هل يجوز رمي الجمرات بعد منتصف الليل؟ وهل المبيت بمزدلفة أو منى واجب أم يمكن تركه؟ وماذا يفعل كبار السن والمرضى أثناء الزحام الشديد في الحج؟
في هذا المقال تجد أهم فتاوى الحج المتعلقة بالرخص الشرعية وتيسير المناسك لتؤدي حجك بسهولة وأمان.
هل يجوز رمي الجمرات بعد منتصف الليل؟ وهل المبيت بمزدلفة أو منى واجب أم يمكن تركه؟ وماذا يفعل كبار السن والمرضى أثناء الزحام الشديد في الحج؟
في هذا المقال تجد أهم فتاوى الحج المتعلقة بالرخص الشرعية وتيسير المناسك لتؤدي حجك بسهولة وأمان.
ج: لا مانع شرعًا من أداء المشاعر المقدسة بناءً على هذه البرامج المنظمة، وليس فيها ما يخالف الشرع الحنيف؛ نظرًا لتخيُّر هذه البرامج من أقوال العلماء ما ييسر مناسك الحج على الحجيج، ويتحاشى بها الزحام الشديد والمشقة البالغة قَدْر المستطاع.
ولا ريب أن صفة حج النبي ﷺ هي صفة الكمال في المناسك إلا أن الالتزام بها لحجاج الأفواج يشق جدًّا بسبب الكثافة العددية، ولا يستطيع القيام بها إلا الشخص الذي يحج وحده منفردًا، فإذا كان الحج في فوج وجماعة، فالأَتْبَعُ للسُّنَّة موافقةُ الجماعة؛ إذ الثواب الأكبر يكمن في الرحمة بضعفاء الفوج، فقد قال النبي ﷺ: «يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ» [رواه الترمذي في "سننه" وحسنه، والنسائي في "سننه" عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما].
وقد جاءت الشريعة بأن الضعيف أمير الركب، وأن القوم يسيرون بسير أضعفهم، وأمر النبي ﷺ أن تُجْعَل العبادات الجماعية على قدر طاقة أضعف الجماعة؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «يَا عُثْمَانُ! تَجَاوَزْ فِي الصَّلَاةِ، وَاقْدِرِ النَّاسَ بِأَضْعَفِهِمْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَالصَّغِيرَ، وَالسَّقِيمَ، وَالْبَعِيدَ، وَذَا الْحَاجَةِ» [رواه أحمد في "المسند"، وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاص رضي الله عنه]. كما أن الأخذ بِرُخَصِ الحج واتباع التيسير والتخفيف على الناس فيه، هو مقصدٌ شرعيٌّ أساسيٌّ لحفظ النفوس والمُهَج.
وأداؤه على هذه الصفة المُيَسَّرة هو أيضًا مِن السنة النبوية الشريفة؛ قولًا وأمرًا وتقريرًا، فقد أمر النبي ﷺ بالتيسير قائلًا: «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» [متفق عليه عن أنس بن مالك رضي الله عنه].
وأقر أصحابه رضي الله عنهم على ما فعلوه من تقديم وتأخير، ورفع الحرج عنهم، فمِن الصحابة مَن قَدَّمَ في مناسكه وأخَّر، وغاير الترتيب النبوي في أعمال يوم النحر، فسألوا النبي ﷺ فأذن لهم؛ حيث سأله رجل: «لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ»، فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، فمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» [متفق عليه].
وقد وسَّع النبي ﷺ على أمته ما داموا قد التزموا الوقوف على عرفة، فقال: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» [رواه الترمذي في "سننه" عن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن يَعْمَرَ الدِّيلِي رضي الله عنه].
ج: المسلمون من ذوي الإعاقات الجسدية فقط، لهم حكم الأصحاء شرعًا؛ مَن وجد منهم الاستطاعة بنفسه أو بغيره وجب عليه الحج؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَیۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَیۡهِ سَبِیلࣰاۚ﴾ [آل عمران: ٩٧].
وكذلك الحال مع ذوي الإعاقات الذهنية التي لم تُخْرِجْهُم عن حَدِّ التكليف الشرعي (بأن كانت سِنُّهُم العقلية هي سن البالغين المدركين)، فهؤلاء حَجُّهم يقع صحيحًا مُسْقِطًا للفريضة.
أما مَن كانت إعاقتُه الذهنية تُخْرِجه عن حَدِّ التكليف، فإن الحج والعمرة تصح منهم وتوضع في ميزان حسناتهم وميزان مَن ساعدهم، وإن كان ذلك لا يُغْنِي عن حجة الفريضة إذا عُوفِيَ المريض وصار مكلفًا.
ج: مريض الزهايمر تتفاوت حالته؛ فإن كان في المرحلة الأولى (التي يغلب عليها النسيان الخفيف مع بقاء الإدراك): وجب عليه أداءُ الحج بشرط القدرة الجسدية والمالية، ويُعَانُ بالوسائل والمرافقين على إتمام عبادته.
وإن كان من أصحاب المرحلة الثانية والثالثة (التي يضطرب فيها إدراكُه ويختلُ فِعْلُه ويفقد الأهلية): فلا يجبُ عليه أداءُ الحج؛ لسقوط مناط التكليف عنه.
ج: أجمع العلماء على أن ما بعد الزوال وقتٌ صحيحٌ للوقوف بـعرفة، وينتهي بطلوع فجر يوم النحر.
ومَن جمع في وقوفه بين الليل والنهار، فوقوفه تام.
