Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

من التحرير العسكري إلى البناء الحضاري .. صياغة العهد المتجدد وصناعة الوعي

الكاتب

هيئة التحرير

من التحرير العسكري إلى البناء الحضاري .. صياغة العهد المتجدد وصناعة الوعي

يشكل العبور من مرحلة التحرير العسكري إلى آفاق البناء الحضاري نقطة تحول حاسمة في مسيرة الأمم الساعية للسيادة والرفعة، وهذا الانتقال لا يتحقق إلا من خلال عهد متجدد يرتكز على صناعة وعي متطور هو الأساس في تشييد أركان الدولة الحديثة.

التحرير العسكري بداية صلبة للانطلاق

لن تستطيع أية دولة بداية رحلة بناء وحضارة دون أن تملك قرارها السيادي ودون أن تتحرر من القيود التي تكبل إرادتها، فالتحرير العسكري بجانب كونه انتصارًا في معركة أو استرداد لأرض محتلة هو إعلان عن ولادة فرصة جديدة للحياة، وهو خطوة أولى ضرورية للتحرر من التبعية والضعف، ودماء الشهداء وبطولات الجيش توفر المظلة الأمنية التي لا يمكن لعجلة التنمية أن تدور من غيرها، وبدونها تظل خطط البناء الحضاري مجرد أحلام مهددة بالانهيار عند أول هزة أمنية.

مفهوم العهد المتجدد وعقد المواطنة

عند خوض معركة البناء تكون الحاجة إلى تكوين رؤية عامة عن العهد المتجدد، هذا المفهوم الجديد يعبر عن صياغة عقد اجتماعي وسياسي وفكري جديد بين القيادة والشعب، وبين المواطن ووطنه، عهد يتجاوز أدبيات الصمود والدفاع لينتقل إلى استراتيجيات الإنتاج والإبداع، عهد يتطلب تحديثًا شاملًا في رؤيته، وتطويرًا في الأداء المؤسسي، وتَبني فلسفة إدارية واقتصادية تواكب العصر، هو التزام أخلاقي ووطني بأن تظل روح الانتصار العسكري حية وموجهة نحو تحقيق انتصارات تنموية وعلمية وثقافية حتى نضمن للدولة الحديثة استمراريتها وتجدد شبابها.

صناعة الوعي هي الأداة الاستراتيجية لبناء الدولة الحديثة

إذا كان التحرير العسكري يحتاج إلى السلاح فإن البناء الحضاري يحتاج إلى الوعي، وصناعة الوعي هي السلاح الفكري الأهم في مرحلة بناء الدولة الحديثة؛ لأن عدم الوعي أو غياب الوعي والشائعات والأفكار الهدامة من عوامل الهدم التي قد تدمر ما عجز عن تديره الأعداء، وتشمل صناعة الوعي:

  1. الوعي التاريخي والجغرافي: فلا يمكن أن يدافع أحد عن مشروع حضاري لبلاده وهو يجهل تاريخها أو يستخف بموقعها الجغرافي، فصناعة الوعي تبدأ من ربط الإنسان بجذوره التاريخية، وتعريفه بحجم التضحيات التي قُدمت في مرحلة التحرير العسكري، كما تشمل فهم الجغرافيا السياسية وأبعاد الأمن القومي، ليدرك المواطن أن حدود دولته ترتبط بوجوده ومستقبله.
  2. الوعي التنموي (الشراكة في معركة البناء): ففي مرحلة التحول نحو البناء الحضاري تواجه الدول تحديات اقتصادية واجتماعية جسيمة تتطلب قرارات جريئة وإصلاحات هيكلية؛ لذا تجد دور الوعي التنموي مهمًّا ليوضح للمواطن حقيقة الواقع الذي يعيشه ويبين له أهداف الخطط الاستراتيجية للدولة، وعندما يمتلك المواطن هذا الوعي يتحول من مستهلك أو منتقد إلى موقف شريك فاعل يتقبل التحديات، ويساهم بجهده وترشيده في إنجاح المشروعات القومية، مدركًا أن التنمية تحتاج إلى وقت وصبر لتنضج.
  3. الوعي الفكري والديني (تحصين العقول ونشر التنوير): فتتعرض الدول الحديثة باستمرار لمحاولات اختراق فكري عبر بث سموم التطرف والشائعات والأفكار الهدامة التي تسعى إلى ضرب النسيج الاجتماعي وإشعال الفتن الطائفية أو الفئوية، وبناء الوعي الفكري يعتمد على تفكيك هذه الخطابات المتطرفة وتقديم بديل مستنير يرتكز على قيم التسامح والقبول بالآخر، والمواطنة الكاملة دون تمييز، ويسهم تجديد الخطاب الفكري والديني ليتواكب مع متطلبات العصر في خلق مجتمع يقدس العلم والعمل، ويثق في مؤسساته الوطنية، ويقف حائط صد منيع أمام أي محاولة للاستقطاب أو التضليل.

