Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مقام إبراهيم عليه السلام عبقرية التاريخ وأسرار التشريع

الكاتب

هيئة التحرير

مقام إبراهيم عليه السلام عبقرية التاريخ وأسرار التشريع

هل تعلم أن هذا الحجر الصغير القائم بجوار الكعبة يحمل آثار قدم نبي من أولي العزم؟ ولماذا أمر الله بالصلاة عنده تحديدًا دون غيره؟

يمثل مقام إبراهيم عليه السلام أحد أعظم معالم المسجد الحرام، حيث يجمع بين عبقرية التاريخ وأسرار التشريع الإسلامي، وفي هذا الدليل الشامل نكشف حقيقة المقام، وفضله، وأحكامه الفقهية، وأسرار ارتباطه بركعتي الطواف.

حقيقة مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام، وفضله

مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام هو ذلك الحجر الأثري المكرَّم، والياقوتة السماوية التي أنزلها الله من الجنة، وكان نبي الله إبراهيم عليه السلام يقوم عليه ليناول ابنه إسماعيل الحجارة حين ارتفع بناء الكعبة المشرفة عن مستوى يده، وقد خلّد الله ذكره في كتابه فقال: ﴿وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِۦمَ مُصَلࣰّىۖ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وأشار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفضله العظيم فقال: «إنَّ الرُّكنَ والمقامَ ياقوتتانِ مِن ياقوتِ الجنَّةِ طمسَ اللَّهُ نورَهما، ولو لَم يَطمِسْ نورَهما لأضاءتا ما بينَ المشرقِ والمغرِبِ». [ الترمذي: سنن الترمذي، رقم( ٨٧٨)]، روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن طافَ بالبيتِ، وسَعى بين الصَّفا والمَروةِ ورَمى الجِمارَ سَبعًا، وصلَّى خلْفَ المَقامِ رَكعتَينِ، وشرِبَ من ماءِ زَمزَمَ غفَرَ اللهُ له ذُنوبَه كُلَّها بالغةً ما بَلغَت». [السخاوي: المقاصد الحسنة، (١١٤٤)].

وهذا المقام هو الحجر الذي يصلي إليه المسلمون عقب انتهائهم من الطواف، ويقف عنده أئمة المسجد الحرام غالبًا، وهو القول الصحيح الذي ذهب إليه جمهور العلماء والمفسرين؛ إذ استدل الإمام الفخر الرازي بأن الصلاة لم تتعلق لغويًا ولا شرعًا بالحرم، ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع المعهود. [الفخر الرازي: التفسير الكبير، ج٤، ص ٤٩].

صفة المقام:

وإذا نظرنا في صفة هذا الحجر، نجد أنه رخْو من نوع حجر الماء، مربع الشكل، مساحته ٥٠ سم طولًا وعرضًا وارتفاعًا، وفي وسطه أثر قدمي إبراهيم الخليل عليه السلام على شكل حفرتين بيضويتين، وقد كانت آثار الأصابع والأخمص واضحة فيه، كما قال سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه: "رأيت المقام فيه أصابعه وأخمص قدميه"، إلا أنها انمحت بمرور الزمن ومسح الناس لها. [راجع: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج١، ص ١١٧بتصرف]، وقد أورد الإمام البخاري في صحيحه وصفًا لعملية البناء، حيث ذكر أن إبراهيم وإسماعيل لما رفعا القواعد، جاء بهذا الحجر فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يلهجان بالدعاء: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّاۤۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] [صحيح البخاري، رقم الحديث ٣٣٦٤].

مقام إبراهيم من عهد الفاروق إلى العصر الحديث

كان المقام في عهد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه ملاصقًا لجدار الكعبة أو في سقع البيت، إلا أن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أن بقاءه يلزم منه التضييق على الطائفين، فقرر تأخيره إلى مكانه الحالي ليرتفع الحرج، وقد تهيأ له ذلك؛ لأنه هو الذي أشار ابتداءً باتخاذه مصلى، وهو أول من عمل عليه المقصورة، وقد تعرض الموضع لسيل (أم نهشل) في خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه، فاحتمل المقام حتى وُجد بأسفل مكة، فأُتي به ورُبط إلى أستار الكعبة حتى قدم عمر، واستثبت في أمره، وتحقق من موضعه الأول فأعاده إليه، وبنى حوله فاستقر، ولم تنكر الصحابة فعله فصار إجماعًا. [الأزرقي: أخبار مكة، ج٢، ص ٣٤؛ والسيوطي: الدر المنثور، ج١، ص ٢٩١].

