Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الصبر والمقاومة المحنة صنعت أعظم تحول في التاريخ

الكاتب

هيئة التحرير

الصبر والمقاومة المحنة صنعت أعظم تحول في التاريخ

من أعظم المعاني التي تتجلى في الهجرة النبوية معنى الصبر والمقاومة؛ فهما الركيزتان اللتان قام عليهما المشروع النبوي في مرحلته المكية والمدنية، وبهما انتقل المسلمون من حالة الاضطهاد إلى بناء الدولة، ومن دائرة الحصار إلى فضاء التمكين.

الهجرة ثمرة ثلاثة عشر عامًا من الصبر

من الأخطاء الشائعة النظر إلى الهجرة باعتبارها بداية الطريق، بينما الحقيقة أنها كانت ثمرة مرحلة طويلة من الصبر والكفاح استمرت ثلاثة عشر عامًا في مكة.

فقد تعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لألوان شتى من الأذى والاضطهاد؛ سخريةً وتشويهًا ومقاطعةً وتجويعًا وتعذيبًا ومطاردةً. [ينظر: سيرة ابن هشام ٢ / ٩٣]

قال تعالى: {وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلࣱ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ ‌حَتَّىٰۤ ‌أَتَىٰهُمۡ ‌نَصۡرُنَاۚ} [الأنعام: ٣٤]، وكان هذا التوجيه القرآني يرسخ في النفوس أن النصر لا يأتي قفزًا على سنن الله، وإنما يأتي بعد استيفاء أسباب الصبر والثبات.

ولهذا رفض النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل أشكال المقاومة المنفلتة التي تدفع إليها الانفعالات العابرة، فلم يأذن لأصحابه بالقتال في مكة رغم شدة ما نالهم من ظلم، لأن المرحلة كانت مرحلة بناء الإنسان لا مرحلة المواجهة المسلحة.

ومن هنا تتجلى عبقرية المنهج النبوي في تربية النفوس على الانضباط والصبر قبل تمكينها من أدوات القوة.

المقاومة في الإسلام ليست عدوانًا

من أهم ما ينبغي بيانه أن مفهوم المقاومة في الإسلام يختلف جذريًا عن مفاهيم العنف والفوضى والانتقام.

فالمقاومة في الرؤية الإسلامية هي مقاومة الظلم بالوسائل المشروعة، ومقاومة الجهل بالعلم، ومقاومة الفساد بالإصلاح، ومقاومة اليأس بالأمل.

ولهذا كانت السنوات المكية كلها مقاومة فكرية وأخلاقية وروحية.

لقد قاوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشرك بالتوحيد، والجهل بالمعرفة، والعصبية بالأخوة الإنسانية، والتمييز بالعدل.

فكانت دعوته أعظم مشروع مقاومة حضارية عرفه التاريخ.

صبر النبي ليلة الهجرة

عندما أجمعت قريش أمرها على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأحاط المشركون ببيته، لم يكن المشهد مشهد خوف أو انهيار، بل كان مشهد يقين وثقة بالله.

خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بين أعدائه وقد أخذ بالأسباب كلها، ثم فوّض الأمر إلى الله، وهنا تتجلى العلاقة الوثيقة بين الصبر والتوكل. [مختصر دمشق لابن عساكر ج١٣ص ٥١]

فالصبر في الإسلام ليس استسلامًا للعجز، وإنما هو عمل دءوب مقرون بالثقة في الله.

وقد لخص القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿‌وَمَن ‌یَتَوَكَّلۡ ‌عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥۤ﴾ [الطلاق: ٣] 

الغار: مدرسة في صناعة اليقين

بلغت المطاردة ذروتها عندما وصل المشركون إلى باب الغار، وكان الموقف في المقاييس البشرية بالغ الخطورة؛ حتى قال سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: «لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا».

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» [أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب المهاجرين وفضلهم منهم أبو بكر  رضي الله عنه  رقم الحديث (٣٦٥٣)].

