Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مظهر الداعية بين السمت والوقار والهيبة وأثر ذلك في الدعوة إلى الله

الكاتب

هيئة التحرير

مظهر الداعية بين السمت والوقار والهيبة  وأثر ذلك في الدعوة إلى الله

يُعد مظهر الداعية في الإسلام انعكاسًا مباشرًا لجوهر الرسالة التي يحملها، إذ لا تنفصل الهيئة الظاهرة عن الأثر الباطن في بناء الثقة والتأثير في الناس، فالسمت والوقار والهيبة ليست مجرد صفات شكلية، بل هي عناصر أساسية في نجاح الدعوة إلى الله، وترسيخ القدوة الحسنة في المجتمع.

أزمة القدوة في زمن الضجيج

في خضم هذا العصر المتلاطم الأمواج، الذي اختلطت فيه المقامات، وتداخلت فيه المشاهد، وصارت فيه الصورة تسبق الحقيقة، وبات الترفيه يزاحم التربية في أولى اهتمامات الناس ـ يجد المسلم نفسه أمام سؤال مقيم لا يبرحه: من يُقتدي به في هذا الزمن؟

إن الشاب اليوم يُبحر في بحار لا قرار لها من المحتوى المتدفق ليل نهار، فيرى كل شيء قابلًا للسخرية، وكل قيمة مطروحة للمزاد، فإذا التفت بعينيه يبحث عن شيء ثابت يستند إليه، فلا يجده في كثير من المشاهد المتداولة، وإن كانت هناك قلاع رمزية ظلت عبر التاريخ منارةً يهتدي بها التائهون، فإن من أعلاها وأثبتها مقام العالِم، وهيئة الداعية، وسمت حامل الأمانة، فإذا أُسقطت هذه القلاع أو تهاوى وقارها، لم يبق للناس بعدها إلا الضياع في الظلمات.

إن التدين المغشوش من أخطر الأحوال على المجتمعات المسلمة؛ لأن الخلط بين المقامات يغش وعي الناس، ويفسد موازين الحكمة والبصيرة، وتلك علةٌ تستوجب الوقوف أمامها طويلًا، والتأمل فيها عميقًا، لا في أشخاص بعينهم، ولا في حوادث محددة، بل في قاعدة جوهرية، متجذرة في فقه الإسلام وآدابه، تقول: إن لكل مقام مقالًا، وإن لكل حال رجالًا، وإن الداعية الذي يحمل رسالة السماء لا يملك أن يتعامل مع ظهوره العام تعامله مع شؤونه الشخصية الخاصة.

نحن نسعى إلى بسط قاعدة علمية وأدبية وتاريخية عريقة، تحدث عنها الوحي الشريف، وأرسى معالمها السلف الصالح، وقرَّرها فقهاء الإسلام الأجلاء جيلًا بعد جيل.

الداعية لا يمثل نفسه

ثمة حقيقة أولى ينبغي أن تُقرر قبل كل قولٍ ومقال: إن الداعية إلى الله، والعالم المنتسب إلى مؤسسة دينية راسخة، لا يمثل نفسه حين يظهر للناس، بل يمثل دينَه ومؤسستَه وتاريخَه وأجيالَه السابقة واللاحقة، هذه حقيقةٌ لا تقبل التفاوض.

وللتقريب الفقهي في هذه المسألة مثال بليغ: إن جلدة المصحف الكريم ـ غلافه المتصل بكلام الله سبحانه ـ لما اتصل بالقرآن العظيم صار له حكم خاص، يغاير حكم الورقة البيضاء قبل أن يُسطر عليها الوحي الشريف، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى امتناع مس جلد المصحف المتصل به وحواشيه وبياضه بين السطور على غير طهارة؛ لأنها تابعة للمكتوب، وما تبع الشيء أخذ حكمه.

فكذلك من اتصل بمؤسسة دينية تعلق بها الأمة آمالها، ولبس زيَّها الذي صار علامةً في وعي الناس، ورمزًا في نفوسهم؛ فإنه يأخذ حكم من انتسب إليها، وتتعلق بسلوكه في المحافل العامة حقوق ومسؤوليات لا تنفك عنه بمجرد أن يقول: "إنما أنا إنسان له ما للناس"، فالأمانة التي حملها ليست ثوبًا يُخلع بالإرادة الفردية ويُلبس بها، بل هي منصب ومقام، وللمقام حرمته وللمنصب احترامه.