وينبغي أن نفطن إلى أن صناعة الوعي استثمار طويل الأجل في رأس المال البشري، وهي الضمانة الوحيدة لتحويل الانتصار العسكري الخاطف إلى نهضة حضارية مستدامة، فيصبح كل مواطن بمثابة حارس واع يحمي منجزات وطنه ويشارك في صياغة مستقبله.

من الثمار الكبرى لاستقرار الدولة البناء الحضاري

النظرة إلى البناء الحضاري للدولة مبدأ أصيل في الدولة الإسلامية، وقد تجلّى ذلك في اهتمام صاحب الجناب المعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالبناء الحضاري للدولة منذ اللحظات الأولى لوصوله إلى المدينة المنورة، فكانت رسالته مشروعًا نهضويًّا متكاملاً يستهدف بناء إنسان حضاري، وتأسيس دولة مؤسسات قوية ومتوازنة؛ لذا وضع المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم الأسس التشريعية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية لنقل المجتمع القبلي المتفرق إلى دولة قائدة للحضارة الإنسانية، وتتمثل أبرز ملامح هذا الاهتمام في التخطيط العمراني وتأسيس المركز الحضاري والإداري للدولة (المسجد النبوي)، وفي تقوية النسيج الاجتماعي للدولة بالمؤاخاة بين الأوس والخزرج، ووثيقة المدينة، وفي السعي إلى بناء اقتصاد قوي مستقل للدولة بتأسيس سوق إسلامي مستقل بالمدينة وصياغة قوانين التجارة التي ترسم حدود التعامل المالي بين الناس بتحريم الربا والغش والاحتكار، والاهتمام بتقوية الدولة بالعلم والمعرفة، والحث على التعامل بتنمية مستدامة في الموارد الطبيعية؛ لأنها ركيزة أساسية في البناء الحضاري، كإحياء الموات وترشيد الاستهلاك وعدم الإسراف.

لذلك يتجسد البناء الحضاري في التحول الملموس من دولة تكافح من أجل البقاء إلى دولة تصنع المستقبل، هذا البناء لا يقتصر على تشييد المدن الذكية وشق الطرق وبناء المصانع على الرغم من أهميتها القصوى، وإنما يمتد ليشمل بناء الإنسان نفسه تعليميًّا وصحيًّا وثقافيًّا، والبناء الحضاري هو منظومة متكاملة تتناغم فيها البنية التحتية المتطورة مع العقول المستنيرة والأنظمة التشريعية العادلة، وهو انتقال بالدولة لتصبح قوة في المعادلة الإقليمية والدولية ومساهمة في الحضارة الإنسانية الحديثة.

الخلاصة

يمثل الانتقال من التحرير العسكري إلى البناء الحضاري العبور الحقيقي نحو الاستقرار والتقدم المستدام، ويتطلب هذا الأمر تفعيل العهد المتجدد كاستراتيجية وطنية شاملة تعتمد على صناعة الوعي كأداة لا غنى عنها لتحصين العقول وبناء الإنسان.

موضوعات ذات صلة

إن حرب السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣م ستظل مصدر فخر وإلهام للأجيال القادمة.

من قلب حضارةٍ عريقة، تنبثق من مصر اليوم بوصفها منارة حضارية وسياحية معاصرة.

هل يمكن أن يكون الوعي هو الفاصل بين النجاة والضياع؟

  كيف تتحول لحظة تاريخية إلى مدرسة في الوعي والإصلاح؟

  ترتكز حقيقة الإسلام على البر والقسط، بينما تروج النابتة لسراب القطيعة الذي يزيف العقيدة.

موضوعات مختارة