إنها كلمة تختصر فلسفة الصبر كلها؛ فالمؤمن لا يقيس الأمور بمعادلات القوة المادية وحدها، بل يدرك أن وراء الأسباب مسبب الأسباب، وأن معية الله إذا حضرت انهارت كل حسابات البشر.

ولهذا استحق هذا الموقف أن يخلده القرآن الكريم بقوله تعالى:﴿إِذۡ ‌یَقُولُ ‌لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ﴾ [التوبة: ٤٠] 

الهجرة نموذج للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل

من يقرأ تفاصيل الهجرة يجد نموذجًا فريدًا للتوازن بين الإيمان والعمل.

فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم: اختار الوقت المناسب، واستعان بدليل للطريق، واتخذ طريقًا غير معتاد، وهيأ وسائل التموين، ونظم جمع المعلومات.

ومع ذلك كله كان قلبه معلقًا بالله، وهذا يرد على اتجاهين منحرفين:

الأول: يظن أن الصبر يعني ترك الأسباب.

والثاني: يظن أن الأسباب وحدها تكفي.

أما المنهج النبوي فيجمع بين الأمرين

من صبر الأفراد إلى بناء الحضارة

لم تكن الهجرة مجرد نجاة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وإنما كانت بداية مشروع حضاري عالمي، ففي المدينة تأسست: دولة القانون، ووثيقة المواطنة، ومبادئ التعايش، والأخوة الإنسانية.

وهنا تتجلى سنة عظيمة من سنن الله:

أن الحضارات الكبرى لا تولد من الترف، وإنما تولد غالبًا من رحم المعاناة.

فكل ما تحمله المسلمون من أذًى في مكة تحول في المدينة إلى طاقة بناء وعمران.

الهجرة وبناء الإنسان

من الدروس المهمة في الهجرة أن بناء الإنسان يسبق بناء الدولة.

فقد قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سنوات طويلة يغرس: العقيدة، والأخلاق، والصبر، والانضباط، حتى إذا جاءت لحظة التمكين وجد رجالًا قادرين على حمل الرسالة.

ولهذا فإن الأمم التي تبحث عن التغيير دون بناء الإنسان إنما تخالف السنن التي قامت عليها الهجرة.

الصبر في مواجهة أزمات العصر

إن عالمنا المعاصر يعيش صورًا متعددة من الضغوط الاقتصادية والنفسية والاجتماعية والفكرية،وكثير من الناس يريد الحلول السريعة والنتائج الفورية.

لكن الهجرة تعلمنا أن التغيير الحقيقي يحتاج إلى:

أ‌-   صبر طويل.

ب‌-  عمل متواصل.

ج- ثبات على المبادئ.

فكما صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث عشرة سنة قبل التمكين، فإن إصلاح المجتمعات لا يتم بين عشية وضحاها.

الخلاصة

لقد كانت الهجرة النبوية أعظم درس عملي في الصبر والمقاومة الإيجابية، علمتنا أن الصبر ليس ضعفًا، بل قوة أخلاقية وروحية، وعلمتنا أن المقاومة ليست فوضى ولا انتقامًا، وإنما هي ثبات على الحق، وعمل دءوب للإصلاح، وبناء للإنسان والحضارة.

موضوعات ذات صلة

تجلّت في غار ثور ورحلة الهجرة أسمى صور الرعاية الإلهية والمعجزات النبوية.

  تُمثّل الهجرة النبوية الشريفة أعظم نقطة تحول في تاريخ الإسلام.

تُمثل الهجرة النبوية المشرفة محطة فارقة في تاريخ الإسلام.

 تحول الإسلام فيها من مرحلة الاستضعاف والصبر بمكة، إلى مرحلة التمكين.

انتقلت الدعوة الإسلامية بالهجرة النبوية من مرحلة الحصار والاضطهاد في مكة إلى فضاء التمكين وبناء الدولة.