يعتبر مذهب المرجئة من أكثر المذاهب التي تعرضت للخلط التاريخي، حيث نسب البعض لفقهاء كبار آراءً تخالف جوهر عقيدتهم، نستعرض هنا نشأة الإرجاء وعلاقته بالإيمان والعمل.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
يعتبر مذهب المرجئة من أكثر المذاهب التي تعرضت للخلط التاريخي، حيث نسب البعض لفقهاء كبار آراءً تخالف جوهر عقيدتهم، نستعرض هنا نشأة الإرجاء وعلاقته بالإيمان والعمل.
إن حديث مؤرخي الملل والنحل عن (المرجئة) فيه خلط كثير، ولا يمكن للإنسان أن يستخلص مذهبهم إلا بعد إمعان في البحث، في مختلف الكتب، وبعد موازنة وتروٍ وتعمقٍ في النظر والشيخ "زاهد الكوثري" يقول بحق عن صاحب (التبصير):" وللمصنف تساهل في شرح مذاهب (المرجئة)“. اهـ.
هذا التساهل في شرح مذاهب (المرجئة) لا يختص به صاحب (التبصير) فحسب: ذلك أن "الشهرستاني"، يذكر (فرق المرجئة) فيذكر من بينها مثلًا (مرجئة الخوارج).
والواقع: أنه ليس في (الخوارج مرجئة)، و(الخروج) لا يمت إلى (الإرجاء) بأية صلة؛ وهذا التعبير من ناحية معناه تعبير خطأ.
ويذكر "الشهرستاني" (مرجئة القدرية)، و(القدرية) لفظ كان يطلق على (المعتزلة)، و (المعتزلة) و (عيدية)، فلا يمكن أن يكون بينهم (مرجئة)، والتعبير من ناحية المعنى خطأ - أيضًا.
حقيقة أن هناك (مرجئة) يقولون (بالاختيار)، ولكن القول بـ (الاختيار) وحده شيء، والاعتزال شيء آخر.
ثم إن "الشهرستاني" يتعجب من "غسان المرجئ"، لعده، "أبا حنيفة" من (المرجئة)، ويقول: ولعله كذب كذلك عليه، ويأخذ في تبرئة "أبي حنيفة" من تهمة (الإرجاء)، وينتحل مختلف الأسباب لإخراجه من (المرجئة).
ولكنه في نهاية الفصل الذي عقده في كتابه (الملل والنحل) عن (المرجئة) يذكر رجال (المرجئة)؛ فيعد من بينهم.. أبا حنيفة، و"أبا يوسف“، و "محمد بن الحسن “.
فأنت ترى من ذلك أن "الشهرستاني يكذب من عدّ "أبا حنيفة" من (المرجئة)، ثم لا تكاد تمضي بضع صفحات حتى تراه - هو نفسه - يعده من (المرجئة).
وإذا بحثت عن سبب النفور من المرجئة، تفجؤك في كل مكان العبارة المشهورة التي تعزى إليهم: لا تضر مع الإيمان معصية، ولا تنفع مع الكفر طاعة.
وإذا سألت عن معنى هذه الجملة في دقة، لا تكاد تقف على معنى محدد لها، أو تقف على معنى - يلقى دون مبالاة - كما يقول.. "أبو البقاء" في الكليات [ص: ٣٥٠، ط بولاق].
(المرجئة) هم يحكمون بأن صاحب الكبيرة لا يعذب أصلًا، وإنما العذاب للكفار. ا هـ.
أكان (المرجئة) يقولون ذلك حقاً؟ أم أن "أبا البقاء لم يصور مذهبهم على ما هو عليه؟ إن "الأشعري"، في "مقالات الإسلاميين" يقول: واختلفت (المرجئة) في فجار أهل القبلة: هل يجوز أن يخلدهم الله في النار، إن أدخلهم النار؟ على خمسة أقاويل:
من ذلك نرى أن "الأشعري " يذكر اختلافهم، لا في دخول النار فحسب، وإنما في الخلود فيها.