والأصح عند الشافعية ومَن وافقهم أن البقاء بـعرفة حتى غروب الشمس مستحب وليس واجبًا (خلافًا للحنفية)، فيجوز عندهم للحاج الذي وقف أن يُفيض مِن عرفة قبل المغرب؛ ويستدلون بحديث عروة بن المضرس رضي الله عنه حين سأل النبي ﷺ وقد أرهق نفسه في القدوم، فقال له ﷺ: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ -وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا- فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» [رواه أحمد في "المسند"، وأصحاب "السُّنن"، وصححه الترمذي عن عُرْوَة بْن مُضَرِّسٍ الطَّائِي رضي الله عنه].
وعلى ذلك يمكن للجهات المسئولة أن تنظم النَّفْرَة والإفاضة من عرفات على مراحل بما يتلاءم مع أعداد الحجيج، ويمنع تكدُّسهم حسبما تقتضيه المصلحة العامة.
ج: المبيت بـمزدلفة من مناسك الحج.
والمختار للفتوى -تيسيرًا على الحجاج- هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء مِن الحنفية، والمالكية، والشافعية في مقابل الأصح، والحنابلة في روايةٍ، إلى أنه سُنة، وأنه لا يجب على الحاج شيء بتركه إياه.
والمعتمد في الفتوى -في هذه الأزمان التي كثرت فيها أعداد الحجيج كثرةً هائلةً- هو الأخذ بسنية المبيت، ويكتفي المالكية بإيجاب المكث فيها بقدر ما يحط الحاجُّ رحله، ويجمع المغرب والعشاء.
وحتى على رأي الموجبين له، فإنهم يسقطونه عند وجود العذر (كالزحام الشديد والخوف من الخطر).
ج: المبيت بـمنى ليالي التشريق مُخْتَلَفٌ فيه؛ فالجمهور على أنه واجب، والحنفية على أنه سُنة.
ويدل على السُّنِّيَّة ما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أنَّ العَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى؛ مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ". [متفق عليه]، ولو كان المبيت واجبًا لما رُخِّصَ في تركه.
وإذا أضفنا إلى ذلك ما يَعتَرِي الحجيجَ مِن تعبٍ شديدٍ وضيقِ مكانٍ، كان القول بسنية المبيت هو المختار للفتوى.
وحتى على قول الجمهور بوجوبه، فإنهم يُرَخِّصُون لِمَن كان ذا عذرٍ شرعي (كالمرض والضعف) بترك المبيت، ولا إثم عليه حينئذ ولا كراهة، ولا يلزمه فدية، فناسب أن يأخذ النساء والأطفال والمرضى حُكم مَن رُخِّصَ لهم؛ لضعفهم وخوفًا عليهم من الأوبئة.
ج: يُعدُّ رمي الجمرات من شعائر الحج التي شرع الله فيها التيسير على العباد.
أما رمي جمرة العقبة الكبرى يوم النحر؛ فإن كثيرًا من العلماء-كـالشافعية والحنابلة وغيرهم- أجازوا رميها بعد نصف ليلة النحر للقادر والعاجز على السواء؛ استدلالًا بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ" [رواه أبو داود في "سننه"، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" وقال: "صحيح على شرطهما لم يخرجاه"].
وأما رمي الجمرات في أيام التشريق: فالمعتمد في الفتوى أنه يجوز للحاج أن يرمي قبل الزوال (الظهر) في سائر أيام التشريق، وهو مذهب جماعات من العلماء سلفًا وخلفًا. وقد استدلوا بما يقتضي رفع الحرج في وقت الرمي؛ حيث سُئِل النبي ﷺ: "رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ؟" فَقَالَ: «لَا حَرَجَ» [رواه النسائي في "السنن الكبرى"، والدارقطني في "سننه" عن ابن عباس رضي الله عنهما]، وَأَنَّهُ ﷺ مَا سُئِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» [رواه البخاري في "صحيحه" عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما].
وبناءً على ذلك: يجوز رمي الجمرات أيام التشريق بدءًا من نصف الليل، والنفر بعده لِمَن أراد التعجل.
ولَمَّا كان الليل يبدأ من غروب الشمس وينتهي بطلوع الفجر الصادق، فإن نصف الليل يُحْسَب بقسمة ما بين هذين الوقتين (الغروب وطلوع الفجر) على اثنين وإضافة الناتج لوقت أذان المغرب.
ج: النيابة في رمي الجمار للضعفاء والمرضى والنساء جائزةٌ شرعًا؛ ودليل ذلك أنه تجوز الاستنابة في الحج كله للعاجز، فالاستنابة في الرمي (الذي هو جزء من الحج) جائزةٌ من باب أَوْلَى.
وهي رخصةٌ لأهل الأعذار؛ لحفظ نفوسهم من التَّهْلُكَة، وقد ألحق الفقهاء بذلك مَن خاف على نفسه أو ماله، أو كان يتعاهد مريضًا.
ولذلك؛ يجوز لهم التوكيلُ ولا حرج عليهم، ولا يلزمهم بذلك جُبْران (أي لا فدية عليهم).
ختامًا: يتبين أن الشريعة الإسلامية جعلت التيسير ورفع الحرج مقصدًا أساسيًا في الحج؛ لحفظ أرواح ضيوف الرحمن، والأخذ بالرخص الفقهية كالتوكيل في الرمي أو التخفيف في أحكام المبيت لأصحاب الأعذار، هو امتثال لهدي النبي ﷺ في الرحمة واليسر مما يضمن إتمام الفريضة بأمان وقبول.
ما حكم الإحرام قبل الميقات؟
هل يجوز تكرار العمرة أكثر من مرة؟
تتجلى عظمة الإسلام في رعاية أحوال العباد وفتح أبواب الرحمة عند أداء الركن الأعظم.
تعد ليلة المزدلفة محطة السكينة الكبرى في رحلة الحج.
من مقاصد الشريعة الغراء رعاية المكلفين ورفع الحرج عنهم في أداء المناسك.