وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
منذ بدأتُ طلبَ العلم، شغلني كثيرًا منهجُ التفكير، وكنا نلتمس هذا المنهج؛ لأنه مفتاح العلوم وكنوزها، ولأنه هو الذي يحدد ملامح الفكر المستقيم، وبعد بحثٍ امتد سنين، ظهر لنا أن المنهج الأزهري في فهم الدين، بل في فهم الدنيا أيضًا، هو المنهج الأعدل والأكثر إنصافًا.
وفي مقابل هذا المنهج الأزهري، الذي سنفصله تفصيلًا -إن شاء الله تعالى-، عُرض علينا منهج آخر لم نرتضه لا في فهم الدين ولا في فهم الدنيا؛ إذ وجدناه منهجًا سطحيًا لا عمق فيه، وجزئيًا لا شمول له، وقد رأينا بعض ملامحه في كتاب للشيخ سليمان بن سحمان عنوانه (أحسن البضاعة في كون الساعة ليست بسحر بل صناعة)، طُبع في مطبعة المنار بمصر، رد فيه على رجل يُسمى ابن الريس قال بحرمة الساعات، باعتبار أنها من باب السحر.
وليست المسألة في ذاتها هي التي تستوقفنا، وإنما الذي يعنينا هو المنهج الذي اتُّخذ في الرد؛ إذ يقول: "إن من أدلة كون الساعة ليست بسحر أن الرازي قد نص في كتبه على أنها من باب الصناعة"، وهنا يثور السؤال: هل لو لم ينص الرازي على ذلك في كتبه، أو لم نقف نحن على هذا النص، لكان القول الآخر هو المنتصر، ولأصبح الناس مطالبين بأن يقتنعوا بأن الساعة سحر؟ لقد رفضنا هذا المسلك؛ لأنه لا يقف عند هذه الجزئية وحدها، بل يتصل بفهم الشريعة برمتها في سائر أحكامها، فيفضي إلى دين لا نعرفه، وليس هو الذي أُنزل على سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا هو الإسلام الذي خاطب الله به العالمين، وإنما هو صورة متخيلة أو فهم خاص يريد صاحبه أن يفرضه على الناس جميعًا، فيكون بذلك سببًا في تشويه صورة الدين، وحائلًا بين الخلق والخالق، فيصد عن سبيل الله بغير علم، وهذا هو مكمن الخطر.
ومع تأكيدنا احترام كل من اشتغل بالعلم الشرعي الشريف، أصاب المنهج الصحيح أو أخطأه، فليس مقصودنا من ذكر هذه الحقائق إلا بيان ما نراه حقًا، ورحم الله من سبقنا إليه.
لقد رأينا هذا المنهج يفضي بأدواته إلى إنكار دوران الأرض، والقول بثباتها ودوران الشمس حولها، ولما سألنا أصحاب هذا الاتجاه: هل الأرض كرة؟
جاءت الإجابة: نعم، بلا شك؛ لأن ابن تيمية - رحمه الله - قد نص في الرسالة العرشية على الإجماع أنها كرة، وهنا يعود السؤال نفسه: لو لم ينص ابن تيمية على ذلك، فبأي قول كان يؤخذ؟ أبتأكيد ابن حزم على كرويتها في كتابه (الفصل)، أم بتأكيد القرطبي على عدم كرويتها في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿مَّاۤ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّینَ عَضُدࣰا﴾ [الكهف: ٥١]؟ ثم يبلغ الأمر أن يؤلف محمد اليحيى كتابًا بعنوان (كتاب النور في كون الأرض ثابتة والشمس حولها تدور).
ثم انتقل هذا المنهج إلى تكذيب وصول الإنسان إلى القمر، فألف الشيخ حمود التويجري كتابين كبيرين: الأول بعنوان (الصواعق الشديدة على أهل الهيئة الجديدة) المطبوع سنة ١٣٨٨هـ الموافق ١٩٦٨م، والثاني بعنوان (ذيل الصواعق لمحو الأباطيل والمخارق) المطبوع سنة ١٣٩٠هـ الموافق ١٩٧٠م، وهو يقصد بأهل الهيئة أهل علم الفلك، فحرّم هذا العلم، ووصف أهله بالزندقة، وحرّم معه علم الجيوديسيا وعلم الجيولوجيا، وقد قدّم لهذا الكتاب الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، وارتضى ما فيه، وهذا الكتاب في حقيقته نصرة للشيخ عبد العزيز بن باز، الذي ألّف كتابًا في سكون الأرض وجريان الشمس حولها، وسماه (الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب).