وقد حظي المقام بعناية الخلفاء؛ فكان الخليفة المهدي أول من ضببه بالذهب سنة ١٦٠هـ، ثم تبعه المتوكل سنة ٢٣٦هـ، وكان قديمًا عبارة عن قبة خشبية قائمة على أربعة أعمدة وشبابيك من حديد، ومزخرفة بالذهب من الداخل، وفي العهد السعودي، وتحديدًا سنة ١٣٨٧هـ في عهد الملك فيصل، أزيلت المقصورة القديمة، ووضع في غطاء بلوري لتفادي الزحام، ثم رُمم في عهد الملك فهد باستبدال الهيكل بنحاس عالي الجودة، وشبك مطلي بالذهب، وقاعدة من رخام كرارة الأبيض، ويصل وزن الغطاء البلوري الحالي إلى ١.٧٥٠ كجم، بارتفاع ١.٣٠ مترًا. [محمد إلياس عبد الغني: تاريخ مكة المكرمة، ص ٧٦].

الحِكم والأسرار التشريعية من الصلاة عند مقام إبراهيم عليه السلام

الصلاة عند مقام إبراهيم ليست مجرد طقس حركي، بل هي عبادة مشحونة بالدلالات والأنوار التي استنبطها السادة العلماء، ويمكننا عرض بعض هذه الحِكم العالية فيما يلي:

  •   الامتثال للوحي وتحقيق التخصيص والتعظيم:

إن الصلاة خلف المقام هي تجسيدٌ لتعظيم شعائر الله التي هي من تقوى القلوب، قال تعالى:﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن یُعَظِّمۡ شَعَٰۤئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]  [أمين الشقاوي: الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة، ج١٢، ص ٤٨٠]، وهي تعبر عن حث الشريعة على الصلاة في البيت الحرام، حيث يرى المحققون أن الأمر بالصلاة عند المقام كان عامًا في المسجد كله، ثم خُصص عند أثر الصخرة استجابةً لموافقة الوحي لرأي الفاروق عمر رضي الله عنه حين قال: "لوِ اتَّخَذنا مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى"، فنَزَلَت: ﴿وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِۦمَ مُصَلࣰّىۖ﴾ [البقرة: ١٢٥]  [البخاري: الصحيح رقم٤٠٢]، وذلك تقربًا لله بأداء ركعتي الطواف في هذا الموضع المبارك [موسى شاهين لاشين: فتح المنعم شرح صحيح مسلم، ج٩، ص ٣٠٦].

ومن الأدلة الأصولية التي تُجلي حقيقة المصلى: ما صرح به الحسن البصري وغيره من وجوب تفسير المصلى في الآية بمعناه الشرعي وهو القبلة، وترك المعنى اللغوي الحقيقي الذي هو المكان؛ وذلك لأن مقام إبراهيم يُصلَّى عنده وإليه لا فيه، ولأجل هذا المعنى جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين البيت في صلاته، ولو كان يُصلَّى فيه كما يُصلى في مزدلفة وعرفة لقام النبي صلى الله عليه وسلم داخل حيزه متوجهًا إلى الكعبة، فتعين أن يكون المقصود هو الاستقبال.

وعلى أي حال، فإن اتخاذ مقام إبراهيم قبلة في صلاة ركعتي الطواف هو على سبيل الندب والاستحباب، لا الوجوب؛ والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى داخل الكعبة دون أن يستقبل جهة المقام، ولو كان استقباله فرضًا لبطلت صلاته صلى الله عليه وسلم في البيت إلى غير جهته، وهذا التحقيق الدقيق هو ما يفسِّر لنا سر استدلال الإمام البخاري بهذا الحديث في كتاب الصلاة بدلًا من كتاب الحج، إظهارًا منه لهذا المعنى المختص بجهة استقبال القبلة، وهو ما يعكس دقة علم البخاري وفقهه واجتهاده في ترتيب أبواب صحيحه. [ابن حجر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج١، ص ٦٤٦].

