التهيؤ الظاهري والباطني للزيارة
إن المُثول في حضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتطلب تهيؤًا باطنيًا بالخشوع، وظاهريًا بالنزاهة والخشوع؛ فيُندب للمتوجه أن يَلهج لسانه بالصلاة عليه طول الطريق، فإذا لاحت معالم النور زاد استعار الأشواق بالصلاة.
ومن السنة الغراء أن يغتسل، ويلبَس أطهر حُلله وأجمل ثيابه، ويتضوَّع بأزكى الروائح والمحاسن، ثم يسير بخطى وئيدة خفيضة، مطأطئ الرأس، مستحضرًا هيبة النبوة وكأنه يجلس بين يدي المصطفى كِفاحًا، فإذا ولج المسجد قدّم يمينه مستعيذًا بالله، ويقصد الروضة الشريفة فيركع ركعتين خفيفتين تحية للمسجد بجوار المنبر النبوي، ثم يفيض في الدعاء والابتهال [راجع: الإيضاح ص٤٤٧- ٤٤٨].
صيغة السلام أمام المواجهة الشريفة
فإذا روي من نمير الروضة الشريفة، تحرك بخطى وجلة، وقلب واجف، وعين هاملة بالدموع، نحو المواجهة الشريفة؛ فيقف قبالة الضريح الطاهر في أدب جم، مطأطئ الرأس، غاضًا بصره، خافضًا صوته؛ امتثالًا لزجر الحق سبحانه: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرۡفَعُوۤا۟ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِیِّ وَلَا تَجۡهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]، واسْتِشْعَارًا لهيبة النبوة. ويُسَلِّم على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في صوت خفيض، يملؤه الحب الجارف، والشوق الصادق، والتبجيل العظيم، قَائِلًا: "السلَامُ عليكَ يا سيدي يا رسولَ الله، السلَام عليك يا نبيَّ الله، السلَام عليكَ يا خِيرةَ الله، السلامُ عليكَ يا خَيْرَ خَلْقِ الله، السلَامُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ الله، السلامُ عَلَيْكَ يا نذير، السلامَ عليك يا بشيرُ، السلامُ عليكَ يا طُهْرُ، السلامُ عليك يا طاهِرُ، السلامُ عليكَ يا نبيَّ الرحمةِ، السلامُ عليك يا نبي الأَمَّةِ، السلامُ عليك يا أبا الْقَاسِمِ، السلَامُ عليكَ يا رَسُولَ رب العالمينَ، السلامُ عليك يا سيدَ المُرْسَلينَ، ويا خاتَم النَّبيين، السلامُ عليكَ يا خيرَ الخَلائِقِ أجْمَعينَ، السلامُ عليك يا قائد الغُر المُحَجَّلينَ، السَّلامُ عليكَ وَعَلى آلِكَ وأهْلِ بَيْتِكَ وأزواجِكَ وذُريتِكَ وأصحابِكَ أجمعين، السلَامُ عليكَ وَعَلى سائِرِ الأنبياءِ وجميع عِبادِ الله الصَالحينَ، جَزَاكَ الله يا رَسُولَ الله عَنَّا أَفضَل مَا جَزَى نَبيًأ وَرَسُولًا عَنْ أُمَتِهِ، وصلى الله عليك كُلَّمَا ذَكَرَكَ ذاكر، وغفَل عَنْ ذكرِكَ غَافِل، أفْضَلَ وَأكْمَلَ وأطْيَبَ مَا صَلَّى على أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ أجْمَعِينَ، أشْهَدُ أنْ لَا إِلهَ إِلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّكَ عَبْدُهُ ورسوله وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وأشْهَدُ أنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ الرسَالة، وَأدّيْتَ الأمَانَةَ، وَنَصْحَتَ الأَمَّةَ، وَجَاهَدْت في الله حَقَّ جهَادِهِ، اللَّهُمَّ وآتِهِ الوَسيلَةَ والفضيلَة، وابعثهُ مَقَامًأ مَحْمُودًأ الذي وَعَدْتَهُ، وآتَهِ نِهَايةَ ما ينبغي أَنْ يَسْأَلهُ السَّائِلُونَ"، وَمَنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِ هَذَا أَوْ ضَاقَ وَقْتُهُ عَنْهُ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهِ، وَأَقلهُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم [الإيضاح في مناسك الحج والعمرة ص٤٥٣].
