Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المدينة المنورة.. فضائلها وأسماؤها وحرمة حماها وآداب زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم

الكاتب

هيئة التحرير

المدينة المنورة.. فضائلها وأسماؤها وحرمة حماها وآداب زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم

المدينةُ المنوَّرةُ هي موطنُ النبوَّة، ومهبطُ السكينة، ودارُ الهجرةِ التي أشرقت منها أنوارُ الإسلام إلى الدنيا كلها، فيها سار الحبيب المصطفى ﷺ، وعلى ثراها خطا الصحابةُ الكرام، وفي رحاب مسجدها تتنزَّل الطمأنينة على القلوب المؤمنة. 

وإذا كانت مكةُ بلدَ الوحيِ والبداية، فإن المدينةَ كانت موطنَ البناءِ والتمكينِ والأخوَّةِ والإيمان. 

ومن هنا كانت زيارتُها شوقًا يسكن الأرواح، وعبادةً تُحيي القلوب، ومدرسةً يتعلَّم فيها المسلم آداب الحب والتعظيم لسيدنا رسول الله ﷺ.

أسماء المدينة النبوية، وخصائصها الرُّوحية، وجلال معالمها المباركة

  • دلالة تعدد الأسماء

إن تعدد الأسماء في النصوص الصحيحة آيةٌ على شرف المسمَّى ومكانته؛ وكل اسم يحمل في طياته شرفًا؛ فأشهر أسمائها التي أُطلقت عليها بعد الهجرة هو المَدِينَة، وقد خلد القرآن الكريم هذا الاسم في مواضعَ شريفة، ليربط بين الأرض والساكنين فيها في أرفع صور الوفاء، كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِینَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن یَتَخَلَّفُوا۟ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا یَرۡغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ﴾ [التوبة: ١٢٠]، فكانت الآية صريحة في وجوب المصاحبة الرُّوحية والبدنية للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في هذا الحِمى المقدس، فيا لله من أرضٍ تأنّقتْ بجمالها الجغرافيا، وتألّقتْ بجلالها السِّير، فغدتْ لقلوب الصادقين هي المُبتدَأُ والمُنتهى، والْمَصِيفُ والْمَشْتَى [راجع: تفسير الطبري: ١٢ / ١٠٤].

  • النفحات النبوية في اسمي طيبة وطابة

قد أبَى سيد الخلق الطيِّب المطيَّب - صلى الله عليه وآله وسلم - بقاء اسم يثرب لما فيه من ظلال الثَّرْب (وهو الفساد أو اللوم)، فخلع عليها اسمي طَيْبَة وطَابَة؛ وهما لغتان تشتبكان في أصل الطيب؛ فقال - صلى الله عليه وآله وسلم: «هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ» [مسلم: الصحيح، ٢٩٤٢]، وعن أبي حُمَيد - رضي الله عنه - قال: أقبلنا مع حضرة سيدنا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من تبوك حتى أشرفنا على المدينة، فقال: «هَذِهِ طَابَةُ» [البخاري: الصحيح، ١٤٨١،مسلم: الصحيح، ١٣٩٢]، واشتقاقهما من الشيء الطيب لطهارتها، أو لطيبها لساكنها، أو طيب العيش بها، ومن أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيِّبة لا توجد في غيرها [ابن حجر: فتح الباري: ٤/٨٩].

  • الدار والإيمان والدرع الحصينة

سماها الحق سبحانه في كتابه الدَّار والإِيمَان؛ فقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِینَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِیمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ یُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَیۡهِمۡ﴾ [الحشر: ٩]، أي اتخذوها منازل، وسُميت بالإيمان؛ لأنه فيها ظهَر وقوِي [تفسير الطبري: ٢٣/٢٨٢، ومفاتيح الغيب: ٢٩/٥٠٨].

وهي الدِّرْع الحَصِينَة لقوله - صلى الله عليه وآله وسلم: «رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فَأَوَّلْتُ أَنَّ الدِّرْعَ الْحَصِينَةَ الْمَدِينَةُ» [النسائي: الكبرى: ٧٦٤٧]، فهي الدرع التي صانت بيضة الإسلام، والحصينة بتوفيق الله، وحراسة ملائكته، وبأنفاس صاحب الروضة - صلى الله عليه وآله وسلم - وبلغت أسماؤها أربعين اسمًا؛ كالجابرة، والمجبورة، لأنها تجبُر كسر القلوب، والمحبَّبة والمحبوبة [فتح الباري: ٤/٨٩].

