الصلاة عند مقام إبراهيم ليست مجرد
طقس حركي، بل هي عبادة مشحونة بالدلالات والأنوار التي استنبطها السادة العلماء،
ويمكننا عرض بعض هذه الحِكم العالية فيما يلي:
- الامتثال للوحي وتحقيق التخصيص والتعظيم:
إن
الصلاة خلف المقام هي تجسيدٌ لتعظيم شعائر الله التي هي من تقوى القلوب، قال
تعالى:﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن یُعَظِّمۡ شَعَٰۤئِرَ ٱللَّهِ
فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]
[أمين الشقاوي: الدرر المنتقاة من
الكلمات الملقاة، ج١٢، ص ٤٨٠]، وهي
تعبر عن حث الشريعة على الصلاة في البيت الحرام، حيث يرى المحققون أن الأمر
بالصلاة عند المقام كان عامًا في المسجد كله، ثم خُصص عند أثر الصخرة استجابةً
لموافقة الوحي لرأي الفاروق عمر رضي الله عنه حين قال: "لوِ اتَّخَذنا
مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى"، فنَزَلَت: ﴿وَٱتَّخِذُوا۟
مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِۦمَ مُصَلࣰّىۖ﴾ [البقرة: ١٢٥] [البخاري: الصحيح رقم٤٠٢]، وذلك
تقربًا لله بأداء ركعتي الطواف في هذا الموضع المبارك [موسى شاهين لاشين: فتح المنعم شرح صحيح مسلم، ج٩، ص ٣٠٦].
ومن الأدلة الأصولية التي تُجلي
حقيقة المصلى: ما صرح به الحسن البصري وغيره من وجوب تفسير المصلى في الآية بمعناه
الشرعي وهو القبلة، وترك المعنى اللغوي الحقيقي الذي هو المكان؛ وذلك لأن مقام
إبراهيم يُصلَّى عنده وإليه لا فيه، ولأجل هذا المعنى جعله رسول الله صلى الله
عليه وسلم بينه وبين البيت في صلاته، ولو كان يُصلَّى فيه كما يُصلى في مزدلفة
وعرفة لقام النبي صلى الله عليه وسلم داخل حيزه متوجهًا إلى الكعبة، فتعين
أن يكون المقصود هو الاستقبال.
وعلى أي حال، فإن اتخاذ مقام إبراهيم
قبلة في صلاة ركعتي الطواف هو على سبيل الندب والاستحباب، لا الوجوب؛ والدليل على
ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى داخل الكعبة دون أن يستقبل جهة
المقام، ولو كان استقباله فرضًا لبطلت صلاته صلى الله عليه وسلم في البيت
إلى غير جهته، وهذا التحقيق الدقيق هو ما يفسِّر لنا سر استدلال الإمام البخاري
بهذا الحديث في كتاب الصلاة بدلًا من كتاب الحج، إظهارًا منه لهذا المعنى المختص
بجهة استقبال القبلة، وهو ما يعكس دقة علم البخاري وفقهه واجتهاده في ترتيب أبواب
صحيحه. [ابن حجر: فتح الباري شرح صحيح
البخاري، ج١، ص ٦٤٦].
- الاقتداء بالهدي النبوي وإحياء السنن الحنيفية:
تستهدف
هذه الصلاة اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي صلى خلفه وقرأ (الإخلاص
والكافرون) بعد الطواف؛ لما جاء في الحديث عن جابر رضي الله عنه: "حتَّى إذَا
أتَيْنَا البَيْتَ معهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا ومَشَى أَرْبَعًا،
ثُمَّ نَفَذَ إلى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ عليه السَّلَام، فَقَرَأَ:﴿وَٱتَّخِذُوا۟
مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِۦمَ مُصَلࣰّىۖ﴾،
فَجَعَلَ المَقَامَ بَيْنَهُ وبيْنَ البَيْتِ، فَكانَ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ:﴿قُلۡ
هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، و﴿قُلۡ
یَٰۤأَیُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾[الكافرون: ١] [مسلم،
الصحيح رقم ١٢١٨]، وفي ذلك إبقاءٌ على السنن الحنيفية السمحة التي
قررتها الشريعة لهذه الأمة. [عبد العزيز الطريفي:
التفسير والبيان لأحكام القرآن، ج١، ص ١١٠-١١١].
- الارتباط الروحي بسيَر الأنبياء، وإعلاء مكانة الخليل:
إن
الوقوف في هذا المصلَّى يربط قلب المسلم بسيرة الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل
عليهما السلام وهما يرفعان القواعد، مما يرسخ في النفس الاقتداء بإخلاصهما، ويعدُّ
استحضار جهد الخليل واحتماله المشاق عند هذا الحجر دافعًا للمسلم للمبادرة
والاجتهاد في طاعة الله، وتقدير مكانة الأنبياء. [ابن دقيق العيد: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، ج٢، ص ٧١].