السمت المحمدي

قبل أن يتكلم النبي - صلى الله عليه وسلم ـ في أول يوم قَدِم فيه المدينة المنورة ـ عرف الناس في وجهه حقيقة لا تكذب، روى الإمام الترمذي، عن عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - أنه لما قَدِمَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ انجفل الناسُ إليه... فلما رأى وجهه قال: "عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ "، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تكلَّم به النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الخطاب البليغ أن قال: «يا أيُّها النّاسُ، أَفشوا السَّلامَ، وأطعِموا الطَّعامَ، وصِلوا الأرحامَ، وصلُّوا والنّاسُ نيامٌ؛ تدخُلون الجنَّةَ بسلامٍ» [الترمذي، (٢٤٨٥) وقال : هذا حديث صحيح].

تأمل هذا المشهد النبوي في عظمته البيانية: لم يحتج الناس إلى خطبة مطولة ليعرفوا أن هذا الرجل صادق أمين؛ فالسمت سبق الكلام، والهيبة قررت الحجة قبل أن ينطق اللسان، هذا هو الإعجاز التربوي للسمت الحسن، إنه رسالة صامتة، أبلغ في كثير من الأحيان من ألف كلمة.

والسمت في لغة العلماء: هيئة أهل الخير، والطريقة التي ينتهجها المرء في تحري الخير، والتزي بزي الصالحين، والهيئة المثلى في المظهر والتصرف والتعامل.

وقد جاء في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السَّمْتُ الحسَنُ، والتُّؤَدَةُ، والاقتِصادُ؛ جزءٌ من أربعةٍ وعِشرينَ جُزءًا مِن النُّبَوَّةِ». [أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب (٢٠١٠) عن عبد الله بن سَرْجَس]، فجعل السمت الحسن شعبة من شُعَب النبوة، ورقية يرقى بها صاحبُها إلى مقام الرسالة وحَمَلة الأمانة.

وقد صور النبي - صلى الله عليه وسلم - الصورة المثلى التي ينبغي أن يكون عليها أهل الدين والعلم، فقال: «إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ، فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ، وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ، حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ». [أخرجه أبو داود، (٤٠٨٩) عن سهل بن الحنظلية]، كالشامة! تلك العلامة البارزة التي تُميز صاحبها وتُعرفه؛ فالداعية في مجتمعه ينبغي أن يكون كالشامة في الوجه، معلَمًا لا يُخطئه البصر، ومنارةً لا يخطئها الطريق.

الوقار فضيلة تتشكل سيرةً قبل أن تكون كلمةً

الوقار النبوي الشريف:

وصفت أم معبد الخزاعية رسول - الله صلى الله عليه وسلم - بوصف ذهبي أُثر في كتب السيرة، فقالت: "إذا صَمَتَ فعليه الوَقارُ، وإذا تَكَلَّمَ سَما وعَلاه البَهاءُ" [أخرجه الحاكم (٤٢٧٤)، وابن سعد في (الطبقات) (١/ ٢٣٠)] وقالت السيدةُ عائشة - رضي الله عنها: "ما رَأيتُ النَّبيَّ صلّى اللهُ عليه وسلَّم مُستَجمِعًا قَطُّ ضاحِكًا، حتّى أرى منه لَهَواتِه، إنَّما كان يَتَبَسَّمُ" [أخرجه مسلم (٨٩٩)] وقال جابرُ بن سَمُرة - رضي الله عنه - واصفًا إياه: "كان طويلَ الصَّمتِ، قليلَ الضَّحِكِ". [أخرجه أحمد (٢٠٨١٠)].

قال الإمام المُناوي- رحمه الله- تعليقًا على ذلك: "إن كثرة السكوت من أقوى أسباب التوقير، وهو من الحكمة". [التيسير بشرح الجامع الصغير ٢/‏٢٦١].

الوقار في أخلاق السلف الصالح:

وقد أوصى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أصحابه بما لا يزال يقرأ في كتب العلم والتربية، فقال: "تعلَّموا العلمَ وعلِّموه الناسَ، وتعلَّموا له الوَقارَ والسكينةَ" [رواه البيهقي في شعب الإيمان (١٧٨٩)]، فجعل تعلم الوقار قرين تعلم العلم نفسه! وهذه وصية تُقرر أن العلم والوقار قرينان لا يفترقان.

وقال ذو النون المصري - رحمه الله - قولًا بالغًا في بيان ما يقتضيه طلبُ العلم من أدب ووقار: "إيَّاك أن تَطلُبَ العِلمَ بالجَهلِ! قيل: كيف يُطلَبُ العِلمُ بالجَهلِ؟ قال: إذا قصَدْتَ العالِمَ في غيرِ وَقتِه، وتخطَّيتَ الرِّقابَ، وترَكْتَ في طَلَبِه حُرمةَ الشُّيوخِ، ولم تستعمِلْ فيه السَّكينةَ والوَقارَ وأدَبَ النَّفسِ؛ فذلك طَلَبُ العِلمِ بالجَهلِ.  [ربيع الأبرار ونصوص الأخيار للزمخشري ٤/‏٤٣].