وفرق شاسع بين هذا القول، وقول "أبي البقاء" فأي الرأيين هو الحق؟ ثم إنك لا تعدم أن تجد من يعلل النفور من (المرجئة) بالحديث: (الْمُرْجِئَةُ، مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ) مع أنه حديث غير صحيح أصلًا.
وحديث (صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا مِنَ الإِسْلامِ نَصِيبٌ المرجئة والقدرية) حديث موضوع!
وليس بين أيدينا كتب (للمرجئة) نستخلص منها مذهبهم، لكل ذلك لم يكن من السهولة بمكان استخلاص الحق فيما يتعلق بهم.
كانت نشأة (المرجئة) نشأة طبيعية، ذلك أن البيئة الإسلامية حينئذ، كانت منقسمة على نفسها انقسامًا منكرًا، وكل قسم منها، يرمى الأقسام الأخرى بالكفر والضلال من غير ما تحرج.
كان في البيئة الإسلامية (خوارج) يرمون (عليًّا) ومن تابعه، و" معاوية" ومن تابعه بالكفر والضلال.
وكان فيها (عثمانيون) يعلنون أن من عداهم: (علويين) كانوا أم (خوارج): كفار مارقون.
(والشيعة) يكفرون هؤلاء وأولئك.
وكل يشحذ ذهنه، ويعمل تفكيره، ويبذل ما استطاع من جهد في الإتيان بالحجج لتبرير موقفه
وكانت حجج كل فريق تأتى إرسالًا، وتنثال انثيالًا، وتلبس صورة براقة، تأخذ بالألباب، وتستولي على الأفئدة.
ولم يأل (العرب) - الذين وصفهم القرآن بأن ألسنتهم حداد، وأنهم ألدّ الخصام - جهدًا، في تصوير خصومهم بأنهم حزب الشيطان، وتصوير أنفسهم بأنهم حزب الله.
ما هو الحق - إذن - يا ترى من بين هذه الحجج التي تتصارع؟
رأى قوم أن معرفة ذلك أمر عسير، ما الموقف الحكيم إذن؟
إن الموقف الحكيم: أن نرجى أمرهم إلى الله.
ومن هنا كان اسم (المرجئة).
إن هؤلاء الذين يتصارعون: يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وهم يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويحجون البيت، وهذه كلها علامة المسلم الظاهرة، وهي التي تدل على أن من أتى بها كان مسلمًا.
ثم إن وحدة الأمة التي عليها يرتكز عزها ومجدها، وبها نصرة الإسلام وانتشاره، وإعلاء كلمة الله
هذه الوحدة التي يحرص عليها كل مسلم، تقتضي ألا نتنابز بالكفر بعد الإيمان.
(الشيعة) إذن، و (العثمانيون)، و (الخوارج) مسلمون.
ولكن هؤلاء القوم، يحارب بعضهم بعضًا، ويقتل بعضهم بعضًا، ويأتون أعمالًا كثيرة منكرة متبادلة فيما بينهم.
أهم مع ذلك مؤمنون؟ أليس للإيمان صلة بالأعمال؟
رأى المرجئة (أن الأعمال شيء) وأن الإيمان شيء آخر.
فالإيمان هو التصديق بالقلب، في ثقة واطمئنان، والأعمال من فعل الجوارح.
حقيقة، أن الإيمان من شأنه، أن يصدر عنه العمل، ولكن ليس من المحتم أن يصدر عنه العمل، فقد تحول الحوائل، وتمنع الظروف عن العمل، ويكون الإيمان مجرد تصديق قلبي، وقد قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِیمَٰنِ﴾ [النحل: ١٠٦].
وأمر الإيمان - إذن - والكفر: مرده إلى الله الذي يعلم السرائر.
ذلك أنه أمر قلبي، لا تراه الأعين، ولا تسمعه الآذان؛ وأمر كل إنسان – إذن – إلى الله، وهو وحده الذي يوفيه حسابه.
ولكن جريمة القتل التي ترتكب، وجريمة التعدي على الأعراض التي تنتهك، ألا يخرج ذلك الإنسان عن حظيرة الإيمان؟
هل تخرج الكبيرة المؤمن عن إيمانه؟
يرى (المرجئة) أن الإيمان: هو التصديق كما سبق أن ذكرنا.