  • مضاعفة الأجور والبركة في المعالم

من فضائلها العليَّة مضاعفة الأجر؛ لقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَّا إلى ثَلاثةِ مَساجِدَ: مَسجِدِ الحَرامِ، ومَسجِدي، ومَسجِدِ الأقصى» [البخاري: الصحيح، ١٨٦٤]، وقال - صلى الله عليه وآله وسلم: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَام» [البخاري: الصحيح، ١١٩٠].

وفيها الروضة الشريفة؛ قال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» [البخاري: الصحيح، ١٨٨٨، ].

 ومسجد قباء الذي قال فيه صلى الله عليه وآله وسلم: «الصلاةُ في مسْجدِ قِباءٍ كعُمرةٍ» [الترمذي: ٣٢٤، ابن ماجه: ١٤١١].

وامتدَّت البركة إلى جبالها وأوديتها؛ كـوادي العقيق الذي قال فيه صلى الله عليه وآله وسلم: «أتاني الليلة آتٍ من ربي، فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عُمْرَةٌ في حَجَّةٍ» [البخاري: الصحيح، ١٥٣٤].

 وجبل أحد؛ قال صلى الله عليه وآله وسلم: «وهذا أُحُدٌ، وهو جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه» [البخاري: الصحيح، ١٤٨١].

 وجعل في عَجوة المدينة حصنًا وترياقًا؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرُّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ» [البخاري: الصحيح، ٥٧٦٨]. وتَظل الملاذَ الأخير كمأرز الإيمان؛ قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا» [البخاري: الصحيح، ١٨٧٦].

حرمة المدينة المنورة النبوية، وحدود حرَمها في النصوص الشرعية

  • التحريم الفقهي لصيدها وشجرها

شرَّف الله المدينة وبارك فيها؛ فعن عبد الله بن زيد بن عاصم - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ» [مسلم: ١٣٦٠]، وهذا الحديث حجة للشافعي ومالك والجمهور في تحريم صيد المدينة وشجرها، والمشهور عنهم أنه لا ضمان في صيد المدينة وشجرها، بل هو حرام بلا ضمان؛ لعدم النص وبراءة الذمة، وقال ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى وبعضُ المالكية: يجب فيه الجزاء كحرم مكة [شرح النووي: ٩/١٣٤].

  • الحدود الجغرافية للحرم المدني

قد استفاضت السنة بتفصيل حدود هذا التحريم وصيانة حماه؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا» [مسلم: ١٣٦٢، ١٣٦٣]، واللابتان هما الحَرَّتان (الأرض الملينة حجارة سوداء)، والعضاة: كل شجر فيه شوك، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ» [البخاري: الصحيح، ٦٧٥٥]، وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه – قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم: «اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَمًا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا، مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا، أَنْ لَا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، وَلَا تُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ إِلَّا لِعَلْفٍ» [مسلم: الصحيح، ١٣٧٤].

  • الوعيد الشديد لمن أحدث فيها حدثًا

وفي حراسة أمنها وزجر من يعبث باستقرارها، جاء الوعيد الشديد مقذعًا؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: «المدينةُ حرامٌ من كذا إلى كذا، لا يُقطَعُ شجرُها، ولا يُحدَثُ فيها حدثٌ، من أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدِثًا، فعليه لعنةُ اللهِ، والملائكةِ، والناسِ أجمعين، لا يَقبل اللهُ منه يومَ القيامةِ صرفًا، ولا عدلًا» [البخاري: الصحيح، ١٨٦٧،مسلم: الصحيح، ١٣٧١]، والصرف: القرض أو النافلة، والعدل: الفريضة أو الواجب [الخطابي: معالم السنن: ٢/٢٢٤].

وحمايةً لها؛ قال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنَ الْمَدِينَةِ شِعْبٌ، وَلَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا حَتَّى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا» [مسلم: الصحيح، ١٣٧٤]، والنقب والشعب هو الطريق في الجبل [إكمال المعلم: ٤/٤٩٤]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ» [البخاري: الصحيح، ١٨٨٠]، ومن أراد أهلها بسوء أهلكه الله؛ قال صلى الله عليه وآله وسلم: «وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ إِلَّا أَذَابَهُ اللهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ، أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ» [مسلم: الصحيح، ١٣٦٣]، وهي تنفي الخبث؛ قال صلى الله عليه وآله وسلم: «المدينة كالكِير تَنْفِي شِرَارَهَا، وَيَنْصَعُ طِيبُهَا» [البخاري: الصحيح، ١٨٧١،مسلم: الصحيح، ١٣٨٢].