فوائد الوقار والرزانة:

إن الوقار والرزانة فضيلتان تحدثان أثرًا عميقًا في نفوس الرائين؛ فهما يكسوان العالِم هيبةً وبهاءً ويعطيانه سمتًا حسنًا، وهذا داعية لسماع قوله، وقَبول نصحه، واحترامه، وتقديره.

وفي حكمة لقمان - رضي الله عنه: "إن العالِمَ الحكيمَ يدعو الناسَ إلى علمه بالصمت والوقار، وإن العالِمَ الأخرَق يطرد الناسَ عن علمه بالهَذْر والإكثار". [عيون الأخبار لابن قتيبة (٢/ ١٣٨)].

فأي داعية يريد أن يوصل رسالة الله إلى قلوب الناس ثم يهدر وقاره الذي هو مفتاح قلوبهم؟

وقد قال ابن عبد البر- رحمه الله: قالوا: "الوقارُ من الله، فمَن رَزَقه الله الوقارَ فقد وَسَمه بسيماء الخير". [بهجة المجالس وأنس المجالس لابن عبد البر صـ ‏١٢٩].

وإن الوقار لا يأتي من الألقاب ولا من التقاليد الشكلية، بل هو علامة يودعها الله في روح من أخلص له واستقام على طريقه.

وقد قرر لقمان الحكيم هذه القيمة لابنه في قوله المشهور المذكور في كتاب الله: ﴿وَٱقۡصِدۡ فِی مَشۡیِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، فجعل حتى المشي مقصود الخطى، متزن الإيقاع، لا فيه اختيال ولا فيه تهاون بالهيئة والمنظر.

موانع الوقار:

وقد حذر (الحكيم) من خطر الاستخفاف بصغائر الأمور على جلال الوقار، فقال فيما نقله المناوي: "إذا استَخَفَّ بالمحَقَّراتِ دخل التَّخلُّطُ في إيمانِه، وذهَب الوَقارُ، وانتَقَص من كُلِّ شَيءٍ، بمنزلةِ الشَّمسِ ينكَسِفُ طَرَفٌ منها، فبقَدْرِ ما انكسَف - ولو كرأسِ إبرةٍ - يَنقُصُ من شُعاعِها وإشراقِها على أهلِ الدُّنيا، وخَلَص النُّقصانُ إلى كُلِّ شيءٍ في الأرضِ. [فيض القدير للمناوي ٣/‏١٢٧].

فهذا التشبيه البليغ بالشمس يجلي حقيقةً مهمة: أن الوقار كالنور لا يحتمل الانكساف الجزئي دون أن يُلاحَظ، فأي إخلال بهيبة الداعية يترك في نفوس الناس أثرًا، قد لا يُقدر صاحبه حجمه في الحال، لكنه يراه في طول المدى.

الهيبة.. الشهادة العلياء التي تسبق الكلام

الهيبة في منظور الوحي:

قال الله تبارك وتعالى: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَاۤ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰۤئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلۡعِلۡمِ قَاۤئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ﴾ [آل عمران: ١٨]، قال الإمامُ القرطبي- رحمه الله- تعليقًا على هذه الآية الكريمة: "فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ، وَشَرَفِ الْعُلَمَاءِ وَفَضْلِهِمْ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَشْرَفَ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَقَرَنَهُمُ اللَّهُ بِاسْمِهِ وَاسْمِ مَلَائِكَتِهِ كَمَا قَرَنَ اسْمَ الْعُلَمَاءِ ". [تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن ٤/‏٤١]

فاقرأ هذه الآية مرةً أخرى وتأمل: الله سبحانه، ثم الملائكة، ثم أولو العلم ـ هذا الترتيب العجيب يقرر شرف العلماء، وعظم منزلتهم في الوجود، فمَن قرَنه الله بنفسه وملائكته في شهادة التوحيد، كيف يليق بنفسه أن يتخفف من هيبة هذا المقام وجلاله؟

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «العُلَماءُ ورَثَةُ الأَنبِياءِ» [أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣)].

وقد شرح علماء الحديث هذا الإرث الجليل، فبينوا أنهم ورثوا العلم، وورثوا الهدي والسمت، فالوارث لا يقبل الميراث وينبذ رسالته، بل هو ملتزم بصون هذا الميراث وحفظه وتنميته بالقدوة قبل الكلمة.

وكان عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، يقول: "كُونُوا يَنَابِيعَ الْعِلْمِ، مَصَابِيحَ الْهُدَى، أَحْلَاسَ الْبُيُوتِ، سُرُجَ اللَّيْلِ، جُدُدَ الْقُلُوبِ، خُلْقَانَ الثِّيَابِ، تُعْرَفُونَ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ، وَتَخْفَوْنَ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ". [التواضع والخمول لابن أبي الدنيا صـ‏٣٤].

