذا، فإن توجيه النية في العطاء لغير وجه الله، كاستغلالها لبناء قاعدة تنظيمية، يُبطل الأجر، ويحيل العبادة إلى تجارة سياسية محرَّمة.
اتبع تنظيم الإخوان الإرهابي آلياتٍ مدروسةً تندرج سياسيًا تحت مفهوم "الزبائنية السياسية" (Political Clientelism)، ووفقًا لـ المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية (ECSS)، فإن الجماعة اعتمدت على اختراق القرى والنجوع عبر "قواعد بيانات" للفقراء، لم تكن تستهدف تنميتهم، بل عزلهم شعوريًّا عن الدولة، وإقناعهم بأن التنظيم هو البديل والراعي الوحيد لهم، تمهيدًا لتجنيد شباب هذه الأسر في أنشطة التنظيم السرية والعلنية.
هذا الأسلوب القائم على الخداع والتستر بالدين واجهته دار الإفتاء المصرية ببيانات حاسمة، مؤكدة أن استخدام أموال الزكاة والصدقات لتمويل جماعات العنف، أو لشراء الأصوات الانتخابية هو عين الفساد، وخيانة للأمانة [المركز الإعلامي بدار الإفتاء المصرية ٢٨-٩-٢٠٢٠م].
يقول الله تعالى في فضح هذا الصنيع المخادع: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَیُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِی قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِی ٱلۡأَرۡضِ لِیُفۡسِدَ فِیهَا وَیُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٤-٢٠٥].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [صحيح مسلم (١٠١)].
تسببت هذه الممارساتُ العقودَ الماضية في تشويه الوعي المجتمعي؛ حيث رسَّخت مفهوم "الولاء للتنظيم قبل الولاء للوطن"، وحاولت ضرب "المواطنة" في مقتل؛ لخلق مجتمع موازٍ مشحون بالعدائية ضد مؤسسات الدولة، ونشرت جريدة الوطن المصرية في تحقيقاتها الموسعة حول تجفيف منابع الإرهاب، كيف استغلت الجماعة لافتات العمل الخيري لتمرير الفكر القطبي التكفيري إلى عقول الشباب، تحت عنوان "تاريخ الإخوان الأسود.. الولاء للتنظيم قبل الانتماء للوطن عقيدة الجماعة، الجمعة ١٥ مايو ٢٠٢٦"، حيث بين هذا المقال أن جماعة الإخوان الارهابية لا تتعامل مع الدولة الوطنية بوصفها إطارًا نهائيًا للانتماء، بل تضع الانتماء للتنظيم والعقيدة في مرتبةٍ أعلى من الانتماء للوطن.
وفي مقال لصوت الأمة بعنوان "الإخوان "مؤامرة أسقطتها ٣٠ يونيو".. اللواء فؤاد علام: عداؤهم للدولة تاريخي، والاستقرار يفسد عليهم بزنس الخيانة" يؤكد سيادة اللواء فؤاد علام لـ "صوت الأمة": أن الأزمة الحقيقية بين الإخوان والدولة المصرية لم تكن خلافًا سياسيًّا مؤقتًا، وإنما تعود إلى طبيعة الفكر الذي قامت عليه الجماعة منذ تأسيسها، مشيرًا إلى أن مفهوم الوطن ظل يمثل إحدى نقاط الخلاف الجوهرية بين التنظيم والدولة الوطنية.
ويقول: إن الجماعة نظرت إلى التنظيم باعتباره الأصل، بينما تعاملت مع الوطن باعتباره وسيلة لا غاية، وهو ما انعكس بوضوح في أدبيات عدد من رموزها عبر العقود، ويستشهد في ذلك بعدد من التصريحات والمقولات التي صدرت عن قيادات بارزة داخل الجماعة، والتي أثارت جدلًا واسعًا بشأن مفهوم الانتماء الوطني، والولاء للدولة.
ومن هذا المنطلق، يرى علام أن الهجوم المستمر الذي تشُنه الجماعة على الدولة المصرية بعد سقوطها من الحكم ليس أمرًا مفاجئًا، بل يعكس استمرار الصدام بين مشروع التنظيم ومفهوم الدولة الوطنية المستقرة".
إن المواطنة والانتماء للأمة والدولة هما أصل استقرار المجتمعات في الإسلام، وشقّ هذا الصف يُعد جُرمًا كبيرًا.
قال الله تعالى محذرًا من التفرق والتحزب الهدام: ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِینَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخۡتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَهُمُ ٱلۡبَیِّنَٰتُۚ وَأُو۟لَٰۤئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِیمࣱ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
لم تقف الدولة المصرية موقف المتفرج؛ بل واجهت هذا الخطر بحسم، عبر استراتيجية قانونية ومؤسسية شاملة، وبحسب بيانات وزارة التضامن الاجتماعي المصرية والتقارير الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات، تم تفعيل القانون رقم ١٤٩ لسنة ٢٠١٩ لتنظيم العمل الأهلي، والذي وضع ضوابطَ صارمةً للشفافية المالية، وحظر ممارسة أي أنشطة سياسية أو حزبية داخلَ الجمعيات الأهلية، مع حل الكيانات التي ثبت تورطها في دعم الإرهاب بحكم القضاء [الهيئة العامة للاستعلامات، دراسات في حقوق الانسان، قانون الجمعيات الأهلية الجديد رقم (١٤٩) لسنة ٢٠١٩].
