Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أخلاقيات التعامل داخل المواصلات العامة

الكاتب

هيئة التحرير

أخلاقيات التعامل داخل المواصلات العامة

هل تأملت يومًا أن دقائق قليلة داخل حافلة أو قطار قد تكشف أخلاق الإنسان أكثر مما تكشفه سنوات من الحديث؟ فالمواصلات العامة ليست مجرد وسيلة انتقال، بل ميدان يومي يظهر فيه الاحترام، والصبر، والتعاون، وحقيقة القيم التي يحملها كل فرد.

الإسلام دين الأخلاق في كل مكان

لم يترك الإسلام مكانًا إلا ووضع له آدابًا وأخلاقًا، حتى في الطريق والمجالس ووسائل الانتقال، قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسۡنࣰا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» [رواه الإمام الترمذي برقم١٩٨٧ وقال: حديث حسن].

ومن هذا المنطلق فإن المسلم مطالب بأن يكون حسن الخلق داخل المواصلات كما هو في بيته أو مسجده؛ لأن الأخلاق ليست عبادة موسمية، وإنما هي سلوك دائم.

قيم الإسلام وآداب التعامل داخل المواصلات العامة

جاء الإسلام بمنظومةٍ متكاملة من القيم والأخلاق التي تنظم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالناس من حوله، فلم يترك موقفًا من مواقف الحياة إلا وأرشد إلى آدابه وأحكامه.

ومن هذه الميادين المواصلات العامة، التي تظهر فيها قيم الاحترام والرحمة والتعاون والصبر وكف الأذى في أبهى صورها ومن هذه القيم:

  • احترام الآخرين وعدم إيذائهم

من أعظم أخلاق الإسلام كف الأذى عن الناس، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [متفق عليه رواه البخاري في كتاب الايمان رقم ١٠ ومسلم رقم ٤١].

ومن صور الإيذاء في المواصلات:

  1. التدافع عند الصعود أو النزول.
  2. رفع الصوت والصياح.
  3. التلفظ بألفاظ بذيئة.
  4. تشغيل الهاتف أو المقاطع الصوتية بصوت مرتفع.
  5. مضايقة الركاب أو السخرية منهم.

وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - كف الأذى صدقة، فقال: «وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» [متفق عليه رواه البخاري برقم ٢٩٨٩ ومسلم برقم ١٠٠٩].

فإذا كان إبعاد الأذى عن الطريق صدقة، فإن الامتناع عن إيذاء الركاب أولى وأعظم.

  • احترام كبار السن وأصحاب الأعذار

من أجمل صور الأخلاق في المواصلات إفساح المكان لكبير السن أو للمريض أو للمرأة الحامل أو لذوي الاحتياجات الخاصة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا» [رواه البخاري في الأدب المفرد برقم ٣٥٨]

والتوقير لا يكون بالكلام فقط، بل بالفعل أيضًا؛ بأن نساعد الكبير في الصعود والنزول، وأن نمنحه الأولوية في الجلوس، وأن نتحدث معه بأدب واحترام.

وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مثالًا في توقير الكبار، فكان يقدّم أهل السن في الحديث وفي كثير من الأمور، حتى قال: «كَبِّرْ كَبِّرْ» أي قدّم الأكبر سنًا [رواه البخاري برقم ٣١٧٣].

  • النظافة والمحافظة على المواصلات العامة

وسائل النقل العامة ملك للجميع، والمحافظة عليها من صور الأمانة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰۤ أَهۡلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]

ومن المؤسف أن بعض الناس يكتبون على المقاعد أو يكسرون النوافذ أو يلقون المخلفات داخل وسائل النقل، وكأن هذه الممتلكات لا تخصهم، مع أنها من المال العام الذي ينتفع به الجميع.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» [رواه مسلم برقم٥٧].