وتأمل في قوله: "خُلقان الثياب"، أي: الثياب المتواضعة؛ ففي هذا التعبير الدقيق إشارة إلى التواضع الحق،  والبعد عن التكلف وزينة الشهرة، لا إلى إسقاط الهيبة والابتذال في المظهر والسلوك.

الهيبة في أخبار الأئمة:

روى البخاري في صحيحه، عن ابن عباس، رضي الله عنهما قال: "لبثتُ سنةً وأنا أريد أن أسأل عمرَ عن المرأتين اللتين تظاهَرَتا على النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلتُ أهابُه". [أخرجه البخاري (٥٨٤٣)].

تلك هيبةٌ أدَّبت النفوس، وشحذت العقول، وصانت العلم أن يُبذَل في غير مَوضعه.

وقال الليثُ بن سعد- رحمه الله- في وصف سعيد بن المسيَّب: "كان يركع ركعتين، ثم يجلس، فيجتمع إليه أبناءُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، فلا يجترئ أحدٌ منهم أن يسأله عن شيء إلا أن يبتدئهم بحديث...". [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي ١/‏٤٠٠].

فهذه الهيبةُ لم تكن تكبُّرًا ولا صلفًا، بل كانت وقارًا أفرز في الجلساء أدبًا وفي المجلس نورًا.

وقال الشافعيُّ -رحمه الله- في وصف موقفه بين يدي الإمام مالك: "كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحًا رفيقًا هيبةً له، لئلا يسمعَ وَقْعَها" [المجموع شرح المهذب للنووي ١/ ٣٦]، وقال الربيعُ بن سليمان: "والله ما اجترأتُ أن أشرب الماء والشافعيُّ ينظر إليَّ هيبةً له". [المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٩٠].

وقد أجاد ابنُ المبارَك- رحمه الله- في تصوير هيبة الإمام مالك أجملَ تصوير حين قال:

يأبى الجوابَ فما يُراجَعُ هيبةً                فالسائلون نواكسُ الأذقانِ

هدي الوقار وعزُّ سلطان التُّقى                  فهو المهيب وليس ذا سلطانِ

[العقد الفريد ١/‏٢٦٨]

فهذا هو ملك العلماء: لا سيف ولا جند، بل وقارٌ وعلم وتقوى تصنع سلطانًا لا يملكه الملوك.

مَن يُصلح المِلحَ إذا فسد؟

وقد أشجى قلبَ العلامة مسروق حال فساد أهل العلم، فرثاهم بمقالٍ جليل أورده الذهبي في تاريخ الإسلام:

يا معشر القرَّاء يا مِلحَ البلَد

مَن يُصلِح المِلحَ إذا المِلحُ فسَد؟

فإذا كان العلماء مِلح الأمة، فبهم تصلح الحياة، وتُصان القيم؛ فكيف إذا تهاون المِلحُ نفسه بما يُفسد هيبته ومكانته؟

تعظيم الشعائر.. فريضة قلبية قبل أن تكون هيئةً ظاهرة

قال الله تبارك وتعالى: ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن یُعَظِّمۡ شَعَٰۤئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، فشعائر الله أعلام دينه الظاهرة، فإذا كانت العمامة الدينية وزي رجل الدين ـ بما تحمله من دلالة راسخة في ذاكرة الأمة ووجدانها ـ شعيرةً من شعائر الله الظاهرة، فإن تعظيمها فريضة قلبية، يعبر عنها السلوك والهيئة والمظهر قبل أن يعبر عنها اللسان.

وقد قرر علماء الإسلام عبر الأجيال أن زي أهل العلم الديني ليس زي قبيلة أو قومية، بل هو شعار علمي وديني، تواضع عليه المجتمع المسلم عبر قرونٍ طويلة، صار إذا رآه العامي اطمأن أن هذا رجل دين، وإذا مر به المحزون رجا فيه من يعينه، ويأخذ بيده إلى الله.

وإذا كان مجرد الانتساب إلى هذا الزي يرسخ في الناس هذه الصورة الإيجابية؛ فإن الإخلال به يزرع في النفوس خيبةً أمل لا تعوض، وفتحًا لباب الشك في مقام العلم ومقام الدين جميعًا.

لقد منع النبي - صلى الله عليه وسلم - البيع والشراء في المساجد ـ وهي معاملات مباحة في ذاتها ؛ لأن المساجد بيوت الله، ولا يساوَى بها شيء، ولا ينزل لها حكم يجعلها كسائر أماكن الدنيا، فلكل بقعة في هذا الوجود حرمتها المتصلة برسالتها وغايتها، وكذلك الداعية والعالم: هو بقعة من بقاع العلم والسلوك يقصدها العباد، وموقع من مواقع الرسالة، فلا يجوز أن ينزل إلى منزلة كل مكان، وكل زمان، وكل مناسبة، دون مراعاة للمقامات وما يليق بها.