شرعيًا، يتطابق هذا الموقف مع المنهج الأزهري في إقرار حق ولي الأمر (الدولة) في تقييد المباحات، وتنظيم المعاملات؛ بناءً على "المصالح المرسلة"، وسدًّا لذريعة الإرهاب، وحفظًا لأمن العباد.
قال الله تعالى آمرًا بطاعة النظام العام وبناء الدولة: ﴿وَأَطِیعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِی ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: ٥٩]، وعن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ» [البخاري (٧١٤٤)].
يقول الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري في الرد على من يعادي مؤسسات الدولة العصرية، ويدعو إلى إسقاطها :"إن واجبَ حماية مؤسساتِ الدولة الوطنية مستفادٌ من النصوص الكلِّية في الشريعة، التي توجِب الاحترامَ والنظامَ وحرمةَ إراقة الدماء، فالجيشُ والشرطةُ والقضاءُ هي دِرعُ الوطن وأمنُه، ومهاجمتها بزعم الجهاد هو من أكبرِ الكبائرِ والموبِقات، وما أذِن الله - تعالى - فيه إلا إذا تحولت هذه المؤسساتُ إلى ظلم صارخٍ لا رادعَ له، وحينَها يكون التغيير بالسياسة لا بالسلاح، وبالحوار لا بالتفجير" [محاضرة مسجلة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ٢٠٢١م].
لقد امتدت رؤية الدولة إلى مرحلة البناء الفعّال؛ حيث أطلق رئيسُ الجمهورية "التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي"، بالتكامل مع المبادرة الرئاسية الأكبر "حياة كريمة"، نجحت هذه المبادراتُ في مؤسسة العمل الخيري، وضمان وصول الدعم بكرامة تامَّةٍ للمواطن دون ابتزاز فكري، وفي هذا الإطار، يبرُز الدور الحيوي لـ "بيت الزكاة والصدقات المصري" تحت إشراف فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، كنموذج للمؤسسة الوطنية الموثوقة التي تجمع الصدقات، وتوزعها بوعيٍ شرعي وتنموي منضبط.
ونشرت صحيفة اليوم السابع تقاريرَ موسعةً تؤكد كيف أسهمت هذه الكيانات الوطنية الشفافة في سحب البساط تمامًا من تحت أقدام الجمعيات المشبوهة، وإعادة بناء ثقة المواطن في دولته ومؤسساتها الرسمية، تقدِّم مبادرات التحالف الوطني للعمل الأهلي خدماتها لتشمل الدعم النقدي، والدعم الغذائي، والإمداد بالمستلزمات الدراسية، وتطرح عددًا كبيرًا من المبادرات، منها: (ازرع، كتف بكتف، ستر وعافية)، مما يقدم الدعم للفئات الأولى بالرعاية، ويُسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة في جميع المجالات، بما يتماشى مع تحقيق "رؤية مصر ٢٠٣٠" [اليوم السابع، إنجازات التحالف الوطني للعمل الأهلي في دعم الموطن المصري، الجمعة، ٢٧ ديسمبر ٢٠٢٤].
لذلك يقول الله تعالى حثًا على هذا التكامل الوطني الشريف للاصطفاف خلف كلِّ نافع، والتعاون مع كل مثمر: ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِیدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢].
إن التجربة المصرية في تطهير العمل المدني تقدم للعالم دروسًا مستفادة بالغة الأهمية:
يقول النبي ﷺ مرسِّخًا قيمة الوعي، والمسؤولية الجماعية لحماية الأوطان: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [البخاري (٧١٣٨)، مسلم (١٨٢٩)].
ختامًا، قطعَت مصرُ دابِرَ "بزنس الخيانة" بمؤسسة العمل الأهلي عبرَ "التحالف الوطني"، وحوكمة التمويل؛ لتؤكد التجرِبة أن الوعي الفكري الوسطي وتحصين الأسرة للنشء ضد التلاعب النفسي هما خطُّ الدفاع الأول لصَون أمن الدولة الوطنية واستقرارها.
جرائم التنظيم الخاص لجماعة الإخوان المسلمين، وهو جناح سري مسلح للجماعة
في تاريخ الدول هناك لحظات فارقة تعيد تشكيل المسار وتحديد ملامح المستقبل
الوعي هو سياج الشعوب للنجاة، وتصحيح المسار، ومواجهة الغفلة لبناء المستقبل.
الجماعات المتطرفة غالبًا ما تتخذ موقفًا سلبيًا أو عدائيًا من حب الوطن والانتماء الوطني
كيف يمكن أن يتحول مفهوم ديني تاريخي إلى رؤية تصادمية تهدد استقرار المجتمعات؟