والتصديق: لا يزيله إتيان الكبيرة، فالمصدق العاصي: مؤمن عاص، لم يزل عنه وصف
الإيمان لعصيانه، وسيتولى الله حسابه.
ولكن هل مقتضى الجريمة الخلود في النار؟
يرى (المرجئة) أن الخلود في النار خاص بالكفار.
أما المؤمن فقد يعفو الله عنه، وقد يعاقبه، ولكن مصيره في النهاية الجنة.
﴿قُلۡ یَٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ أَسۡرَفُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِیعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَغۡفِرُ أَن یُشۡرَكَ بِهِۦ وَیَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن یَشَاۤءُۚ﴾ [النساء: ٤٨].
مرد الأمر في العقوبة والمثوبة - إذن - إلى مشيئة الله الحرة المطلقة، وعلى كلٍ فمآل المؤمنين في النهاية الجنة.
هذا رأي جمهورهم، ولكن قلة منهم رأت أن مآلهم: إنما مرده إلى الله، الذي لا يتحتم عليه شيء.
ترى من هذا: أن نشأة (المرجئة) كانت طبيعية، وأن أبحاثهم إنما دارت حول تحديد الإيمان، وحول ما يترتب على هذا التحديد من خلود في النار أو عدمه، وهذا في الواقع هو الأساس الأصيل، وهذا هو الجوهر الأساسي لمذهب المرجئة، إنهم يجمعون عليه وكان من الممكن أن نكتفى بهذا ونعدّ المرجئة نزعة، نزعة إلى السلامة، ولكن المؤرخين اتفقوا على عدها فرقة، بل وقسموها إلى فرق، وكنا نحب ألا نجاريهم في هذا، بيد أن جو التأريخ للفكر الإسلامي يجعلنا - مع هذا التنبيه - نذكر شيئًا مما قاله المؤرخون، إننا نذكر آراء (فرقتين) من (فرقهم) بعد أن ذكرنا الأصل الذي يجمعهم.
ونتعمد ذكر رأى هاتين (الفرقتين) بالذات، لأن الأولى منهما وهي: (اليُونُسِيَّة) ويعدها (الشهرستاني) من المرجئة الخالصة: ربما كانت السبب في القولة الشائعة: (لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة).
وفي وهم "أبي البقاء": (صاحب الكبيرة لا يعذب أصلًا).
(الفرقة) الثانية: هي (فرقة) "أبي حنيفة، وأصحابه".
(اليُونُسِيَّة) هم أصحاب (يُونس بن عون).
وقد رأى الإيمان إنما هو المعرفة بالله، والخضوع له، ويتمثل في شيئين، أحدهما: ترك الاستكبار عليه. والثاني: المحبة له، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن.
ولمحبة الله والخضوع له عند " يونس" شأن كبير:
يجب أن يكون الخضوع لله على خلوص ويقين، وأن تكون المحبة له صافية، خالصة من كل شائبة، يجب أن يسيطر الخضوع والمحبة على القلب سيطرة تامة، ومن كان هذا شأنه لا يتأتى أن تصدر عنه معصية، إنه - ولا مرية في ذلك -: لا يمكن أن يتعمد المعصية، ومن الجائز أن تصدر عنه هفوة لا عن عمد. وهذه لا تضره، إنها لا تضره في يقينه وإخلاصه، ولا تضره في خضوعه ومحبته، ولا تضره في صلته بالله، بسبب يقينه وإخلاصه وخضوعه ومحبته وهو ولا شك تائب منها مستغفر.
والمؤمن إنما يدخل الجنة بإخلاصه ومحبته (لا بعمله وطاعته). [“الشهرستاني "، ص: ٣٦١، ط بدران].