خوارم المروءة.. ما لا يليق وإن لم يَحرُم

ثمة حقيقة فقهية ينبغي أن تعلن صريحة لا مواربة: إن الحديث عن مظهر الداعية وهيئته لا يُحصَر في باب الحلال والحرام وحده، بل ثمة باب فقهي آخر يتمم الصورة، هو باب (خوارم المروءة).

فقد نص الفقهاء صراحةً على أن من شروط قَبول الشهادة، وصحة تولي المناصب الشرعية، صون المروءة، وعرفوها بأنها ما يصان به الإنسان عن كل ما يُستهجن شرعًا أو عرفًا.

وضربوا في بيان ذلك أمثلة صريحة، منها: الأكل في الطريق العام لمن يُستهجَن منه، ورفع الصوت بما يخل بالوقار في الأماكن العامة، والظهور في مواطن اللهو بالزي الديني. وكل ذلك مباح في أصله، لكنه مناف للمروءة في حق من يحمل زيًّا يمثل مكانةً دينية وعلميةً راسخة.

وتأمَّل ما رواه الإمامُ النووي في كتابه (التبيان في آداب حملة القرآن) عن ابن مسعود - رضي الله عنهن قوله: "ينبغي لحامل القرآن أن يُعرَف بليله إذا الناسُ نائمون، وبنهاره إذا الناسُ مفطرون، وبصمته إذ الناسُ يخوضون، وبخشوعه إذا الناسُ يختالون".

وفي (حلية الأولياء) يقول الفضيلُ بن عياض - رحمه الله: "حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي له أن يلغو مع من يلغو، ولا أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو". [حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - ط السعادة ٨/‏٩٢].

فمعنى هذا كله ليس تحريم الفرح ولا منع الحياة ولا التشديد بما لم يشدد فيه الشرع، ولكن معناه أن لأهل العلم وحملة الدين سمتًا وهيبةً، هما جزء لا يتجزأ من رسالتهم في المجتمع.

إن الرسالة لا تُؤدَّى فقط بالكلمة المنطوقة والدرس الملقى، بل تُؤدَّى كذلك بالهيئة الظاهرة والسمت المشهود.

لكل مقام مقال، ولكل حادث حديث

إن الإسلام دين التوازن والحكمة، وشريعته لا تعرف الوصفة الواحدة لكل المواقف، فلكل مقامٍ ما يلائمه، ولكل موضع ما يليق به.

فالمرأة المسلمة لا تتوجه إلى مجلس العزاء بزي الأفراح، وإن كان ذاك الزي حلالًا في ذاته، حسنًا في موضعه، والرجل لا يقف على المنبر أو الكرسي العلمي في هيئةٍ لا تليق بما يمثله المنبر من مقام الوحي والعلم، وإن كانت تلك الهيئة مباحة في الحياة الخاصة ومعروفةً عند الناس، وليس معنى هذا تكريس شكلية جوفاء، بل معناه احترام دلالة المقامات، وصون رموزها من الخلط والتداخل.

وقد نهى - رسول الله صلى الله عليه وسلم - عن البيع والشراء في المساجد؛ لأن الله سبحانه أراد لبيوته أن تكون لها هيبة خاصة، وحرمة متميزة، ومن يسوي بينها وبين سائر الأمكنة فقد أسقط هيبتها، وخسر رصيدها في نفوس الناس.

والأسواق من ابتداء الإسلام كانت من أبغض البقاع إلى الله؛ لأنها مواضعُ الصياح، والغفلة، والجدل الذي يُبعِد القلب عن الله، لا لأن البيع والشراء محرَّمان، ومن كان يمثل مقام الدين بين الناس، وينتمي إلى مؤسسة يأمل الناس فيها سفارة السماء؛ فلا يكون جزءًا من هذا الصياح والضجيج أجوف لا مصلحة منه.

علو الهمة.. الداعية والطموح إلى المعالي

وهيهات أن يكون للداعية وقار وهيبة إن لم يكن عالي الهمة، مشرئب النفس نحو معالي الأمور، أبيَّ الحميَّة عن سفسافها، إن علو الهمة لم يكن في تراثنا الإسلامي نزوةً شخصية ولا طموحًا دنيويًّا، بل كان قيمةً روحية، تعبر عن معرفة الإنسان بقدر نفسه أمام الله، وأنه خُلق لشيءٍ أعظم من الدنيا وما فيها.

روى الإمامُ الطبراني في المعجم الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان، بسند صحيح عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - أن - رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ اللهَ يحبُّ مَعالِيَ الأُمُورِ وأَشْرافَها، ويَكْرَهُ سَفْسافَها» [الطبراني، المعجم الكبير (٢٨٩٤)، البيهقي، شعب الإيمان (٧٦٤٧].