فإذا كانت إزالة ورقة أو حجر من الطريق شعبة من شعب الإيمان، فكيف بمن يحافظ على نظافة قطار أو حافلة يستفيد منها آلاف الناس كل يوم؟ 

  • الالتزام بالنظام واحترام الدور

من الأخلاق الراقية داخل المواصلات الالتزام بالنظام وعدم تجاوز الآخرين، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: ٢]

والتدافع والتزاحم يسببان المشقة والأذى وربما يؤديان إلى وقوع الحوادث والإصابات، لذلك فإن احترام الطابور والانتظار بصبر من صور التعاون والرحمة بين الناس.

وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [رواه ابن ماجه برقم ٢٣٤٠]؛ فكل تصرف يؤدي إلى إلحاق الضرر بالآخرين داخل وسائل النقل يدخل في دائرة النهي الشرعي.

  • غض البصر وصيانة الحياء

المواصلات العامة تجمع الرجال والنساء في مكان واحد، ولذلك يجب على المسلم أن يتحلى بالحياء وغض البصر.

قال الله تعالى: ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِینَ یَغُضُّوا۟ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ﴾ [النور: ٣٠]، وقال أيضًا: ﴿وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ یَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]

فالنظرات المؤذية أو التعليقات غير اللائقة أو المضايقات اللفظية سلوكيات تتنافى مع الدين والإنسانية، وتؤدي إلى نشر الخوف وانعدام الأمان داخل المجتمع.

  • الرحمة والتعاون بين الركاب

كم من إنسان يحمل أمتعة ثقيلة أو يحتاج إلى مساعدة في الصعود أو النزول! ومن أخلاق المسلم أن يكون عونًا لإخوانه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» [رواه مسلم برقم ٢٦٩٩].

إن ابتسامة صادقة، أو مساعدة مسن، أو إفساح مكان لطفل، أو توجيه شخص تائه، كلها أعمال بسيطة لكنها عظيمة الأثر عند الله وعند الناس، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» [رواه الطبراني في معجمه الصغير برقم ٨٦١].

  • الصبر وضبط النفس

قد يتعرض الإنسان داخل المواصلات للتأخير أو الزحام أو سوء تصرف من بعض الركاب، وهنا تظهر قيمة الصبر.

قال الله تعالى: ﴿وَٱلۡكَٰظِمِینَ ٱلۡغَیۡظَ وَٱلۡعَافِینَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ﴾ [آل عمران: ١٣٤] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» [متفق عليه البخاري برقم ٦١١٤ومسلم ٢٦٠٩].

إن المشاجرات التي تحدث في بعض وسائل النقل تبدأ غالبًا بسبب كلمة غاضبة أو تصرف انفعالي، ولو تحلى الناس بالحلم والصبر لانتهت كثير من المشكلات قبل أن تبدأ.

  • الأمانة في دفع الأجرة والمحافظة على الحقوق

من الأخلاق المهمة كذلك أداء الحقوق المالية وعدم التحايل أو التهرب من دفع الأجرة، قال الله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَوۡفُوا۟ بِٱلۡعُقُودِۚ﴾ [المائدة: ١]؛ فاستغلال الأخطاء أو التهرب من التذاكر أو الاستيلاء على ممتلكات الغير داخل وسائل النقل يتنافى مع خلق الأمانة الذي دعا إليه الإسلام، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أَدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنَك، ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ» [رواه الإمام أَحمد في (مسنده)١٥٤٦٢، وأبو داود ٣٥٣٤].

المواصلات مدرسة للأخلاق

إن دقائق قليلة نقضيها يوميًا في المواصلات تكشف حقيقة أخلاقنا؛ فهناك من يحول هذه الرحلة إلى مصدر للإزعاج والفوضى، وهناك من يجعلها فرصة للخير والإحسان.

ولذلك فإن رقي الأمم لا يُقاس فقط بالمباني والطرق والقطارات الحديثة، وإنما يُقاس كذلك بأخلاق الناس داخل هذه المرافق.

وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إِلَيَّ، وأقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَومَ القِيَامَةِ، أحَاسِنكُمْ أَخْلاَقًا» [رواه الترمذي برقم ٢٠١٨].

فكل موقف أخلاقي داخل المواصلات قد يكون سببًا في محبة الله ورسوله، وكل تصرف سيئ قد يترك جرحًا في نفس إنسان لا نعرفه.

أثر الالتزام بالأخلاق في المواصلات العامة في استقرار المجتمع

إن التحلي بالأخلاق داخل المواصلات العامة ليس سلوكًا فرديًّا فحسب، بل هو عامل مهم في تحقيق استقرار المجتمع وأمنه.

فحين يسود الاحترام والتعاون بين الركاب تنتشر الطمأنينة ويشعر الجميع بالأمان والراحة أثناء تنقلاتهم.

كما أن الالتزام بآداب التعامل وكف الأذى يسهم في تقليل المشاجرات والعنف التي تنشأ غالبًا بسبب التدافع أو سوء الخلق.

ومن آثار الأخلاق أيضًا المحافظة على الممتلكات العامة، إذ يدرك الإنسان أن وسائل النقل أمانة وملك لجميع أفراد المجتمع، فيحرص على نظافتها وصيانتها.

كذلك فإن السلوك الراقي داخل المواصلات يعكس صورة حضارية للمجتمع أمام أبنائه وزائريه، ويُظهر مدى تمسكه بالقيم الدينية والإنسانية.

لذلك فإن الأخلاق في المواصلات ليست أمرًا ثانويًّا، بل هي وسيلة لبناء مجتمع أكثر أمنًا ورحمةً وتحضرًا.

ومن المواقف المعاصرة التي تجسد أثر الأخلاق في المواصلات العامة ما حدث في إحدى محطات مترو الأنفاق؛ إذ سقط رجل مسن على أرضية المحطة أثناء ازدحام الركاب، وكان يمكن أن يتحول الموقف إلى فوضى وتدافع، لكن مجموعة من الشباب بادروا سريعًا إلى إيقاف الناس، ورفعوا الرجل برفق، وأحضر أحدهم الماء، بينما ساعده آخر على الجلوس، وتطوع ثالث بإبلاغ أسرته، وخلال دقائق عاد النظام إلى المحطة، وأثنى الجميع على هذا التصرف الحضاري.

لقد نشر هذا الموقف الطمأنينة بين الركاب، ومنع وقوع مشاجرات أو إصابات، وأظهر قيمة المحافظة على النظام والتعاون، كما قدَّم صورة مشرقة عن أخلاق المجتمع.

وهكذا تصنع الأخلاق في المواقف اليومية مجتمعًا أكثر أمنًا ورحمةً واستقرارًا.

الخلاصة

إن المواصلات العامة ليست مجرد وسيلة للانتقال، بل هي ميدان يومي لتطبيق القيم الإسلامية والإنسانية؛ فيها يظهر احترامنا للآخرين، ورحمة الكبير، والمحافظة على المال العام، والالتزام بالنظام، وكف الأذى، والصبر والتعاون.

فإذا تحلت المواصلات العامة بالأخلاق، أصبح المجتمع أكثر رحمةً وتحضرًا وأمنًا، وانتشرت بين الناس روح المودة والتعاون التي جاء بها الإسلام.

موضوعات ذات صلة

وصفٌ لفكر الإنسان وسلوكه دون غيره من المخلوقات.

عنى الإسلام بالأخلاق الاجتماعية، وحث على التمسك بها لضمان استقرار المجتمع ووحدته.

تشكّل ظاهرة رشق القطارات والحوادث المرتبطة بالمواصلات تهديدًا خطيرًا للأمن والسلامة العامة.

يشكل الإحسان والعناية بحقوق المحيطين بالفرد أساسًا متينا لبناء مجتمع سليم.

إن قيمة الحياء كخلق محوري يضبط إيقاع الفرد والمجتمع.

موضوعات مختارة