كيف تحولت مصر من دولة محتلة إلى دولة تنعم بالسيادة الكاملة في ١٨ يونيو ١٩٥٦م؟ وما التفاصيل المجهولة وراء اتفاقية الجلاء التي أنهت أربعة وسبعين عامًا من الاحتلال البريطاني؟
كيف تحولت مصر من دولة محتلة إلى دولة تنعم بالسيادة الكاملة في ١٨ يونيو ١٩٥٦م؟ وما التفاصيل المجهولة وراء اتفاقية الجلاء التي أنهت أربعة وسبعين عامًا من الاحتلال البريطاني؟
في ١١ يوليو ١٨٨٢م، قصفت الأساطيل البريطانية مدينة الإسكندرية، وفي ١٣ سبتمبر من العام نفسه دخلت القوات البريطانية القاهرة بعد هزيمة الجيش المصري بقيادة الزعيم أحمد عرابي - رحمه الله - في موقعة التل الكبير، بدأ بذلك احتلال دام أربعة وسبعين عامًا، جعلت بريطانيا خلاله من مصر مستعمرة خاضعة بالكامل للإدارة البريطانية، وإن كانت مصر تظل ظاهريًا تابعة للدولة العثمانية حتى عام ١٩١٤م [عبد الرحمن الرافعي، "تاريخ الحركة القومية في مصر"، دار المعارف، القاهرة، ١٩٤٨، ج ١، ص ٤٥-٥٢].
مع اندلاع الحرب العالمية الأولى في ١٩١٤م، أعلنت بريطانيا الحماية على مصر، وقطعت صلتها بالدولة العثمانية، وأخضعتها لإدارة عسكرية بريطانية مباشرة، وجرى تجنيد مئات الآلاف من المصريين في معسكرات العمل الإجباري، وصودرت المحاصيل والمواشي، وفرضت ضرائب باهظة [محمد أنيس، (مصر في الحرب العالمية الأولى)، دار الكتب المصرية، القاهرة، ١٩٦٦، ص ٧٨-٨٥].
ورغم كل هذا القهر، ظل المصريون يرفضون الاحتلال، فمن ثورة ١٩١٩م، إلى انتفاضة الطلبة والعمال في الأربعينيات، إلى حرب الفدائيين في منطقة القناة، ظل نضال المصريين متصلًا، وكان الجلاء هو الهدف الأسمى الذي لم يتخلوا عنه لحظة واحدة.
بعد ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م، وضعت قضية الجلاء على رأس أولويات النظام الجديد، ففي ٢٨ يونيو ١٩٥٣، بدأت المباحثات المصرية البريطانية حول الجلاء، لكنها تعثرت بسبب تمسك بريطانيا ببقاء قواتها في قناة السويس بحجة حماية الملاحة الدولية [جمال حمدان، "الجلاء"، دار الهلال، القاهرة، ١٩٥٦، ص ١١٢-١١٨].
في هذه الأثناء، اشتدت المقاومة الشعبية في منطقة القناة بشكل غير مسبوق، انطلق الفدائيون من أبناء الإسماعيلية والسويس وبورسعيد في عمليات فدائية استهدفت المعسكرات البريطانية، وأسفرت عن مقتل٤٥٠ جنديًا بريطانيًا؛ مما أجبر بريطانيا على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بجدية [عبد العظيم رمضان، (المقاومة الشعبية في منطقة القناة ١٩٥١-١٩٥٤)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٨٧، ص ٢٠٣-٢١٥].
وفي ٢٧ يوليو ١٩٥٤م، توصل الجانبان إلى اتفاق مبدئي بشأن المبادئ الرئيسية للجلاء، ثم في ١٥ أكتوبر ١٩٥٤م، تم التوقيع على الاتفاقية النهائية [جمال حمدان، "الجلاء"، ص ١٤٥].
في مثل هذا اليوم١٩ أكتوبر ١٩٥٤م، وقع الزعيم الراحل جمال عبد الناصر - رحمه الله بصفته رئيسًا لوزراء مصر - على اتفاقية الجلاء مع أنتوني نتنك، وزير الدولة للشئون الخارجية البريطاني، في القاهرة، كان التوقيع لحظة تاريخية فارقة؛ حيث اعترفت بريطانيًّا رسميًّا بحق مصر في السيادة الكاملة على أراضيها [عبد الرحمن الرافعي، (مذكراتي)، دار الهلال، القاهرة، ١٩٥٧، ص ٢٣٤-٢٣٨].
