Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الوسطية في الإسلام.. مفهومها وأسسها

الكاتب

أ.د/ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

الوسطية في الإسلام.. مفهومها وأسسها

هل الوسطية مجرد وقوفٍ في منتصف الطريق، أم أنها منزلةٌ تجمع بين الاعتدال والريادة، وبين التشريف والتكليف؟ لقد جعل الإسلام الوسطية منهجًا متكاملًا لبناء أمةٍ واعيةٍ بالعلم، عاملةٍ بالإعمار، متحدةٍ في صفوفها، منفتحةٍ على العالم بالتعارف والتعاون.

مفهوم الوسطية في الإسلام

الوسطية: ماذا تعني؟

كلمة الوسطية في الإسلام مأخوذة من قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].

وهذه الآية تجعل الوسط في مكان عالٍ، يستطيع منه الراصد أن يشاهد مَن تحته، وأن يشاهدوه أيضًا في الوقت نفسه، وهذه الحالة تذكِّرنا بمَن كان في أعلى الجبل؛ حيث إن المسافة من الوادي إلى قمة الجبل صعودًا تساوي تقريبًا المسافة من قمة الجبل إلى الوادي الواقع وراءه هبوطًا، فيمكن أن يصدق على الواقف على قمة الجبل أنه يقف في وسطه.

ويؤكد هذا المعنى أن كلمة الوسط في لغة العرب تُطلق على الخيار، وعلى الأعلى، كما في قول رسول الله ﷺ في وصفه للجنة: «وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا» [رواه الترمذي].

وقوله ﷺ: «فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ» [مسند أحمد].

ويزيد هذا المعنى تأكيدًا ما ذهب إليه المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]؛ أي: من أعلاها وأجودها.

كلمة شهيد على وزن «فعيل» في لغة العرب، وهو وزن يفيد معنى اسم الفاعل ومعنى اسم المفعول جميعًا. وعلى ذلك، فكلمة «شهيد» معناها: شاهد ومشهود؛ فهو يشاهد مَن في الوادي، ويشاهده مَن في الوادي أيضًا.

الوسطية بين التكليف والتشريف

وإذا نقلنا هذا المعنى من الحالة الحسية إلى الحالة الحضارية، فإنه يجب على الأمة وجوبًا محتَّمًا أن تشارك في الحضارة الإنسانية، وأن تكون لها الريادة والقيادة، وألَّا تمنع نفسها عن العالم بعزلة أو تقوقع.

وعلى ذلك، فإن نسقها الحضاري والثقافي نسق مفتوح؛ ومن هنا جاءت فكرة أمة الإجابة وأمة الدعوة عند الإمام الرازي؛ حيث إن المسلمين يعتقدون أن أهل الأرض جميعًا داخلون في نطاق دعوتهم، إلا أن بعض البشر قد آمن بما أُنزل على سيدنا محمد ﷺ، وبعضهم لم يؤمن.

فمن آمن سمَّوه من أمة الإجابة، ومن لم يؤمن سمَّوه من أمة الدعوة. وهم بذلك في حالة شهادة دائمة ومشهودية دائمة؛ يأخذون ويعطون في حراك مستمر، أو هكذا أوجب الله عليهم.

إن هذا النسق المفتوح يفرض علينا أن نفهم العلاقة بين التكليف والتشريف؛ فالآيات التي تشرِّف الأمة وتعلي قدرها هي، في الوقت نفسه، تكليف لها.

فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] تشريف وتكليف.

وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] تشريف وتكليف.

وكذلك وصف الأمة بالوسطية تكليف وتشريف، وإسجاد الملائكة لسيدنا آدم عليه السلام تشريف وتكليف؛ حيث كُلِّف بالعلم وتحصيله، وبعمارة الأرض، وبتقوى الله سبحانه وتعالى.

أسس الوسطية في الإسلام

والسؤال الآن: كيف ننفذ هذا التكليف حتى نصل إلى هذا التشريف؟

تتمثل ملامح الوسطية في القرآن الكريم، باعتبارها تكليفًا، في مجموعة من الأسس الكبرى، هي:

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨].

وقال سبحانه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١].

وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].

وقال سبحانه: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].

وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].

وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].

وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].

قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].

وقال سبحانه: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١].

أي: طلب منكم عمارتها، إلى غير ذلك مما لا ينحصر من الآيات والأحاديث الداعية إلى العمل والإعمار.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].

وقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢].

  • رابعًا: التعارف بين الخلق

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].

الخلاصة

الوسطية في الإسلام ليست موقفًا بين طرفين فحسب، بل منهج حياة يجمع بين التوازن والريادة، وهي تشريف للأمة، يقابله تكليف بالعلم والعمل والاتحاد وعمارة الأرض.

وتقوم الوسطية على التعارف بين الخلق، والانفتاح الواعي، والتعاون في بناء الحضارة الإنسانية؛ وبتحقيق هذه المعاني، تستحق الأمة وصفها بالوسطية، وتنتقل من مجرد التشريف إلى أداء رسالة التكليف.

موضوعات ذات صلة

منهج متكامل للحياة، يحقق للإنسان التوازن بين حاجاته الروحية والمادية.

رفضٌ مطلقٌ لكل أشكال الغلو الفكري أو السلوكي أو العنيف.

موضوعات مختارة