وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
للمرأة قيمة وأهمية عظيمة في الدين الإسلامي عديدة وقد تجلى هذا التكريم في الكثير من آيات القرآن الكريم والاحاديث النبوية الشريفة، وقد شمل هذا التكريم جميع مراحل المرأة في حياتها، سواء كانت بنتًا، كما في قول النبي ﷺ : «مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ»، أو كانت زوجة، كما جاء في الحديث الشريف «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»، كما كرمها الإسلام أيضًا في كونها امًا، فقال سبحانه وتعالى: {وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍۢ}، ومن صور التكريم الإلهي للمرأة أن الله -سبحانه وتعالى- خص النساء بسورة كاملة في القران الكريم سميت بسورة النساء، وهذا يوضح مدى تكريم الإسلام للمرأة، فالإسلام كرمها وصانها، وحفظ لها حقوقها، لا يجوز الاعتداء عليها أو التفريط فيها .
للمرأة
دور عظيم في أحداث الهجرة النبوية المباركة لو تأملنا فى حادث الهجرة لوجدنا لكل
من السيدة أسماء بنت أبى بكر والسيدة عائشة -رضي الله عنهما- دورًا بارزًا،
لم يتوقف دور المرأة بانتقال السيدة خديجة رضي الله عنها إلى الرفيق الأعلى، بل كانت البداية ونقطة الانطلاق لما بعدها من أدوار وجهود وتضحيات سطرها التاريخ، ففي هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، من مكة الى المدينة، وهو من أعظم الأحداث في تاريخ الإسلام، ولم يكن يعلم بالأمر في بدايته إلا أبو بكر وعلي وعائشة وأسماء رضي الله عنهم، مما يستنتج منه أنه صلى الله عليه وسلم جعل عائشة وأسماء رضي الله عنهما محل ثقته وسره؛ بدليل أنه لم يتحدث مع أبي بكر رضي الله عنه في أمر الهجرة إلا بعد معرفته بأنهما وحدهما الموجودتان عنده، وإلا لأخرجهما من البيت لينفرد بالسر، وهذا دليل على أن دور المرأة لا يقل أهمية عن دور الرجل في حماية الدعوة والمشاركة في إنجاح الهجرة، ومن مواقف الصمود النسائي ما رواه ابن هشام في سيرته عن أسماء رضي الله عنها قالت: "لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوكِ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللَّهِ أَيْنَ أَبِي! قَالَتْ: فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ - وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا - فَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً طَارَ مِنْهَا قُرْطِي" [سيرة ابن هشام: ١/٤٨٧]، ولأن الرحلة الطويلة كانت تحتاج إلى إعداد وتجهيز للمتاع والزاد، فقد تولت المرأة هذه المهمة بأعلى درجات المهارة والابتكار، حيث تروي أسماء رضي الله عنها ما صنعته قائلة: "صَنَعْتُ سُفْرَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَتْ: فَلَمْ نَجِدْ لِسُفْرَتِهِ وَلَا لِسِقَائِهِ مَا نَرْبِطُهُمَا بِهِ، فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: وَاللَّهِ مَا أَجَدُ شَيْئًا أَرْبِطُ بِهِ إِلَّا نِطَاقِي، قَالَ: فَشُقِّيهِ بِاثْنَيْنِ، فَارْبِطِي بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ وَبِالْآخَرِ السُّفْرَةَ، فَفَعَلْتُ؛ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ" [سيرة ابن هشام: ١/٤٨٦]، لتؤكد هذه الشواهد الثابتة أن المرأة المسلمة كانت شريكًا حاسمًا وعنصرًا أساسيًا في حماية العقيدة وإنجاح الهجرة النبوية المباركة.
يروي البخاري حديثا عظيما عن السيدة عائشة رضي الله عنها في الهجرة أنها قالت: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ، مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ، بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بالثَّمَنِ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجَهَازِ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقِ [البخاري: ٥٨٠٧].