على ضوء هذا يمكننا أن نفهم ما يعزى إلى (المرجئة):
من أنه لا تضر مع الإيمان معصية، ويمكننا أيضًا أن نفهم قول "الشهرستاني" شارحًا رأى "یونس":
من أن الطاعة ليست جزءًا من الإيمان، ولا يضر تركها حقيقة الإيمان ولا يعذب على ذلك، إذا كان الإيمان خالصا، واليقين صادقًا. [نفس المصدر].
وبعد هذا الضوء الذي ألقيناه على (اليونسية) ترى البعد الشاسع بين مذهب (المرجئة) في روحه، وجوهره، ومقولة يرسلها (أبو البقاء، في شرحه له وتفسيره).
ويقول: الشهرستاني، عن فرقة من (المرجئة):
هي (الثوبانية): ومن العجب! أنهم لم يجزموا القول بأن المؤمنين من أهل التوحيد يخرجون من النار لا محالة.
ولكل ما قدمنا ينبغي أن نأخذ كلام مؤرخي (الملل) بشيء من الحذر.
يقول شيخ أهل السنة والجماعة "الإمام الأشعري " في كتابه: (مقالات الإسلاميين)، و(الفرقة التاسعة) من (المرجئة)، (أبو حنيفة، وأصحابه) يزعمون أن الإيمان: المعرفة بالله، والإقرار بالله، والمعرفة بالرسول، والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة، دون التفسير.
والإيمان لا يتبعض، ولا يزيد، ولا ينقص، ولا يتفاضل الناس فيه.
فأما "غسان" وأكثر أصحاب "أبي حنيفة ":
فإنهم يحكون عن أسلافهم، أن الإيمان، هو الإقرار والمحبة الله، والتعظيم له، والهيبة منه، وترك الاستخفاف بحقه، وأنه لا يزيد ولا ينقص [مقالات الإسلاميين، ص: ۲۰۰– ۲۰۲، من جزء ١، ط النهضة المصرية].
كلمة أخيرة:
إن فرقة (اليونسية)، لا تمثل في دقة مطلقة - فيما نرى - مذهب (الإرجاء) في أساسه وجوهره، مجردًا عن الدخيل عليه.
أما صميم هذا المذهب فإنّه يتمثل في هذه الأبيات السهلة، التي قالها الشاعر "المرجئ “ثابت قُطنة وقد اختصرناها من قصيدة له عن مذهب الإرجاء:
المسلمون على الإسلام كلّهمو * * * والمشركون استووا في دينهم قِدَدا
ولا أرى أن ذنبا بالغ أحدًا * * * م الناس شركا إذا ما وحدوا الصمدا
من يتق الله في الدنيا فإن له * * * أجر التقيّ إذا وفّى الحساب غدا
وما قضى الله من أمر فليس له * * * رد وما يقض من شيء يكن رشدا
كل "الخوارج " مخط في مقالته * * * ولو تعبد فيما قال واجتهدا
أما "عليّ " و "عثمان " فإنهما * * * عبدان لم يشركا بالله من عبدا
الله يعلم ماذا يحضران به * * * وكلّ عبد سيلقى الله منفردا
وهو كما يرى القارئ لا يكاد يختلف في كثير أو قليل عن رأى أهل السنة، والله أعلم.
يتضح أن مذهب الإرجاء في حقيقته كان نزعة كلامية تسعى لتقرير أصل "بقاء الإيمان مع المعصية" وتفويض أمر العصاة لمشيئة الله المطلقة، ورغم ما نسبه المؤرخون إليهم من تهاون، إلا أن صميم قولهم -خاصة عند الفقهاء منهم كأبي حنيفة- لا يخرج عن دائرة إثبات النجاة للموحدين وعدم تخليدهم في النار.
إن الإمام الأشعري لم يبتدع في دين الله مذهبًا جديدًا؛ بل أحيا مسلك السلف بأدوات المتكلمين.
الإمام أبو منصور الماتريدي (ت ٣٣٣هـ - ٩٤٤م): هو أبو منصور محمود بن محمد بن محمود الماتريدي، لقب بإمام الهدى، وإمام المتكلمين، ورئيس أهل السنة، والإمام الزاهد.
تتجلى الحقيقة الساطعة في أن الأشعرية والماتريدية هما حراس العقيدة الصافية.