مثّلت ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م منعطفًا تاريخيًّا فارقًا أعاد صياغة الهيكل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للدولة المصرية، محققةً نقلةً نوعية نقلت ملايين المصريين من غياهب التهميش إلى آفاق العزة والتمكين.
مثّلت ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م منعطفًا تاريخيًّا فارقًا أعاد صياغة الهيكل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للدولة المصرية، محققةً نقلةً نوعية نقلت ملايين المصريين من غياهب التهميش إلى آفاق العزة والتمكين.
أحدثت ثورة يوليو تغييرًا جذريًّا في بنية الريف المصري الذي كان يرزح تحت وطأة نظام شبه إقطاعي جائر؛ إذ كانت فئة ضئيلة من كبار الملاك تستأثر بملكية النسبة الأكبر من الأراضي الخصبة، بينما عاش ملايين الفلاحين أُجَراء مسحوقين ومُسَّخرين، يفتقدون أدنى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في أراضيهم، فأُصدر (قانون الإصلاح الزراعي) في ٩ سبتمبر ١٩٥٢م (القانون رقم ١٧٨ لسنة ١٩٥٢م) وبموجبه تم توزيع الأراضي المستولى عليها على صغار الفلاحين، بحيث يكون لكل منهم ملكية صغيرة لا تقل عن فدانين ولا تزيد على خمسة أفدنة، ويشترط فيمن توزع عليه الأراضي أن يكون مصريًّا حرفته الزراعة، وأن يقل ما يملكه عن خمسة أفدنة، ولا ريب أن هذا القانون هو إصلاح مهم حققته الثورة، وهو علاج اقتصادي واجتماعي لحالة كانت تشكو منها البلاد، ووسيلة تقلل الفوارق الجسيمة بين الطبقات [انظر: ثورة ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢: تاريخنا القومي في سبع سنوات ١٩٥٢ - ١٩٥٩، عبد الرحمن الرافعي: ص ٦١ - ٦٣].
ارتبطت ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م بتوسيع نطاق مجانية التعليم، وجعلها إحدى وسائل تحقيق العدالة الاجتماعية، وإتاحة الترقي لأبناء الفئات الفقيرة في المرحلة الجامعية كما هو في المرحلة قبل الجامعية، فأصبح التعليم العام كله مجانيًّا، وارتفع عدد طلابه ارتفاعًا كبيرًا، ومن ثمّ يمكن النظر إلى سياسة الثورة بوصفها امتدادًا لمسار مجانية التعليم، وتوسيعًا لدور الدولة في إتاحته للجميع، [ينظر: التربية الإسلامية: أصولها وتطورها في البلاد العربية، لمحمد مرسي منير: ١/٤٦٥–٤٦٧]، هذا التحول الديموقراطي في نشر المعرفة كسر احتكار النخبة القديمة للوظائف السيادية والإدارية في الدولة، وأتاح الحراك الاجتماعي العادل القائم على الكفاءة والجهد لا على النسب والثروة؛ ونتيجة لذلك برز جيل كامل من الأطباء والمهندسين والعلماء والأدباء الذين قادوا حركة التنمية الشاملة وبناء مؤسسات الدولة الحديثة داخليًّا وخارجيًّا.
عانت الدولة المصرية لعقود من سيطرة الرأسمالية الأجنبية والمؤسسات الدولية الاحتكارية على مفاصل اقتصادها القومي، وكانت شركة قناة السويس تمثل الرمز الأكبر لهذا الاستلاب؛ باعتبارها دولة داخل الدولة، تذهب أرباحها الطائلة للخارج، بينما يكتفي المصريون بفتات الأجور والتسخير، فاتخذت قيادة الثورة قرارات سيادية جريئة، بدأت بتأميم شركة قناة السويس في يوليو ١٩٥٦م، تلاها صدور قرارات التمصير التاريخية في يناير ١٩٥٧م والتي شملت البنوك، وشركات التأمين، والوكالات التجارية الأجنبية، وتحويل ملكيتها بالكامل إلى أيدٍ مصرية [ينظر تفصيل ذلك في: ثورة ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢: تاريخنا القومي في سبع سنوات، عبد الرحمن الرافعي، ص ٢٨٥ وما بعدها، ٢٧٤ وما بعدها]، هذا التحول الاقتصادي مكّن مصر من توجيه مواردها الذاتية لتمويل المشاريع القومية العملاقة وعلى رأسها (السد العالي)، وشق قنوات الري، وتشييد قاعدة صناعية وطنية ضخمة، مثل مجمعات الحديد والصلب بحلوان، والغزل والنسيج بالمحلة الكبرى؛ مما نقل مصر من اقتصاد ريعي تابع إلى اقتصاد صناعي إنتاجي مستقل.
عاشت مصر لأكثر من سبعين عامًا تحت ظلال الاحتلال البريطاني والتبعية السياسية التي أفقدت القرار الوطني المصري سيادته واستقلاليته، وجعلته رهنًا بالمصالح الاستعمارية، فنجحت الثورة عبر مفاوضات شاقة وضغط شعبي وسياسي محكم في فرض اتفاقية الجلاء في أكتوبر ١٩٥٤م ليتم جلاء آخر جندي بريطاني عن أرض مصر في يونيو ١٩٥٦م بعد أن قامت الثورة مسبقًا بإلغاء الملكية وإعلان النظام الجمهوري كإطار وطني خالص للحكم ، ولم يقف هذا التحرر عند الحدود الجغرافية، بل تبنت الثورة سياسة خارجية مستقلة، قامت على دعم حركات التحرر الوطني في العالم العربي وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأسست لمفهوم عدم الانحياز في أوج الحرب الباردة؛ مما جعل من مصر قطبًا إقليميًّا ودوليًّا مهاب الجانب يمتلك إرادته السياسية كاملة غير منقوصة. [انظر: ثورة ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢: تاريخنا القومي في سبع سنوات، عبد الرحمن الرافعي، ص ٩٧ وما بعدها، ص ٢٠٩ وما بعدها]
عند قراءة منجزات ومبادئ ثورة ٢٣ يوليو من المنظور الإسلامي المقاصدي الوسطي نجد توافقًا عميقًا بين هذه الإجراءات الإصلاحية وبين مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء وقيم العدالة الاجتماعية التي نادى بها الدين الحنيف؛ وتتجلى هذه الملاءمة في عدة محاور رئيسة:
كانت ثورة ٢٣ يوليو حركة تصحيحية شاملة، غيرت وجه الحياة في مصر؛ حيث تلاقت منجزاتها في العدالة والتحرر والتنمية مع جوهر المقاصد الإسلامية النبيلة، وقد صنعت الثورة واقعًا جديدًا منح المواطن كرامته، وأتاح له فرصته في الحياة؛ لتبقى هذه المبادئ منارة تلهم الأجيال نحو البناء والسيادة الوطنية المستقلة.
في فجر ٢٣ يوليو(١٩٥٢م) كان الموعد مع القدر.
كيف تحولت مصر من دولة محتلة إلى دولة تنعم بالسيادة الكاملة في ١٨ يونيو ١٩٥٦م؟
أعطت ثورة يوليو الحماية الدستورية لحق التعليم.