 وما أحرى هذا الحديث بأن يُكتب بماء الذهب على جدران كل مدرسةٍ وكل مسجد وكل مؤسسة علمية!

وفي مقام التحقق بهذه القيمة، يروي الإمامُ أبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك، عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قصةَ النبي مع الأعرابي الذي فتح له أبواب الخير كلها، ثم قعدت به همَّته، فلم يسأل إلا ناقةً وبعض أعنُز، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه متعجبًا: «أعجَزْتُم أنْ تكونوا مِثْلَ عجوزِ بني إسرائيلَ؟»، [أبو يعلى، المسند (٧٢٥٤)، (ابن حبان، الصحيح (٧٢٣) (الحاكم، المستدرك (٣٥٢٣].

 تلك العجوز طلبت مرافقة نبي الله موسى في الجنة! تلك الهمة التي انبعثت من روح العارفين بالله هي التي يُضرب بها المثل!

وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: "لا تصغُرنَّ همَّتُكم؛ فإني لم أرَ أقعَدَ عن المَكرُمات من صِغَر الهمم". [أدب الدنيا والدين للماوردي]، وقال أيضًا: "ما رأيتُ صغيرَ الهمة إلا رأيتُه مذمومَ الأُحدوثة". [البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي].

فالداعية صغير الهمة لا ينفع دعوته، ولا ينفع نفسه؛ لأنه لو عاش معنى أنه موقع عن رب العالمين، لعلم أن همَّته ينبغي أن تبلغ من الهدف ما لا تبلغه همم الملوك.

وقد كان أجدادنا من أهل العلم يحققون هذا المعنى في مجالسهم ومساجدهم؛ فكان الإمام أحمد- رحمه الله- يجتمع له في مجلسه زهاء خمسة آلاف، أو يزيدون، كان منهم حوالي خمسمائة يكتبون، والباقون يتعلَمون منه حسن الأدب، وحسن السمت [الآداب الشرعية والمنح المرعية ٢/‏١٤]، فكان المجلس العلمي بحق مدرسةً للروح قبل أن يكون أكاديميةً للعقل.

في يوم قَالَ الْحَجَّاجُ لِخَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ: "مَنْ سَيِّدُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ؟ فَقَالَ لَهُ: الْحَسَنُ، فَقَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ وَهُوَ مَوْلًى؟ فَقَالَ: احْتَاجَ النَّاسُ إِلَيْهِ فِي دِينِهِمْ وَاسْتَغْنَى عَنْهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ" [جامع بيان العلم وفضله ١/‏٢٦٤]، فهذا سر السيادة الحقة: أن يحتاج الناس إليك فيما لا يملكه غيرك، وأن تستغني أنت عما في أيديهم، تلك العزة التي لا تقدر، والمكانة التي لا تُبتاع.

وقال الإمام محمد الخضر حسين- رحمه الله- في نفثةٍ بليغة تُعبِّر عن معنى علو الهمة: "كلُّ ساعةٍ قابلةٌ لأن تضعَ فيها حجرًا يزداد به صَرحُ مجدك ارتفاعًا، ويقطع به قومُك في السعادة باعًا أو ذراعًا، فإن كنتَ حريصًا على أن يكون لك المجدُ الأسمى، ولقومك السعادةُ العظمى، فدَعِ الراحةَ جانبًا، واجعَل بينك وبين اللهو حاجبًا". [موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين].

الرمز والمؤسسة.. أمانة لا تتجزأ

إن مؤسسات الدولة الدينية حين تصدر قرارات لضبط هيئة المنتسبين إليها ومظهر علمائها؛ فإنها لا تتسلط على حرية شخصية، بل تحمي استثمارًا حضاريًا راسخًا في وعي الأمة ووجدانها، كما أن وزارة الآثار حين تمنع الكتابة على جدران معبد الكرنك، لا تنتهك حق أحد، بل تحمي إرثًا إنسانيًا مشتركًا، كذلك تحمي المؤسسة الدينية رمز العلماء وشعارهم الظاهر من أن يُدنَّس بسلوك عابر، أو موقف غير مدروس.

وقد نبه القرآن الكريم إلى ضرورة أن يُحكَّم العقل والتجربة في اختيار من يوضع فيهم الثقة، ويناط بهم حفظ الأمانة؛ فقال - سبحانه: ﴿وَلَا تُؤۡتُوا۟ ٱلسُّفَهَاۤءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِی جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِیَٰمࣰا﴾ [النساء: ٥]، وقد علق الإمام الغزالي - رحمه الله - في كتابه العظيم (إحياء علوم الدين) - رحمه الله - على هذه الآية، فقال: "إن حفظ العلم ممَّن يفسده ويضره أَوْلى، وليس الظلمُ في إعطاء غير المستحق بأقلَّ من الظلم في منع المستحق" [ الغزالي: إحياء علوم الدين(١/ ٥٨)]، فإن صون العلم وصون صاحبه عن ما يهين مقامه ضرب من العدل والأمانة.