فضل زيارة سيدنا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - ومكانته في نفوس المسلمين، وفضل زيارة المسجد النبوي الشريف

  • الشفاعة النبوية لزُوار الضريح الشريف

إن زيارة المسجد النبوي والوقوف في رحابه من أعظم أمنيات المؤمنين، ومسك الختام لكل حاج ومعتمر؛ وقد تضافرت الأحاديث في فضلها؛ فعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شفاعتي» [الدار قطني: السنن، ٢٦٩٥، البيهقي: شعب الإيمان، ٣٨٦٢]، وعنه أيضًا قال: قال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لم تَنزِعه حَاجَةٌ إِلَّا زِيَارَتِي كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [الطبراني: المعجم الكبير ١٣١٤٩، المغني عن حمل الأسفار ص٣٠٦]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» [أحمد: المسند، ٧٧٣٤].

  • تقليد الزيارة عند الصحابة والمؤرخين

وقد ضرب الصحابة - رضوان الله عليهم - أروع الأمثلة في سَن هذا التقليد الرُّوحي البديع فور فراغهم من الحج؛ فكانوا يشُدون الرِّحال شمالًا صَوب المدينة المنورة لزيارة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - والصلاة في مسجده؛ قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله: "وكان الصحابة - رضي الله عنهم - إذا فرغوا من الحج، توجهوا إلى المدينة؛ لزيارة قبر حضرة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم" [ابن كثير، البداية والنهاية، ط: دار الفكر، ١٤٠٧هـ ٤ / ١٢٠]، واستمر هذا التقليد عبر العصور الإسلامية المختلفة، وأصبحت زيارة المدينة المنورة جزءًا لا يتجزأ من رحلة الحج بالنسبة لمُعظم الحُجاج، وبخاصة المصريين.

قال المقريزي - رحمه الله: "وكان الحُجاج لا يتركون زيارة المدينة المنورة بعد الحج، ويعتبرونها تمامًا لرحلة الحج" [المقريزي، الخطط والآثار، ط: دار الكتب العلمية، ١٤١٨هـ ٢ / ١١٥].

  • تنظيم مواكب الحجيج ولحظة الوصول المهيبة

وكانت هذه القوافل تسير في مواكبَ منظمَّة؛ قال ابن إياس:" وكان الحُجاج المصريون بعد فراغهم من الحج يتوجهون إلى المدينة المنورة في موكب منظم، يحرُسهم أمير الحج والجنود" [بدائع الزهور: ٢/٥٠]، وكانوا يعتمدون على مرشدِين يستدلون بالنجوم ليلًا، وبعلامات الأرض نهارًا، وكانت النساء تزرن المدينة أيضًا في قوافل خاصة أو مع أقاربهن، وكانوا يقضون بها من أسبوع إلى أسبوعين؛ قال ابن جبير: "وأقمنا بالمدينة المنورة عشَرة أيام كنا نصلي كل يوم في المسجد النبوي، ونزور قبر حضرة سيدنا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كلَّ يوم، ونزور شهداء أُحُد" [الرحلة ص٨٠]، وكانوا يوزِّعون الصدقات، وعند الوداع يَبكون؛ وكان الحُجاج يسجدون فرحًا عند رؤيتها من بعيد؛ قال ابن جبير: "حتى إذا بدت لنا قبة المسجد النبوي من بعيد، خرَرنا ساجدين شكرًا لله - عز وجل - وبَلَّت اللِّحى الدموعُ فرحًا" [الرحلة ص٧٥]، وقال ابن بطوطة: "فلما رأينا أسوار المدينة من بعيد، كبَّرنا وهللنا، وكبَّر معنا الجبل والصحراء" [تحفة النظار: ١/٢٣٠].

آداب زيارة حضرة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم -، والسلام عليه

  • التهيؤ الظاهري والباطني للزيارة

إن المُثول في حضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتطلب تهيؤًا باطنيًا بالخشوع، وظاهريًا بالنزاهة والخشوع؛ فيُندب للمتوجه أن يَلهج لسانه بالصلاة عليه طول الطريق، فإذا لاحت معالم النور زاد استعار الأشواق بالصلاة.

ومن السنة الغراء أن يغتسل، ويلبَس أطهر حُلله وأجمل ثيابه، ويتضوَّع بأزكى الروائح والمحاسن، ثم يسير بخطى وئيدة خفيضة، مطأطئ الرأس، مستحضرًا هيبة النبوة وكأنه يجلس بين يدي المصطفى كِفاحًا، فإذا ولج المسجد قدّم يمينه مستعيذًا بالله، ويقصد الروضة الشريفة فيركع ركعتين خفيفتين تحية للمسجد بجوار المنبر النبوي، ثم يفيض في الدعاء والابتهال [راجع: الإيضاح ص٤٤٧- ٤٤٨].