وهكذا أصبحنا أمام خطر فعلي في فهم النص الشرعي الشريف؛ إذ لم يذهبوا إلى هذا على سبيل الرأي الذي يحتمل الأخذ والرد، وإنما بنوه على ظاهر فهمهم لقوله تعالى: ﴿وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِی لِمُسۡتَقَرࣲّ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِیرُ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡعَلِیمِ﴾ [يس: ٣٨].
وكذلك حرّموا الصور الفوتوغرافية في رسائل لا تكاد تُحصى، حتى عدّوا الخروج في التليفزيون نوعًا من الفسق والمروق، وقالوا بمثل ذلك في الأكل بالملاعق ونحوها من غير ضرر بالأيدي، وفي الجلوس للطعام على الكراسي، وفي ترتيب الأواني على المائدة بالطريقة الإفرنجية، [انظر: حمود التويجري، الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين، ١٣٨٤هـ، ص ١٥٦]، كما حرّموا كذلك التصفيق [انظر: نفس المصدر، ص ١٨٠]، ولبس الساعات في الأيدي [انظر: نفس المصدر، ص ٢٣٥]، إلى غير ذلك من أمور كثيرة.
ومن هنا وجب أن تكون لنا وقفة مع هذا المنهج؛ لأنه هو الذي يقود إلى هذا الفهم، وقد أفضى بالفعل إلى تشويه صورة الإسلام في العالمين، وتشويه صورة المسلمين في كل مكان.
فإذا يممنا وجوهنا قِبل الأزهر، وجدنا الشيخ محمد بخيت المطيعي، مفتي الديار المصرية من سنة ١٩١٥ إلى سنة ١٩٢٠، يؤلف كتابًا بعنوان (توفيق الرحمن للتوفيق بين ما قاله علماء الهيئة وبين ما جاء في الأحاديث الصحيحة وآيات القرآن)، فيقيم بذلك التوافق بين العقل والنقل والحس والواقع، ووجدناه كذلك يؤلف كتاب (الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي)، وكتاب (أحكام قراءة الفونوغراف).
وهنا يظهر الفرق الجلي بين المنهج الأزهري، القائم على علوم شتى متراكبة من اللغة، والأصول، والفقه، وغيرها، لفهم الكتاب والسنة، وإدراك مقاصد الشريعة، ورعاية مصالح الناس، والنظر في مآلات الأحكام، وتنزيل الشريعة على الواقع المعيش، وبين ذلك المنهج البسيط الذي يندفع في كل اتجاه بحسب ما يتبادر إلى ذهن صاحبه أول وهلة عند قراءة آية بلا تدبر، أو الاطلاع على حديث دون تأمل، مع افتخار هذا التيار بعزلته عن الواقع وتمسكه بأفهامه، مهما ترتب على ذلك من ضرر.
ولذلك اخترنا المنهج الأزهري العلمي الواضح، الذي يسعى إلى عبادة الله على بصيرة، وإلى عمارة الأكوان على علم، وإلى تزكية النفس على هدى من هدي خير العباد، وإلى الله المشتكى، وعند الله تجتمع الخصوم، فقد أردنا الصلاح لأمتنا، بينما انصرف أولئك إلى تصورٍ للصلاح ضاق عن الأمة وأضر بها، فأضروا بأنفسهم وأضروا بأمتهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
إنَّ المنهج الأزهري الرصين هو عاصم الأمة من شتات الأفهام، وبه نعيد للإسلام وجهه المشرق الذي يجمع بين سجدة المحراب ونظرة الاستكشاف في آفاق الكون، فاللهم بصّرنا بحقائق ديننا، واجعلنا ممن يعمرون الدنيا بالعلم واليقين، ويهدون الناس ببصيرة الصادقين.
تسري القيم في كل آيات القرآن الكريم
أدب الحوار يقوم على الحكمة والكلمة الطيبة والمناقشة بالأسلوب الأرقى
أدب المتعلم يمثل حجر الأساس في بناء شخصية علمية متزنة وسلوك قويم
أدبُ البحثِ والمناظرةِ علمٌ يتعلّقُ بقواعدٍ نظريةٍ وأخلاقيةٍ تضبطُ المباحثاتِ والمناظراتِ
التفكير النقدي ليس ترفًا فكريًّا؛ بل هو أَساس لقيام حضارة إنسانية راشدة