يمثل الثامن عشر من يونيو علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث؛ حيث تتلاقى فيه ذكرى إعلان الجمهورية مع جلاء آخر جندي بريطاني، ليتوج نضالًا طويلًا خاضه الشعب المصري من أجل الحرية والسيادة الوطنية، وليرسخ أسس دولة قوية تعتمد على أبنائها.
يمثل الثامن عشر من يونيو علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث؛ حيث تتلاقى فيه ذكرى إعلان الجمهورية مع جلاء آخر جندي بريطاني، ليتوج نضالًا طويلًا خاضه الشعب المصري من أجل الحرية والسيادة الوطنية، وليرسخ أسس دولة قوية تعتمد على أبنائها.
إن قراءة مسار الجلاء تقتضي تفكيك المحطات التاريخية الحاضنة لهذا الإنجاز، والتي تبرهن على أن الحقوق التاريخية لا تضيع ما دام وراءها شعب يرفض المساومة على سيادته.
إلغاء معاهدة ١٩٣٦ (١٥ أكتوبر ١٩٥١م)
شكل قرار رئيس الوزراء مصطفى النحاس بإلغاء المعاهدة نقطة التحول الفاصلة؛ حيث تحول النضال من الأطر القانونية العقيمة إلى ساحات الكفاح المسلح الفعلي في منطقة القناة.
انطلاق ثورة ٢٣ يوليو (٢٣ يوليو ١٩٥٢م)
أعاد تنظيم الضباط الأحرار صياغة البنية السياسية والعسكرية لمصر، ووفر الغطاء الإستراتيجي والدعم المطلق لحركات المقاومة الشعبية ضد القوات البرية البريطانية.
إعلان الجمهورية المصرية (١٨ يونيو ١٩٥٣م)
ألغت الثورة بموجبه النظام الملكي وأعلنت قيام الجمهورية برئاسة اللواء محمد نجيب، مما عكس الرغبة الحقيقية في إعادة صياغة الدولة بأيدي أبنائها.
توقيع اتفاقية الجلاء (١٩ أكتوبر ١٩٥٤م)
وقعها رئيس مجلس الوزراء جمال عبد الناصر مع الجانب البريطاني، لتبدأ المرحلة الفعلية لانسحاب القوات الاستعمارية وفق جدول زمني محكم استغرق عشرين شهرًا.
الرحيل الكامل وعيد الجلاء (١٨ يونيو ١٩٥٦م)
شهد خروج آخر جندي بريطاني من قاعدة السويس وصعود العلم المصري فوق مبنى البحرية ببورسعيد، وهو المشهد التاريخي الذي وثق الاستقلال الفعلي والتام للبلاد.
لم يكن يوم الجلاء وليد الصدفة الفجائية بل جاء نتاجًا لتراكمات كفاحية مريرة بدأت منذ دخول القوات البريطانية مصر عام ١٨٨٢م في أعقاب الثورة العرابية؛ حيث واجه المستعمر مقاومة شعبية شرسة تجددت دماؤها في ثورة ١٩١٩م التي صاغت مفهوم الأمة الموحدة، وصححت مسار المطالبة بالاستقلال التام الذي ظل منقوصًا بفعل التحفظات الأربعة ومعاهدة ١٩٣٦م الدائرة في فلك المصالح الاستعمارية.
اعتمدت الدولة المصرية في انتزاع استقلالها على إستراتيجية متكاملة تضافرت فيها الجهود الشعبية المسلحة مع الحنكة الدبلوماسية، إذ شكلت حرب الفدائيين في منطقة القناة عقب إلغاء معاهدة ١٩٣٦م ضغطًا استنزافيًا هائلًا على معسكرات الاحتلال البريطاني، بينما تولت القيادة السياسية بعد ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م إدارة ملف المفاوضات برؤية صلبة فرضت على الجانب البريطاني الإقرار بحتمية الرحيل وفق جدول زمني محكم تم توثيقه في اتفاقية الجلاء التاريخية.
وتؤكد الوثائق التاريخية لوزارة الخارجية المصرية ومذكرات قادة الحركة الوطنية أن التفاوض الدبلوماسي لم يكن ليعطي ثماره لولا وجود ظهير شعبي فدائي يهدد الوجود العسكري البريطاني بشكل يومي، وهو ما صاغ معادلة تفاوضية رجحت كفة الحق المصري وصنعت النصر.
الدروس والعبر المستفادة من كفاح الشعب المصري
تقدم الملحمة التاريخية لإنهاء الاحتلال الأجنبي حزمة من المبادئ الإستراتيجية التي تشكل مرجعية دقيقة لصناع القرار وللباحثين في العلوم السياسية والتاريخية الحديثة:
سيظل الثامن عشر من يونيو حجر الزاوية في بناء الهوية المصرية الحديثة، وشاهدًا حيًّا على أن التحرر ليس حدثًا عابرًا بل هو صيرورة مستمرة من البناء والذود عن مقدرات الوطن، لتستلهم منه الأجيال الحاضرة والمستقبلية قيم الصمود والاعتماد على الذات في مواجهة شتى التحديات الحضارية والإستراتيجية.
ربط التاريخ الوطني بالمقاصد الشرعية يبني الوعي ويحمي هوية الأجيال.
الوعي الديني الوسطي يفكك منطلقات التطرف، وحماية الدولة واجب شرعي.
يوم الجلاء رمز العزة؛ جسد النصر المبين والجهاد لحرية الوطن.
الأمنُ أساسُ بناءِ الدولِ ومقصدٌ شرعيٌّ، حمايتُه واجبٌ لمستقبلٍ مزدهرٍ.