وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إن الإسلام في تعامله الدولي لم يبدأ من فراغ؛ بل نظر نظرة شاملة لكل بني الإنسان، وأن العلاقات الدولية ككل العلاقات الاجتماعية والأحادية تقوم على الرحمة والمودة والعدالة، والوفاء بالعهود، والفضيلة، فإنها كما تنظم علاقة الآحاد، تنظم علاقات الجماعات والدول، وقد بَيَّنت أنه لا فضل لجنس على جنس، ولا لون على لون، وأن الجميع سواء أمام الله، فيجب أن يكونوا في المعاملة الإنسانية على سواء، وأنه يجب أن تتعارف الشعوب وتتعاون وتتلاقى ليستغل ابن الأرض كل ينابيع الثروة فيها، ويفيض كل إقليم على غيره بما يفضل ما ينتج، ويبادله الآخر مثله [العلاقات الدولية في الإسلام -محمد أبو زهرة- ص١١].
وتتجلى الجذور التاريخية للمواثيق والعهود في الإسلام في محطتين رئيسيتين؛ أولاهما: (حلف الفضول) في الجاهلية، وثانيهما: (وثيقة المدينة) التي تعد أول دستور مدني مكتوب أقر مبدأ المواطنة والتعايش السلمي والدفاع المشترك بين المسلمين وغيرهم:
أولًا: حلف الفضول
وسبب تسميته كذلك: قال ابن هشام: وأما حلف الفضول فحدثني زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق قال: تداعت قبائل من قريش إلى حلف، فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، لشرفه وسنه، فكان حلفهم عنده: بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة ابن كلاب، وتيم بن مرة. فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول.
وأما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول: قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمي أنه سمع طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت» [كتاب سيرة ابن هشام - ت السقا ورفاقه ج١/١٣٣-١٣٤].
ثانيًا: وثيقة المدينة
هذا الأساس هو أهم ما قام به النبي -عليه الصلاة والسلام- مما يتعلق بالقيمة الدستورية للدولة الجديدة، روى ابن هشام أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم تمض له سوى مدة قليلة في المدينة حتى اجتمع له إسلام عامة أهل المدينة من العرب، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها، عدا أفرادًا من قبيلة الأوس، فكتب رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- كتابًا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم [كتاب فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة -محمد سعيد البوطي -ص١٥٠].
إن كلمة (الدستور) هي أقرب إطلاق مناسب في اصطلاح العصر الحديث على هذه الوثيقة، وهي إذا كانت بمثابة إعلان دستور فإنه شمل جميع ما يمكن أن يعالجه أي دستور حديث يعنى بوضع الخطوط الكلية الواضحة لنظام الدولة في الداخل والخارج؛ أي فيما يتعلق بعلاقة أفراد الدولة بعضهم مع بعض، وفيما يتعلق بعلاقة الدولة مع الآخرين، وحسبنا هذا الدستور الذي وضعه رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- بوحي من ربه واستكتبه أصحابه، ثم جعله الأساس المتفق عليه فيما بين المسلمين وجيرانهم اليهود، حسبنا ذلك دليلًا على أن المجتمع الإسلامي قام منذ أول نشأته على أسس دستورية تامة، وأن الدولة الإسلامية قامت- منذ أول بزوغ فجرها- على أتم ما قد تحتاجه الدولة من المقومات الدستورية والإدارية، وظاهر أن هذه المقومات، أساس لا بد منه لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في المجتمع، إذ هي في مجموعها إنما تقوم على فكرة وحدة الأمة الإسلامية وما يتعلق بها من البنود التنظيمية الأخرى، ولا يمكن أن نجد أرضية يستقر عليها حكم الإسلام وتشريعه ما لم يقم هذا التنظيم الدستوري الذي أوجده رسول الله -صلّى الله عليه وسلم، على إنه في الوقت نفسه جزء من الأحكام الشرعية نفسها [المرجع السابق ص١٥٢].