وقال بدر الدين العيني: قالَتْ: فَجهَّزْناهُما أحَثَّ الجهَازِ ووضَعْنا لَهُما سُفْرَةٍ فِي جِرابٍ. فَقَطَعَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبي بَكْرٍ قِطْعَةٍ مِنْ نِطاقِها فأوْكَتْ بِهِ الجِرَابَ ولِذالِكَ كانَتْ تسمَّى: ذاتَ النِّطاقَينِ ثُمَّ لَحقَ النبيُّ ﷺ وأبُو بَكْرٍ بِغارٍ فِي جَبَلٍ يُقالُ لهُ: ثَوْرٌ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلاثَ لَيال يَبِيتُ عِنْدَهُما عبْدُ الله بنُ أبي بَكْرٍ وهْو غُلامٌ شابٌّ لَقِنٌ ثَقِفٌ فَيَرْحَلُ مِنْ عِنْدِهِما سَحَرًا فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَةَ كبَائِتٍ فَلا يَسْمَعُ أمْرًا يُكادانِ بِهِ إلاَّ وَعاهُ حتَّى يَأتِيَهُما بِخَبَرِ ذالِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظلامُ، ويَرْعَى عَليْهِما عامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ مَوْلى أبي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُها عَليْهِما حِينَ تَذْهَبُ ساعَةٌ مِنَ العشاءِ فَيَبِيتانِ فِي رِسْلِها حَتَّى يَنْعِقَ بهَا عامرُ بنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذالِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ من تِلْكَ اللَّيالِي الثَّلاثِ [عمدة القاري: ٢١/٥٦].
كان لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه دورٌ مؤثرٌ في هجرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة. فقد ساهمت في تجهيز الطعام والماء لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه في غار ثور، حيث كانا مختبئين من قريش، وكانت أسماء تأتيهما بالطعام والشراب، فصنعت لهما سفرة، فاحتاجت إلى ما تشدّها به، فشقّت خمارها نصفين فشدّت بنصفه السّفرة، واتخذت النصف الآخر منطقًا، فلما جاءت للنبي قال لها: «قد أَبْدَلَكِ اللهُ بِنِطَاقِكِ هذا نِطَاقَيْنِ في الجَنَّةِ» [الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ٨/١٧ - ت التركي]، فسُميت بذات النطاقين.
السيدة رقيقة بنت صيفي رضي الله عنها المرأة العجوز التي قاربت المائة من عمرها ورغم كبر سنها وعدم تكليفها بمهمة ، إلا أنها قامت من تلقاء نفسها بما رأته في صالح دينها ودنياها فقامت تحذر النبى من قريش ومؤامرتهم عليه ليقتلوه، فكان أن جعل عليًا ابن عمه ينام في فراشه، وهذه رسالة لنساء اليوم تتعلم منها أن المرأة تظل تعمل وتقوم بدورها وتخدم دينها مهما بلغ بها العمر [ينظر الطبقات الكبرى - ط العلمية لابن سعد: ٨/٤١ - النساء - ذكر بنات عمومة رسول الله صلى الله عليه وسلم].
أثبتت المرأة في الهجرة النبوية قدرتها على القيادة والإسهام الفعال، فكانت نموذجًا للشجاعة والتأثير، وتركَت بصمة في الدين والسياسة والمجتمع، ملهمةً للأجيال بقيم العطاء والريادة.
من أعظم دروس الهجرة النبوية الإيثار، فهو خلق نبوي أصيل، لا تبنى الحضارات ولا تزدهر المجتمعات بدونه ، وهذا ما أصَّله النبي - ﷺ - في نفوس أصحابه بوصفهم جماعة تعمل بروح الفريق ، وتحرص على التواد والتراحم والتعاطف.
استسلام النبي ﷺ وصاحبه أبو بكر لله تعالى من أسباب تنزل السكينة عليهما في غار ثور، كثرة الذكر والعبادة والإيمان بمعية الله تعالى مهما اشتدت الظروف والخطوب، وأن نثق بأن السكينة علاج للقلق والخوف والفقر والمحن.
نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل.
لا تقتصر الهجرة النبوية على بعدها الديني والروحي، بل لها أبعاد شاملة تمس كل جوانب الحياة