تأتي ذكرى تحرير سيناء لتؤكد أن السلام ليس خنوعًا، بل هو "خطة رشد" وقوة استراتيجية تحمي الحق وتردع المعتدي.
وكما كانت الحديبية فوزًا بالبصيرة قبل السيف، فإن عزة مصر اليوم هي ثمرة جيشٍ أدرك أن السلام العادل لا يصنعه إلا الأقوياء.
وفي هذا الحديث العظيم نقرأ فيه حدثًا دقيقًا في تاريخ الإنسانية؛ نلتمس فيه الحكمة الراشدة، والقيادة السديدة المؤيدة بنصر الله القوي؛ فجاء في الحديث الشريف الذي يصور لنا هذا الحدث الدقيق في تاريخ الإنسانية، ففي صحيح البخاري، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ، قَالاَ: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةٌ، فَخُذُوا ذَاتَ اليَمِينِ»، فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ فَأَلَحَّتْ، فَقَالُوا: خَلَأَتْ القَصْوَاءُ، خَلَأَتْ القَصْوَاءُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا خَلَأَتْ القَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ»، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا»، ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ، قَالَ: فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الحُدَيْبِيَةِ ..." [البخاري: ٢٧٣١].
وبعد صلح الحديبية جاء سيدنا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عمرةَ القضاء، فاجتمع المسلمون في مكة، فحاك المشركون مؤامرة لهم، مستغِلّين إعيائهم واعتقادهم بضعفهم بسبب حمى يثرب وطول السفر.
فلما علم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بخُطّة المشركين دعا أصحابه إلى إظهار القوة، وعكس ظن العدو بأنهم ضعفاء، فأمرهم بـ"الاضطباع"؛ وكان الغرض من الاضطباع أن يردع المعتدين بصريًّا، ويمنع استغلال المكان المرتفع والمواقع المحيطة للكعبة، فيظهر المسلمون أقوياء، مُهيّئين للدفاع لا عُرضةً للفتك.
كما روى الإمام الشافعي، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ لِيَسْعَى، ثُمَّ قَالَ: "لِمَنْ نُبْدِي الْآنَ مَنَاكِبَنَا، وَمَنْ نُرَائِي، وَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ، وَاللَّهِ عَلَيَّ ذَلِكَ، لَأَسْعَيَنَّ كَمَا سَعَى" [الأم، الإمام الشافعي: ٣/ ٤٤٣], فبذلك تحوّل موقف الحذر إلى موقف قوة استراتيجية، نجح في إحباط مخططات الأعداء، وضمان أداء الشعائر بسلام.
ولقد تجلّت في هذا الحدث العظيم القيادة النبوية المؤيدة بمدد العزيز الحكيم، التي جمعت بين الإيمان العميق بحكمة الله عز وجل، والحنكة في السياسة، وحسن التدبير في المفاوضة، دون أن تمسّ حرمةً أو تُفرّط في مبدأ؛ فقد كان الهدف الأعظم تعظيم حرمات الله، والغاية الاستراتيجية فتح مكة، ونشر دعوة الحق جلَّ وعلا ، أمّا الهدف المرحلي فكان الاعتراف بالمسلمين ككيان سياسيٍّ مستقلٍّ له وجوده، واحترامه بين الأمم.
وقد شهد بذلك كبار عقلاء العرب، حتى قال عروة بن مسعود -زعيم ثقيف-: "إنّها خطة رشد"؛ إذ رأى فيها سياسة متزنة، وحكمة متناهية، ومهارة تفاوضية، لا يملكها إلا نبيٌّ مؤيَّد من الخالق الحكيم؛ فكلّ حوارٍ بينه وبين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف عن فارقٍ بين دبلوماسيةٍ قائمةٍ على المصالح الضيّقة، وأخرى قائمةٍ على الحق والعدل والرحمة.
وفي ذلك المشهد تجلّت قوة الإيمان وثبات القيادة؛ فأمسك سيدنا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم بزمام الموقف، وقاد أمّته إلى النصر بالتأني والصبر، وليس بالعنف والشدة.
وهنا لا بدّ أن نعلم أن للسلام في الإسلام قوةً تحميه وتصونه، فهو ليس خنوعًا ولا ضعفًا، بل حِلمٌ تزنُه الشجاعة، ورحمةٌ تسندها القوة، وقد تجلّت هذه الحقيقة في حديث سيدنا رسول الله المصطفى -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حين رأى أبا دجانة رضي الله عنه يتبختر بين الصفّين يوم أُحد بعد أن أخذ السيف بحقّه، فقال عليه صلوات ربي وسلامه في الحديث، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِينَ رَأَى أَبَا دُجَانَةَ يَتَبَخْتَرُ: «إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ» [دلائل النبوة، البيهقي: ٣/ ٢٣٤].
فهذا سلامٌ لا ينفصل عن العزّة، وتواضعٌ لا يُسقط الكرامة، وقوة لا تفقد الرحمة، ومن ثمّ كان السلام في الإسلام موقفَ قوةٍ منضبطةٍ بضوابط الشرع والعقل، تُرهب المعتدي، وتؤمّن المظلوم.
ومن دقائق الحدث أنّ سيدنا المصطفى -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رَبَّى أصحابه قبل ذلك في مدرسة السلام، كما جاء في الحديث، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِسَلَامٍ» [الترمذي: ٢٤٨٥، وابن ماجه: ١٣٣٤، وغيرهما]، فعلمهم أنّ الصبر في ميدان التفاوض قد يثمر أكثر من النزال في ميدان القتال، وأنّ التنازل المرحلي ليس ضعفًا، بل حكمة إذا كان في سبيل الحقّ الأعلى، ومن هنا كانت الحديبية درسًا خالدًا في فنّ إدارة الأزمات، ورؤيةً استراتيجية لبناء الحضارة على أساس السلام العادل لا على منطق القهر والغلبة.
فلقد مهّد هذا الصلح لفتح مكة، وأمّن الدعوة، وفتح الأبواب أمام الشعوب لتسمع كلمة الإسلام في طمأنينة، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، وهكذا أثبت الإسلام أن السلام الراشد هو أصل البناء الحضاري، وأن الدماء لا تُشيّد الأوطان بقدر ما تبنيها القلوب المؤمنة والعقول الراشدة.