وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
تمثل الهجرة في التاريخ الإسلامي خطة ذكية لحماية الدعوة وتأمين مستقبلها؛ حيث جاءت الهجرة الأولى إلى الحبشة كحلٍّ اضطراري هربًا من تعذيب قريش للمسلمين، بهدف النجاة بالنفس وحفظ الدين من الإبادة، وكان اختيار الحبشة سببه وجود حاكم عادل يحمي من يلجأ إليه؛ فعن أم سلمة قالت: لما ضاقت علينا مكة وأوذي أصحاب رسول الله قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:«إنَّ بأرض الحبشةِ ملِكًا لا يُظلَمُ أحدٌ عنده، فالْحقوا ببلادِه حتى يجعل اللهُ لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتُم فيه» [أخرجه أحمد في مسنده حديث رقم: ١٧٤٠]، وكان الهدف هو العيش المؤقت كأقلية آمنة تحترم قوانين البلد المضيف، أما الهجرة إلى المدينة المنورة، فلم تكن مجرد هروب من الأذى، بل كانت خطوة استراتيجية كبرى لتأسيس دولة قوية؛ وقد اخبرهم رسول الله عن المدينة فقال: «أُرِيتُ دارَ هجرتِكم بسَبِخةٍ ذاتِ نَخْلٍ بين لابتَيْنِ» [أخرجه البخاري في صحيحه حديث رقم: ٢٢٩٩]، وقد استغل المسلمون الفراغ السياسي والاجتماعي في المدينة بعد الحروب الأهلية لإنشاء نظام حكم جديد بقيادة النبي فقد أكدت السيدة عائشة رضي الله عنها أن الحروب الأهلية بالمدينة أفنت قادتها وشتتت شملهم، مما خلق فراغًا سياسيًا مهّد لسيادة النظام الإسلامي؛: «كَانَ يَوْمُ بُعَاثَ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَدِمَ وَقَدْ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ، وَقُتِلَتْ سَرَوَاتُهُمْ»، وسراة القوم هم أشرافهم، وسادتهم، وعقلاؤهم، وأصحاب القرار فيهم" [أخرجه البخاري (رقم: ٣٧٧٧)]؛ فكان هذا التمزق سببًا لالتفافهم حول قيادة النبي - صلى الله عليه وسلم - لجمع شتاتهم وبناء الدولة، كما أن الهجرة إلى المدينة جاءت بناءً على اتفاق سياسي وعسكري لحماية الدعوة؛ فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، في قصة بيعة العقبة، قَالَ: ... فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَالنَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ تَقُولُوا فِي اللهِ لَا تَخَافُونَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ، وَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمُ الْجَنَّةُ» [أخرجه مسلم في صحيحه حديث رقم: ١٧٠٩]، وبذلك تحول المسلمون من مجرد جماعة تبحث عن الأمان في الحبشة، إلى بناة دولة ومؤسسات ودستور في المدينة.
تميزت الحبشة بكونها (بيئة التسامح الحقوقي): ذات امتداد جغرافي مستقل خارج الجزيرة العربية، يحكمها نظام مَلكي مستقر قائم على القانون والعدالة الاجتماعية، اتسم مجتمعها بالانسجام الديني تحت مظلة النصرانية، مما وفر للمسلمين ملاذًا إنسانيًا معزولًا تتوفر فيه "الحرية الدينية" كأقلية مكفولة الحقوق، دون وجود أي أطماع أو مبررات للتنافس على السلطة، بينما المدينة المنورة (بيئة التعددية السياسية): تمثلت في واحة زراعية ذات موقع استراتيجي يشرف على شريان قريش الاقتصادي، وتميز تركيبها السكاني بالتعددية العرقية والدينية (أوس وخزر، وقبائل يهودية، ومشركون)، كانت تعيش تفككًا في بنيتها القبلية نتيجة غياب القيادة الموحدة، لذا كانت المدينة أرضًا جاهزة لاستقبال النبي - صلى الله عليه وسلم - ليكون هو القائد الأعلى الذي يصالح بين قبائلها، ويضع دستورًا يحقق الأمان، ويبني أول دولة حقيقية في المنطقة.