السلام على الصاحبين وحكاية العتبي
ثم يتحول يمينًا قدر ذراع ليَمثل أمام رأس الصديق أبي بكر - رضي الله عنه - فيقول: "السلام عليك يا خليفة رسول الله، السلام عليك يا ثاني اثنين إذ هما في الغار... رضي عنك وأرضاك". ثم يخطو يمينًا قدر ذراع آخر ليقف قبالة رأس الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -فيقول: "السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا مَظهر الإسلام، وفاروق الأمة... رضي عنك وأرضاك".
ثم يُفيض في الدعاء مستشفعًا، ومن بدائع ما يُستحضر هنا ما رواه العتبي قال: كنت جالسًا عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ جَاۤءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِیمًا﴾ [النساء: ٦٤]، وقد جئتك مستغفرًا من ذنبي، مُسْتَشْفِعًا بِكَ إِلَى رَبّيِ، ثُمَّ أنْشَأ يقول:
يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أعْظُمُهُ … فَطَابَ مِنْ طِيبهِن القاعُ والأكَمُ
نَفْسِي فِدَاءٌ لِقَبْر أَنْتَ سَاكِنُهُ … فِيهِ العَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ
أَنْتَ الشفِيعُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُه … عَلَى الصِّراطِ إِذَا مَا زَلَّتِ القَدَمُ
وَصَاحِبَاكَ فَلَا أَنْسَاهُمَا أبَدًأ … مِنّي السَّلَامُ عَلَيْكُمْ مَا جَرَى الْقَلَمُ
قال: ثم انصرف فغلبتني عيناي فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في النوم فقال: يَا عُتْبي: الْحَقْ الأَعْرَابِيَّ وَبَشّرْهُ بِأن الله تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لَه [الإيضاح ص٤٥٤-٤٥٥].
وقد وصف ابن بطوطة زيارته فقال: "ثم دخلنا المسجد النبوي، وتوجهنا إلى الحجرة الشريفة، وسلَّمنا على حضرة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى صاحبَيه سيدِنا أبي بكر وسيدِنا عمرَ رضي الله عنهما، وخرجنا والدموع تملأ أعيننا" [تحفة النظار: ١/٢٤٠]، وقال ابن جبير: "ورأيتُ من الحُجَّاج من يبكي عند قبر حضرة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكاءً شديدًا حتى كادوا يغشى عليهم" [الرحلة ص٧٨].
اغتنام زيارة المشاهد والصبر على الشدائد
وينبغي للزائر الأريب اغتنامُ ساعاتِ وجوده بالصلوات وزيارة المعالم المأثورة؛ كالبقيع داعيًا لأهله، وشهداء أحُدٍ مبتدئًا بسيد الشهداء حمزة عمِّ النبي صلى الله عليه وسلم، ومسجد قُباء صباح السبت لنَيل أجر العمرة لحديث: «صَلَاةٌ في مَسْجِدِ قُبَاء كَعُمْرَةٍ» وبئر أَرِيس، وسائر المشاهد والآبار السبع [الإيضاح ص٤٥٧-٤٥٨].
ومن تمام فقه الإقامة: الصبر الجميل على لأوائها وجهد حرها وعيشها؛ فلقد غمرتْها بركة دعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ إذ قال: «وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ» [مسلم: الصحيح، ١٣٦٠]، وقال أنس رضي الله عنه قال - صلى الله عليه وآله وسلم -: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ» [البخاري: الصحيح، ١٨٨٥،مسلم: الصحيح، ١٣٦٩]، والظاهر أن البركة في نفس المَكيل، بحيث يَكفي المد فيها لمن لا يكفيه في غيرها [النووي: شرح مسلم، ٩ /١٤٢]، وقيل: البركة في عظيم الثواب [فتح الباري: ٤/٩٨]. ولقد ضمِن الشارع الحكيم للصابرين على وعثائها حسنَ العاقبة؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ... وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا، أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [مسلم: الصحيح، ١٣٦٣]، وفي لفظ آخر: «لا يَصْبِرُ على لَأْوَاءِ المَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ شَهِيدًا» [مسلم: الصحيح، ١٣٧٨]، فإذا دنا وقتُ الوداع، وأزِفت ساعة الرحيل، صلى بالمسجد ركعتين، وأتى المواجهة الشريفة مسلِّماً سلام مودِّع، يحمل قلبه بين كفه، ضارعاً إلى الله ألا يكون هذا آخرَ العهد بحرمِه الطاهر، وأن يُوردَه حوض صاحب المقام المحمود صلوات ربي وسلامه عليه.