وكان كثيرُ بن مرة الحضرمي يقول: "لا تُحدِّث بالحكمة عند السفهاء فيكذِّبوك، ولا تُحدِّث بالباطل عند الحكماء فيمقُتوك، ولا تمنع العلمَ أهلَه فتأثَم، ولا تُحدِّث به غيرَ أهله فتُجهَّل؛ إن عليك في علمك حقًا كما أن عليك في مالك حقًا" [المدخل إلى السنن الكبرى - البيهقي - ت الأعظمي صـ ‏٣٦٦]، وتلك وصية تقرر أن العلم وحامله مسؤولان عن التقدير الصحيح لمواضع الكلام، ومواضع الصمت، ومواضع الظهور، ومواضع الاحتجاب.

وقد قال القاضي أبو الحسن الجُرجاني- رحمه الله - وهو يعبر عن هذه الأمانة التي تُلزم أهل العلم صونَ علمهم بصون أنفسهم:

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوهُ صَانَهُمْ                  وَلَوْ عَظَّمُوهُ فِي النُّفُوسِ لَعُظِّمَا

وَلَكِنْ أَهَانُوهُ فَهَانَ وَدَنَّسُوا                                   مُحَيَّاهُ بِالْأَطْمَاعِ حَتَّى تَجَهَّمَا

فيا لهذه الأبيات من حكمةٍ تختزل في كلماتها حقبًا من التاريخ! إن العلماء حين يصونون أنفسهم، ويصونون هيبتهم إنما يصونون علمَهم، وتأثيرَهم، ورسالتَهم، وحين يهينون أنفسهم، ويبذلون هيبتهم، إنما يهينون العلم كله في أعين الناس.

إياك والغفلة عن كونك هدفًا!

ومما ينبغي أن يقرر هنا ويؤكد: أن إسقاطَ هيبة العلماء ومكانتهم ليس وليد غفلة عابرة فحسب، بل هو في بعض الأحيان مسعىً مقصود يقف خلفه من يريد إضعاف الدين، ومؤسساته في نفوس الناس.

فالعالم المتهاون بهيبته ووقاره قد يكون دون قصد جنديًا في خدمة من يريد إسقاط هذه الهيبة! والغافل عن أهمية مقامه قد يقدم بيده ما يعجز أعداؤه عن انتزاعه بقوتهم، فالعالم هدف وهو يشعر أو لا يشعر، وعليه أن يعي هذه الحقيقة، وأن يتصرف بما يعزز حصن العلم لا بما يخترق سوره.

الداعية والحرية الشخصية.. أين يلتقيان ويفترقان؟

ولعل قائلًا يقول: أليس للعالم حياة خاصة؟ أليس له حق التعبير والبهجة وعيش مشاعره كسائر البشر؟

والجواب: بلى، إن للعالم حياة خاصة تتسع لكثير مما تتسع له حياة كل إنسان، لكن الحرية الشخصية ـ وهي قيمة محترمة في الإسلام ـ لها حدود، تبدأ حين تتحول إلى رسالة عامة، سواء أراد صاحبها ذلك أم لم يرد، فالعالم حين يظهر بزي مؤسسته في محافل الناس، وأمام عيونهم، فهو لم يعد مجرد شخص يعبر عن نفسه، بل صار رمزًا يعبر عن دين وتاريخ وأجيال.

فالزي الديني ليس ملابس شخصية كسائر الملابس، بل هو رمز لمؤسسة، وشعار لدين، وصدى لتاريخ متراكم من التضحيات والبناء، من لبسه تطوَّع بحمل أمانة، وأمانات الرموز ثقيلةٌ في الحساب، وعظيمةٌ في المسؤولية.

وما أحسنَ أن نختم هذا الحديث بما قاله شاعر النيل، وأمير الشعراء أحمد شوقي في مديح الأزهر وعلمائه، معبرًا عن الوجدان الجماعي لأمة تعرف قدر علمائها، وتحفظ مكانتهم في وجدانها:

قُم في فَمِ الدُنيا وَحَيِّ الأَزهَرا              وَاِنثُر عَلى سَمعِ الزَمانِ الجَوهَرا

وَاِجعَل مَكانَ الدُرِّ إِن فَصَّلتَهُ                    في مَدحِهِ خَرَزَ السَماءِ النَيِّرا

وَاِذكُرهُ بَعدَ المَسجِدَينِ مُعَظِّماً                     لِمَساجِدِ اللَهِ الثَلاثَةِ مُكبِرا