يقول الدكتور جمال حمدان في كتابه (الجلاء): إن توقيع الاتفاقية لم يكن مجرد إنجاز دبلوماسي، بل كان ثمرة نضال طويل شارك فيه كل المصريين: الفلاح، والعامل، والطالب، والجندي، والفدائي، كل قطرة دم أريقت على أرض القناة كانت صوتًا يطالب بالحرية [جمال حمدان، "الجلاء"، ص ١٥٦].
نصت الاتفاقية على ثلاثة عشر بندًا رئيسيًا، كان أبرزها:
١. الجلاء الكامل: خروج جميع القوات البريطانية من الأراضي المصرية خلال عشرين شهرًا من تاريخ التوقيع، على خمس مراحل، مدة كل مرحلة أربعة أشهر.
٢. إلغاء معاهدة ١٩٣٦: إنهاء معاهدة التحالف التي وقعت في لندن في ٢٦ أغسطس ١٩٣٦م، والتي كانت تمنح بريطانيا حق الاحتفاظ بقواتها في مصر.
٣. سيادة مصر على قناة السويس: إعلان أن قناة السويس هي مجرى مائي دولي، وأنها جزء لا يتجزأ من الأراضي المصرية.
٤. حرية الملاحة: التزام الطرفين باتفاقية القسطنطينية لعام ١٨٨٨م التي تكفل حرية الملاحة في القناة لجميع الدول [وثيقة اتفاقية الجلاء الموقعة في ١٩ أكتوبر ١٩٥٤م، المنشورة في الجريدة الرسمية المصرية، العدد ٤٢، ٢١ أكتوبر م١٩٥٤]، وقد خرج من مصر ثمانون ألف عسكري بريطاني كانوا متمركزين في منطقة القناة [جمال حمدان، "الجلاء"، ص ١٦٢-١٦٨].
في١٨ يونيو ١٩٥٦م، وبعد عشرين شهرًا من توقيع الاتفاقية، خرج آخر جندي بريطاني من الأراضي المصرية، في ذلك اليوم التاريخي، رفع الرئيس جمال عبد الناصر العلم المصري على مبنى البحرية في بورسعيد، حيث كان آخر مكان تم إخلاؤه من القوات البريطانية في منطقة القناة [عبد الرحمن الرافعي، "مذكراتي"، ص ٢٦٧].
كان يوم الجلاء تتويجًا لرحلة نضال استمرت أربعة وسبعين عامًا، وشهدت سقوط آلاف الشهداء، واشتعال مئات المعارك، وثورات عارمة، تحتفل مصر بهذا اليوم كل عام تحت اسم (عيد الجلاء)، وهو مناسبة وطنية تذكرنا بأن الحرية تُنتزع ولا تُوهب.
س: كم استمر الاحتلال البريطاني لمصر؟
ج: استمر ٧٤ عامًا، من ١٨٨٢ حتى ١٩٥٦.
س: من وقع اتفاقية الجلاء عن الجانب المصري؟
ج: وقعها الزعيم جمال عبد الناصر بصفته رئيسًا للوزراء في ١٩ أكتوبر ١٩٥٤.
س: متى تم جلاء آخر جندي بريطاني؟
ج: في ١٨ يونيو ١٩٥٦، وهو اليوم الذي تحتفل فيه مصر بعيد الجلاء.
اتفاقية الجلاء لم تكن مجرد وثيقة دبلوماسية، بل كانت شهادة ميلاد لمصر الحديثة، وإعلانًا باستعادة السيادة والكرامة بعد ٧٤ عامًا من الاحتلال، يظل يوم الجلاء رمزًا خالدًا في وجدان كل مصري، وتذكيرًا بأن الشعوب التي تصمد وتناضل تنال حريتها حتمًا.
الأمنُ أساسُ بناءِ الدولِ ومقصدٌ شرعيٌّ، حمايتُه واجبٌ لمستقبلٍ مزدهرٍ.
ثورة يوليو: إعلان حكمٍ وطني ألهم المنطقة وغيّر المفاهيم السياسية والاجتماعية.
حرب أكتوبر: عبورٌ من الانكسار للكرامة، لبناء وعيٍ يحمي الوطن.
نصر أكتوبر ثمرة إيمان وتخطيط، عبر بمصر من الانكسار للكرامة.