جاء في فضل صيام عاشوراء أحاديث وردت
عن حضرة النبي ﷺ: فيه: «إِنِّي أَحْتَسِبُ
عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ»، وعن أبي
هُرَيرَة رضي الله عنه قال: "مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأُنَاسٍ مِنَ
الْيَهُودِ قَدْ صَامُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا مِنَ
الصَّوْمِ؟» قَالُوا: "هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللهُ مُوسَى
وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْغَرَقِ، وَغَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ"، فَقَالَ
النَّبِيُّ ﷺ: «أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى، وَأَحَقُّ بِصَوْمِ هَذَا
الْيَوْمِ»، فَصَامَهُ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالصَّوْمِ" [أحمد: المسند، ٨٧١٧]، ويتجلَّى فضل يوم عاشوراء في فائدتين عظيمين يمسّان الجمال الروحي
للإنسان:
وهو ما احتسبه النبي ﷺ على الله تعالى في حديثه الشريف: «وصِيامُ
يومِ عاشُوراءَ، إِنِّي أحْتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السنَةَ التِي قَبْلَهُ»
[مسلم، الصحيح رقم ١١٦٢]، والمقصود صغائر الذنوب التي تقع في حق الله تعالى.
وقد أثار أئمة الشروح نقاشًا علميًا عميقًا حول كيفية تكفير الذنوب
المستقبليّة والمشروطة؛ لا سيما عند مقارنة فضل عاشوراء بفضل يوم عرفة الذي يكفر
سنتين (ماضية وآتية)، حيث يوضح الإمام المباركفوري هذا المعنى بقوله: "أي:
يستر ويزيل ذنوب صائم ذلك اليوم، ذنوبه التي اكتسبها في السنة الماضية والسنة
الآتية -بالنسبة ليوم عرفة - فإن قيل: كيف يكون أن يكفر السنة التي بعده مع أنه
ليس للرجل ذنب في تلك السنة؟ قيل معناه: أن يحفظه الله تعالى من الذنوب فيها،
وقيل: أن يعطيه الله تعالى من الرحمة والثواب قدرًا يكون ككفارة السنة الماضية
والسنة القابلة، إذا جاءت واتفقت له فيها ذنوب" [المباركفوري،
تحفة الأحوذي، ٢ /٢٨٧، ملا الملا علي القاري، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح،
٧ /١٢٥].
ويؤكد الإمام: المناوي هذا التوجيه الأصولي والغيبي الفذ بقوله:
"أو يكفرها حقيقة لو وقع فيها، ويكون المُكَفِّر مقدمًا على المُكَفَّر، وذا
لا يوجد شيء مثله في شيء من العبادات" [المناوي، فيض
القدير شرح الجامع الصغير، ٤ /٣٠٣].
وهذا التحقيق الفقهي يكشف عن عظيم اللطف الإلهي، حيث يتحول الصيام من
مجرد إمساكٍ عن الطعام والشراب، إلى وقاية ربانية وحصانة إيمانية تحمي العبد من
الوقوع في الزلات مستقبلًا، أو تهيئ له رصيدًا من الرحمة يمحو أثر الخطيئة إن
وقعت.
- فتح باب التوبة وتجديد الأوبة والرجوع إلى الله تعالى:
لعاشوراء خصوصية تاريخية في قبول التوبة؛ فقد قال ﷺ: «إِنْ كُنْتَ صَائِمًا شَهْرًا بَعْدَ رَمَضَانَ فَصُمِ
الْمُحَرَّمَ؛ فَإِنَّهُ شَهْرُ اللهِ، وَفِيهِ يَوْمٌ تَابَ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ،
وَيُتَابُ فِيهِ عَلَى آخَرِينَ» [الترمذي: السنن، ٧٤١].
وقد تناول علماء شروح الحديث تركيب جملة (وَفِيهِ يَوْمٌ تَابَ...)
بالتحليل والتحقيق لمعرفة وجه صلتها بالأمر بالصيام؛ حيث يذكر الإمام الحافظ
العراقي وجهين أصوليين في توجيه النص قائلًا: "يحتمل أنه تتمة للعلة للأمر بصيامه، أي: فإنه كذا وكذا،
ويحتمل الاستئناف وأنه لا تعلُّق له بالأمر بالصوم" [المناوي،
التيسير بشرح الجامع الصغير، ١ /٧٥٨]؛ إلا أن الإمام المُنَاوي ترجّح لديه الوجه الأول الذي يربط بين فضل
الصيام وخصوصية التوبة في الزمان، وجزم به قائلًا: "هو يوم عاشوراء؛ فإنه يوم تاب الله فيه على آدم وعلى
قوم يونس، ويتوب فيه على قوم غيرهم، وهذا من الإخبار بالغيب المستقبل" فيوم عاشوراء هو يومٌ للتوبة
وتكفير الذنوب بامتياز؛ تاب الله سبحانه وتعالى فيه على قوم سابقين من الأنبياء
والأمم السالفة، ويتوب فيه سبحانه ويعفو على قوم لاحقين من أفراد هذه الأمة
المحمدية ما بقيت الدنيا [ابن رجب، لطائف المعارف، ص ٥٧،
المناوي، التيسير، ١ /٧٥٨].