  • صيغة السلام أمام المواجهة الشريفة

فإذا روي من نمير الروضة الشريفة، تحرك بخطى وجلة، وقلب واجف، وعين هاملة بالدموع، نحو المواجهة الشريفة؛ فيقف قبالة الضريح الطاهر في أدب جم، مطأطئ الرأس، غاضًا بصره، خافضًا صوته؛ امتثالًا لزجر الحق سبحانه: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرۡفَعُوۤا۟ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِیِّ وَلَا تَجۡهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]، واسْتِشْعَارًا لهيبة النبوة. ويُسَلِّم على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في صوت خفيض، يملؤه الحب الجارف، والشوق الصادق، والتبجيل العظيم، قَائِلًا: "السلَامُ عليكَ يا سيدي يا رسولَ الله، السلَام عليك يا نبيَّ الله، السلَام عليكَ يا خِيرةَ الله، السلامُ عليكَ يا خَيْرَ خَلْقِ الله، السلَامُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ الله، السلامُ عَلَيْكَ يا نذير، السلامَ عليك يا بشيرُ، السلامُ عليكَ يا طُهْرُ، السلامُ عليك يا طاهِرُ، السلامُ عليكَ يا نبيَّ الرحمةِ، السلامُ عليك يا نبي الأَمَّةِ، السلامُ عليك يا أبا الْقَاسِمِ، السلَامُ عليكَ يا رَسُولَ رب العالمينَ، السلامُ عليك يا سيدَ المُرْسَلينَ، ويا خاتَم النَّبيين، السلامُ عليكَ يا خيرَ الخَلائِقِ أجْمَعينَ، السلامُ عليك يا قائد الغُر المُحَجَّلينَ، السَّلامُ عليكَ وَعَلى آلِكَ وأهْلِ بَيْتِكَ وأزواجِكَ وذُريتِكَ وأصحابِكَ أجمعين، السلَامُ عليكَ وَعَلى سائِرِ الأنبياءِ وجميع عِبادِ الله الصَالحينَ، جَزَاكَ الله يا رَسُولَ الله عَنَّا أَفضَل مَا جَزَى نَبيًأ وَرَسُولًا عَنْ أُمَتِهِ، وصلى الله عليك كُلَّمَا ذَكَرَكَ ذاكر، وغفَل عَنْ ذكرِكَ غَافِل، أفْضَلَ وَأكْمَلَ وأطْيَبَ مَا صَلَّى على أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ أجْمَعِينَ، أشْهَدُ أنْ لَا إِلهَ إِلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّكَ عَبْدُهُ ورسوله وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وأشْهَدُ أنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ الرسَالة، وَأدّيْتَ الأمَانَةَ، وَنَصْحَتَ الأَمَّةَ، وَجَاهَدْت في الله حَقَّ جهَادِهِ، اللَّهُمَّ وآتِهِ الوَسيلَةَ والفضيلَة، وابعثهُ مَقَامًأ مَحْمُودًأ الذي وَعَدْتَهُ، وآتَهِ نِهَايةَ ما ينبغي أَنْ يَسْأَلهُ السَّائِلُونَ"، وَمَنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِ هَذَا أَوْ ضَاقَ وَقْتُهُ عَنْهُ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهِ، وَأَقلهُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم [الإيضاح في مناسك الحج والعمرة ص٤٥٣].

  • السلام على الصاحبين وحكاية العتبي

ثم يتحول يمينًا قدر ذراع ليَمثل أمام رأس الصديق أبي بكر - رضي الله عنه - فيقول: "السلام عليك يا خليفة رسول الله، السلام عليك يا ثاني اثنين إذ هما في الغار... رضي عنك وأرضاك". ثم يخطو يمينًا قدر ذراع آخر ليقف قبالة رأس الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -فيقول: "السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا مَظهر الإسلام، وفاروق الأمة... رضي عنك وأرضاك".