  •   الاقتداء بالهدي النبوي وإحياء السنن الحنيفية:

 تستهدف هذه الصلاة اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي صلى خلفه وقرأ (الإخلاص والكافرون) بعد الطواف؛ لما جاء في الحديث عن جابر رضي الله عنه: "حتَّى إذَا أتَيْنَا البَيْتَ معهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا ومَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إلى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ عليه السَّلَام، فَقَرَأَ:﴿وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِۦمَ مُصَلࣰّىۖ﴾، فَجَعَلَ المَقَامَ بَيْنَهُ وبيْنَ البَيْتِ، فَكانَ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ:﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، و﴿قُلۡ یَٰۤأَیُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾[الكافرون: ١] [مسلم، الصحيح رقم ١٢١٨]، وفي ذلك إبقاءٌ على السنن الحنيفية السمحة التي قررتها الشريعة لهذه الأمة. [عبد العزيز الطريفي: التفسير والبيان لأحكام القرآن، ج١، ص ١١٠-١١١].

  •   الارتباط الروحي بسيَر الأنبياء، وإعلاء مكانة الخليل:

 إن الوقوف في هذا المصلَّى يربط قلب المسلم بسيرة الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام وهما يرفعان القواعد، مما يرسخ في النفس الاقتداء بإخلاصهما، ويعدُّ استحضار جهد الخليل واحتماله المشاق عند هذا الحجر دافعًا للمسلم للمبادرة والاجتهاد في طاعة الله، وتقدير مكانة الأنبياء. [ابن دقيق العيد: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، ج٢، ص ٧١].

آداب التعامل مع المقام

إن الشريعة الإسلامية قامت على السماحة ودفع المشقة، ولذا فإن التبرك بالمقام أو مسحه - على قول من أجازه - مقيدٌ بقيود الأمان والسلامة؛ فإذا كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شأن الحجر الأسود: «يا عمرُ إنكَ رجلٌ قويٌّ لا تزاحِم على الحَجَرِ فتؤذِيَ الضعيفَ إنْ وجدتَّ خَلْوَةً فاستَلِمْهُ، وإلا فاسْتَقْبِلْهُ فهَلِّلْ وَكَبِّرْ». [أحمد: المسند(١٩٠)]، فإن المقام يلحق بهذا الحكم من باب الأولى؛ لأن استلام الحجر الأسود سنة ثابتة بالنص، ومع ذلك أُمر القويَّ بتركه عند الزحام؛ تفاديًا للأذى، فكيف بما لم يرد فيه نصٌ صريح بالمسح، كمقام سيدنا إبراهيم عليه السلام؟

وعليه، فإن فقه الصحابة استقر على تقديم سلامة المسلمين على نفل التبرك، كما في قول سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما: "لا تؤذِ مسلمًا ولا يؤذيك، إن رأيت منه خلوة فقبله أو استلمه، وإلا فامض".  [الفاكهي: أخبار مكة، ج١ ص ١٢٩]، فالإشارة في حال الزحام هي المنهج الأرشد والأقرب لروح الشريعة، ليبقى الطواف والصلاة عند المقام عبادةً تخشع فيها القلوب، لا موطنًا للتدافع والإيذاء.

الخلاصة

إن مقام الخليل عليه السلام آية باهرة تجمع بين جلال التاريخ، وكمال التشريع، مما يوجب تعظيم قدسيته، وصون حرمةِ العباد بترك المزاحمة والنزاع؛ فالعبرة فيه استحضار إخلاص البناء، والتماس أنوار القبول بالصلاة والدعاء.

موضوعات ذات صلة

الحجّ هو قصد بيت الله الحرام لأداء المناسك في وقت مخصوص بشرائط مخصوصة.

كان الحجاج يتنقلون عبر الصحاري الشاسعة دون طائرات أو سيارات

تبدأ رحلتك إلى الحج أو العمرة بخطوات صحيحة تضمن القبول

 الكعبة المشرفة بنيت قبل سيدنا إبراهيم – عليه السلام- ثم رفع قواعدها مع إسماعيل– عليه السلام-

موضوعات مختارة