أهداف الهجرة إلى الحبشة تحددت في الجانب الإنساني وحماية حقوق الإنسان؛ حيث كان الهدف الأساسي هو "حماية المؤمنين وحفظ الدين"، وإيجاد مكان آمن يمارس فيه المسلمون عبادتهم بحرية بعيدًا عن مقاطعة قريش وظلمها، كما هدفت إلى تقديم الإسلام للعالم من خلال حوار سيدنا جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - مع المَلك النجاشي؛ [أخرجه أحمد في مسنده حديث رقم: ١٧٤٠] في سياق رسالة النبي وصناعة العلاقات الدبلوماسية. بالإضافة إلى توفير ملجأ بديل يحمي المسلمين من الإبادة إذا تمكنت قريش من القضاء عليهم في مكة، أما أهداف الهجرة إلى المدينة المنورة فكانت خطوة متقدمة؛ إذ تمثلت في "الانتقال من مرحلة الضعف إلى مرحلة القوة السياسية والعسكرية"، وتحويل المسلمين من جماعة مضطهدة إلى دولة ذات سلطة قادرة على حماية مبادئها في تأسيس ركائز الدولة وبناء المسجد، هذا ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها الطويل في هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيه:«... فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - المَدِينَةَ... فَقَامَ بِالْمَدِينَةِ تِلْكَ العَشْرَ العَشِيرَةَ، ثُمَّ أَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ...» [أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، رقم: ٣٩٠٦]، فالرواية تعني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام في أول دخوله المدينة المنورة (وتحديدًا في منطقة قُباء في بني عمرو بن عوف) مدة عشر ليالٍ قبل أن ينتقل إلى قلب المدينة ويبدأ ببناء مسجده والبيوت المحيطة به، واكتملت هذه الأهداف بإنشاء مفهوم "المواطنة" وتوحيد الجبهة الداخلية لمواجهة الأخطار الخارجية، وقد أخرج البخاري في صحيحه أصل هذا التنظيم السياسي والاجتماعي من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال:«... حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِنَا» [أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، رقم: ٦٠٨١].وفي رواية أخرى تبين ركيزة تنظيم العلاقات والحقوق والواجبات بين جميع الطوائف (بما فيهم اليهود) لحماية المدينة، فعن أنس رضي الله عنه أيضًا :«أَنَّهُ أَمَّنَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، وَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا» [أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط، رقم: ٢٧١١].
وبناءً على ذلك، كان هدف الحبشة هو "تأمين البقاء"، بينما كان هدف المدينة هو "بناء الدولة"
أثمرت الهجرة إلى الحبشة نتائج دبلوماسية وحقوقية بعيدة المدى؛ حيث نجح المسلمون في كسب اعتراف دولي مبكر بدينهم الجديد من قِبل مملكة مسيحية مستقلة، مما أفشل جهود قريش المحمومة في ملاحقتهم واستردادهم؛ في خيبة وفد قريش: «فردَّ عليهما هداياهما ولم يقبل منها شيئًا» [أخرجه أحمد في مسنده حديث : رقم: ١٧٤٠]، كما شكّلت الحبشة عمقًا استراتيجيًا ومخزونًا بشريًا آمنًا حفظ النواة الأولى للمسلمين حتى عادوا بعد سنوات طويلة ليلتحقوا بصفوف الدولة الفتية عقب استقرارها؛ في فرحة النبي بعودتهم: «قَدِمَ جَعْفَرٌ حِينَ فَتَحَ خَيْبَرَ» [أخرجه البخاري في صحيحه حديث: رقم: ٣١٢٠] فالحديث يُلخّص فرحة النبي - صلى الله عليه وسلم - الكبرى بحدثين عظيمين تزامنا في نفس الوقت، وهما: انتصار المسلمين في فتح خيبر، ووصول جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ومن معه من المهاجرين العائدين من الحبشة.
أما الهجرة إلى المدينة المنورة، فقد أحدثت تحولًا جذريًا غير مجرى التاريخ؛ إذ تمخضت عن تأسيس أول كيان سياسي وقانوني مستقل للمسلمين، وذابت العصبيات القبلية تحت مظلة عقدية واقتصادية متكاملة؛ في نجاح مشروع المؤاخاة، ونقلت الهجرة الإسلام من مرحلة الدفاع والدعوة السرية إلى مرحلة القوة العسكرية الشاملة والسيادة الإقليمية، مما مهد لإنهاء الوجود الوثني في الجزيرة العربية والانطلاق نحو الفتوحات العالمية في انطلاق الغزوات وبناء القوة بعد الهجرة، وبذلك نقلت الهجرتان الإسلام من "مرحلة الوجود" إلى "مرحلة السيادة والشهود".
إن الهجرتين لم تكونا مجرد هروب من بطش قريش، بل كانتا جزءًا من رؤية نبوية استراتيجية متكاملة؛ حيث نجحت الهجرة إلى الحبشة في توفير العمق الحقوقي والإنساني الذي حفظ نواة المجتمع المسلم، بينما استغلت الهجرة إلى المدينة الفراغ السياسي لبناء دولة القانون والمواطنة، وبذلك تكاملت المحطتان في حماية الدعوة؛ فبينما أمّنت الحبشة "البقاء والوجود"، وضعت المدينة حجر الأساس لـ"السيادة والانتشار العالمي"، مما يثبت أن التخطيط القائم على فهم الواقع هو ركيزة النجاح في تاريخ الإسلام.
يتجلى الإيثار، السر الأعظم من أسرار الهجرة النبوية
الهجرة النبوية كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، ومكانته في المجتمع؛
نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل، سلوك المحب للطاعة
تولى سيدنا عبد الله بن أبي بكر مهمة جمع الأخبار ورصد تحركات قريش.