وَاِخشَع مَلِيّاً وَاِقضِ حَقَّ أَئِمَّةٍ                    طَلَعوا بِهِ زُهراً وَماجوا أَبحُرا

كانوا أَجَلَّ مِنَ المُلوكِ جَلالَةً                     وَأَعَزَّ سُلطاناً وَأَفخَمَ مَظهَرا

زَمَنُ المَخاوِفِ كانَ فيهِ جَنابُهُم                  حَرَمَ الأَمانِ وَكانَ ظِلُّهُمُ الذَرا

فها هو الشاعر العبقري يصور العلماء بأنهم كانوا أجل من الملوك جلالة، وأعز سلطانًا، وأن جنابهم في زمن المخاوف كان حرم الأمان، وملجأ الخائفين، فتلك الجلالة لم تأت من فراغ، بل بنى أولئك العلماء العظام صرحها بحياة من الوقار والهيبة والسمت الحسن، الذي استقر في وعي الأمة جيلًا بعد جيل.

وفي الختام رسالة إلى كل حامل أمانة:

أيها العالِم الجليل، أيها الداعية الكريم:

حين تنظر في مرآة التاريخ فترى صورة من سبقك من الأئمة الذين حملوا هذه الأمانة بحقها؛ فهل ترى فيها نفسك كما ينبغي أن تكون؟

إنك تحمل في رقبتك وديعة، أوصت بها السماء لمن اختاره ليكون وارث الأنبياء، فانظر أين أنت يا رجل! تلك المكانة التي أراد أعداء الإسلام إسقاطها، فلا تكن أنت من يُعينهم عليها، ولا تقدم لهم بيدك ما عجزوا عن انتزاعه بقوتهم.

تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: خِيَارُكُمُ الَّذِينَ إِذَا رُءوا ذُكِرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ» [أخرجه ابن ماجه (٤١١٩)، وأحمد (٢٧٥٩٩) عن أسماء بنت يزيد، رضي الله عنها]، فهل تذكر رؤيتك الناس بالله؟ هل إذا مر الناس بك أحسوا برياح من رياض السماء، وذكرهم مظهرك وسمتك بالله وبرسوله وبأئمة الإسلام؟

والعلم الحق لا يزداد صاحبه في نفسه إلا نورًا وحكمةً، وصونًا لكرامته، وسموًا بنفسه عن مواطن الهزل والابتذال، قال وكيع: قالت أم سفيان الثوري لسفيان: "يا بني، إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى نفسك زيادة في مشيك وحلمك ووقارك، فإن لم يزدك فاعلم أنه لا يضرك ولا ينفعك". [صفة الصفوة ٢/‏١١٠]، فتعلم الوقار مقياس لصحة العلم وعمقه في النفس؛ فإذا كان العلم لا يورث صاحبه وقارًا وهيبةً فما هو إلا قشر بغير لب، وصورة بغير روح.

واعلم أن ما ينبغي أن يُفعل ليس أكثر مما أوصى به عمر الفاروق، رضي الله عنه : "تعلَّموا العلم وعلِّموه الناس، وتعلَّموا الوقارَ والسكينة".  [رواه البيهقي في شعب الإيمان (١٧٨٩)] فمتى تعلمنا الوقار والسكينة تعلمنا العلم نفسه.

اللهم فقهنا في الدين، وألهمنا صون الأمانة، وارزقنا الوقار والسكينة، واجعل مظهرنا مرآة صادقة لما في قلوبنا من خشيتك ومحبتك وإجلالك، اللهم آمين.

الخلاصة

لكل داعية، إن الأمانة تستوجب أن تكون كالشامة في الناس، سمتًا وهديًا ووقارًا، فمن صان علمه صانه الله والناس، والمروءة هي الحارس لهيبة الدين في نفوس العوام، فاجعل من حالك ذكرًا، ومن صمتك فكرًا، لتبقى بزيِّك منارًا، يهدي الحائرين، ووارثًا حقًا لجلال النبوة.

موضوعات ذات صلة

الكذبُ نقيضُ الصِّدق، والكذبُ تَضيعُ بهِ الحقوقُ.

هو من أسمي الفضائل، ومن مكارم الأخلاق، وله فضل كبير في القضاء على شهوة النفوس.

التربية الإسلامية رسالة شاملة ومتكاملة تسعى إلى بناء الإنسان الصالح الذي يعبد الله عن وعي.

الخير في الإسلام مفهوم شامل ومركزي، ينبع من الإيمان بالله والعمل الصالح.

يُعرف الضمير لغويًّا بما يدل على المتكلم أو المخاطب أو الغائب، واصطلاحيًّا هو خاصية تمكن الإنسان من إصدار أحكام أخلاقية.

موضوعات مختارة