الهيبة في منظور الوحي:
قال الله تبارك وتعالى: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ
لَاۤ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰۤئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلۡعِلۡمِ قَاۤئِمَۢا
بِٱلۡقِسۡطِۚ﴾ [آل عمران: ١٨]، قال الإمامُ القرطبي- رحمه الله- تعليقًا على هذه الآية الكريمة: "فِي هَذِهِ
الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ، وَشَرَفِ الْعُلَمَاءِ وَفَضْلِهِمْ،
فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَشْرَفَ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَقَرَنَهُمُ اللَّهُ
بِاسْمِهِ وَاسْمِ مَلَائِكَتِهِ كَمَا قَرَنَ اسْمَ الْعُلَمَاءِ ". [تفسير القرطبي الجامع
لأحكام القرآن ٤/٤١]
فاقرأ هذه الآية مرةً أخرى وتأمل: الله سبحانه، ثم الملائكة، ثم أولو
العلم ـ هذا الترتيب العجيب يقرر شرف العلماء، وعظم منزلتهم في الوجود، فمَن قرَنه
الله بنفسه وملائكته في شهادة التوحيد، كيف يليق بنفسه أن يتخفف من هيبة هذا
المقام وجلاله؟
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «العُلَماءُ
ورَثَةُ الأَنبِياءِ» [أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣)].
وقد شرح علماء الحديث هذا الإرث الجليل، فبينوا أنهم ورثوا العلم،
وورثوا الهدي والسمت، فالوارث لا يقبل الميراث وينبذ رسالته، بل هو ملتزم بصون هذا
الميراث وحفظه وتنميته بالقدوة قبل الكلمة.
وكان عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، يقول: "كُونُوا
يَنَابِيعَ الْعِلْمِ، مَصَابِيحَ الْهُدَى، أَحْلَاسَ الْبُيُوتِ، سُرُجَ
اللَّيْلِ، جُدُدَ الْقُلُوبِ، خُلْقَانَ الثِّيَابِ، تُعْرَفُونَ فِي أَهْلِ
السَّمَاءِ، وَتَخْفَوْنَ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ". [التواضع والخمول لابن أبي الدنيا صـ٣٤].
وتأمل في قوله: "خُلقان الثياب"، أي: الثياب المتواضعة؛ ففي
هذا التعبير الدقيق إشارة إلى التواضع الحق، والبعد عن التكلف وزينة الشهرة، لا إلى إسقاط
الهيبة والابتذال في المظهر والسلوك.
الهيبة في أخبار الأئمة:
روى البخاري في صحيحه، عن ابن عباس، رضي الله عنهما قال: "لبثتُ
سنةً وأنا أريد أن أسأل عمرَ عن المرأتين اللتين تظاهَرَتا على النبي صلى الله
عليه وسلم، فجعلتُ أهابُه". [أخرجه البخاري (٥٨٤٣)].
تلك هيبةٌ أدَّبت النفوس، وشحذت العقول، وصانت العلم أن يُبذَل في غير
مَوضعه.
وقال الليثُ بن سعد- رحمه الله- في وصف سعيد بن المسيَّب: "كان
يركع ركعتين، ثم يجلس، فيجتمع إليه أبناءُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من
المهاجرين والأنصار، فلا يجترئ أحدٌ منهم أن يسأله عن شيء إلا أن يبتدئهم بحديث...".
[الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب
البغدادي ١/٤٠٠].
فهذه الهيبةُ لم تكن تكبُّرًا ولا صلفًا، بل كانت وقارًا أفرز في
الجلساء أدبًا وفي المجلس نورًا.
وقال الشافعيُّ -رحمه الله- في وصف موقفه بين يدي الإمام مالك: "كنت
أصفح الورقة بين يدي مالك صفحًا رفيقًا هيبةً له، لئلا يسمعَ وَقْعَها" [المجموع
شرح المهذب للنووي ١/ ٣٦]، وقال الربيعُ
بن سليمان: "والله ما اجترأتُ أن أشرب الماء والشافعيُّ ينظر إليَّ هيبةً له".
[المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٩٠].
وقد أجاد ابنُ المبارَك- رحمه الله- في تصوير هيبة الإمام مالك أجملَ
تصوير حين قال:
يأبى الجوابَ فما يُراجَعُ هيبةً فالسائلون نواكسُ الأذقانِ
هدي الوقار وعزُّ سلطان التُّقى فهو المهيب وليس ذا سلطانِ
[العقد الفريد
١/٢٦٨]
فهذا هو ملك العلماء: لا سيف ولا جند، بل وقارٌ وعلم وتقوى تصنع سلطانًا
لا يملكه الملوك.
مَن يُصلح المِلحَ إذا فسد؟
وقد أشجى قلبَ العلامة مسروق حال فساد أهل العلم، فرثاهم بمقالٍ جليل
أورده الذهبي في تاريخ الإسلام:
يا معشر القرَّاء يا مِلحَ البلَد
مَن يُصلِح المِلحَ إذا المِلحُ فسَد؟
فإذا كان العلماء مِلح الأمة، فبهم تصلح الحياة، وتُصان القيم؛ فكيف
إذا تهاون المِلحُ نفسه بما يُفسد هيبته ومكانته؟