ثم يُفيض في الدعاء مستشفعًا، ومن بدائع ما يُستحضر هنا ما رواه العتبي قال: كنت جالسًا عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ جَاۤءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِیمًا﴾ [النساء: ٦٤]، وقد جئتك مستغفرًا من ذنبي، مُسْتَشْفِعًا بِكَ إِلَى رَبّيِ، ثُمَّ أنْشَأ يقول:

يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أعْظُمُهُ … فَطَابَ مِنْ طِيبهِن القاعُ والأكَمُ

نَفْسِي فِدَاءٌ لِقَبْر أَنْتَ سَاكِنُهُ … فِيهِ العَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ

أَنْتَ الشفِيعُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُه … عَلَى الصِّراطِ إِذَا مَا زَلَّتِ القَدَمُ

وَصَاحِبَاكَ فَلَا أَنْسَاهُمَا أبَدًأ … مِنّي السَّلَامُ عَلَيْكُمْ مَا جَرَى الْقَلَمُ

 قال: ثم انصرف فغلبتني عيناي فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في النوم فقال: يَا عُتْبي: الْحَقْ الأَعْرَابِيَّ وَبَشّرْهُ بِأن الله تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لَه [الإيضاح ص٤٥٤-٤٥٥].

وقد وصف ابن بطوطة زيارته فقال: "ثم دخلنا المسجد النبوي، وتوجهنا إلى الحجرة الشريفة، وسلَّمنا على حضرة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى صاحبَيه سيدِنا أبي بكر وسيدِنا عمرَ رضي الله عنهما، وخرجنا والدموع تملأ أعيننا" [تحفة النظار: ١/٢٤٠]، وقال ابن جبير: "ورأيتُ من الحُجَّاج من يبكي عند قبر حضرة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكاءً شديدًا حتى كادوا يغشى عليهم" [الرحلة ص٧٨].

  • اغتنام زيارة المشاهد والصبر على الشدائد

وينبغي للزائر الأريب اغتنامُ ساعاتِ وجوده بالصلوات وزيارة المعالم المأثورة؛ كالبقيع داعيًا لأهله، وشهداء أحُدٍ مبتدئًا بسيد الشهداء حمزة عمِّ النبي صلى الله عليه وسلم، ومسجد قُباء صباح السبت لنَيل أجر العمرة لحديث: «صَلَاةٌ في مَسْجِدِ قُبَاء كَعُمْرَةٍ» وبئر أَرِيس، وسائر المشاهد والآبار السبع [الإيضاح ص٤٥٧-٤٥٨].

ومن تمام فقه الإقامة: الصبر الجميل على لأوائها وجهد حرها وعيشها؛ فلقد غمرتْها بركة دعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ إذ قال: «وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ» [مسلم: الصحيح، ١٣٦٠]، وقال أنس رضي الله عنه قال - صلى الله عليه وآله وسلم -: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ» [البخاري: الصحيح، ١٨٨٥،مسلم: الصحيح، ١٣٦٩]، والظاهر أن البركة في نفس المَكيل، بحيث يَكفي المد فيها لمن لا يكفيه في غيرها [النووي: شرح مسلم، ٩ /١٤٢]، وقيل: البركة في عظيم الثواب [فتح الباري: ٤/٩٨]. ولقد ضمِن الشارع الحكيم للصابرين على وعثائها حسنَ العاقبة؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ... وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا، أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [مسلم: الصحيح، ١٣٦٣]، وفي لفظ آخر: «لا يَصْبِرُ على لَأْوَاءِ المَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ شَهِيدًا» [مسلم: الصحيح، ١٣٧٨]، فإذا دنا وقتُ الوداع، وأزِفت ساعة الرحيل، صلى بالمسجد ركعتين، وأتى المواجهة الشريفة مسلِّماً سلام مودِّع، يحمل قلبه بين كفه، ضارعاً إلى الله ألا يكون هذا آخرَ العهد بحرمِه الطاهر، وأن يُوردَه حوض صاحب المقام المحمود صلوات ربي وسلامه عليه.

الخلاصة

تتكامل في المدينة النبوية طهارةُ الأرض وبركةُ السماء، لتظل حرمًا محميًا بالملائكة، مشحونًا بالبشائر لمن صبر على لأوائها، فطوبى لمن حلَّ بساحتها زائرًا متأدبًا، ليفوز بشفاعة صاحب المقام المحمود يوم العرض والنشور.

موضوعات ذات صلة

المدينة المنورة ليست مجرد مكان، بل ميدان رحمة، ومهد لأعظم منهج سماويّ.

ما السر الذي جعل المدينة المنورة مأرز الإيمان وموطن السكينة؟ 

الأدب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فريضة إيمانية كبرى وترجمة صادقة للمحبة الواجبة.

لا يُذكر أثره ﷺ إلا وتهتز الأرواح، وتلين القلوب، وتُشرق الأكوان بنورٍ لا يُطفأ.

هل التكبير الجماعي والجهر به في العيدين سنة متبعة أم بدعة محدثة؟