جاء الإسلام داعيًا إلى السلام، وإن كان أشد ما يبغضه الاستسلام، وقد ذكر الله –سبحانه- أن على المسلمين واجب الأخذ بالسلم إذا مال أعداء المسلمين لها قال تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ﴾ [الأنفال: ٦١]، وإن السبيل لاستقرار السلام هو معاهدات الأمان وعدم الاعتداء، وإن المعاهدات لا تستمد قوتها من نصوصها؛ بل من عزيمة عاقديها على الوفاء ولذلك حث القرآن على الوفاء، واعتبر الوفاء بالعهد والميثاق قوةً، والنكث فيه أخذًا في أسباب الضعف، وإن من يوثق عهده بيمين الله فقد اتخذ الله كفيلاً بوفائه فإذا غدر بعهده فقد اتخذ عهد الله للغش وزيف القول، وإنه لا يصح أن يكون الباعث على الغدر بين الدول هو الرغبة في أن تكون أمةٌ أقوى مالاً وعدةً، وأكثر عددًا، وأوسع رقعة من أمة أخرى، وأشار سبحانه في بعض نصوص القرآن إلى أن الوفاء بالعهود هو المقصد الأسمى الذي يتجه إليه المؤمن لتحقيق معنى الوحدة الإنسانية بإرادته واختياره، ويتحقق ما أراده الله -تعالى- الذي لو شاء لجعل الناس لا يختلفون أبدًا، ولكن كان الاختلاف ليختبر الله الإرادات الإنسانية في تنفيذ ما يأمر به سبحانه وتعالى: ﴿وَأَوۡفُوا۟ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلۡأَیۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِیدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَیۡكُمۡ كَفِیلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١]، والمعاهدات واجبة الوفاء سواء أكانت بصلح دائم أو موقت، أم كانت القيمة للعلاقات في دائرة السلم المستمرة كالمعاهدات التي تؤمن طرق الاتصال وكالمعاهدات التي تنظم الاتجار ونحو هذا [العلاقات الدولية في الإسلام -محمد أبو زهرة- ص٨٤،٤٢].
فكرة حلف الفضول مازالت حية من حيث المقاصد والأهداف في كل زمان و مكان، خاصة في زماننا هذا، حيث الظلم طغى ومس شعوبًا وأممًا، فالاحتلال ظلم، واضطهاد الناس ظلم، وسلب الحرية ظلم، وكل سلب للحق اعتداء على كرامة الإنسان وحياته، وهذا هو المعنى العميق لحلف الفضول، إن ثقافة (حلف الفضول) فرصة للسلم العالمي، بترسيخ قيم التسامح والسلام بين مختلف الديانات، واحترام الرسائل السماوية وجميع الأنبياء، ونبذ كل أشكال التطرف والعنف، وإعطاء الحق للشعوب في تقرير مصيرها واختيار منْ يُــسَــيِّــرها.
أما عن مقاصد الأمم المتحدة فقد جاءت المادة ١ من ميثاق الأمم المتحدة ونصت على:
حفظ السلم والأمن الدولي، وتحقيقًا لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعّالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم ولإزالتها، وتقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم، وتتذرّع بالوسائل السلمية، وفقاً لمبادئ العدل والقانون الدولي، لحل المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو لتسويتها، إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام، تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء، جعل هذه الهيئة مرجعاً لتنسيق أعمال الأمم وتوجيهها نحو إدراك هذه الغايات المشتركة [ميثاق الأمم المتحدة الفصل الأول: مقاصد الهيئة ومبادئها المادة ١].
إن حلف الفضول يُعدّ أول وثيقة في التاريخ الإنساني تنصّ على مبادئ حقوق الإنسان، وبناءً على هذا الإرث، جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو وثيقة دولية اعتمدتها الأمم المتحدة.
تتلاقى مقاصد التاريخ الإسلامي مع الأهداف المعاصرة لميثاق الأمم المتحدة في نصرة المظلوم، وحماية حقوق الإنسان، وتعزيز السلم العالمي، ويظل هذا الإرث الدستوري والشرعي نموذجاً حياً لإرساء قيم التسامح، والوفاء بالعهود، والتعاون المشترك بين مختلف الدول والشعوب.
حِلْف الفضول هو المُعاهدةُ التي عُقدت بين بني هاشم وبني المطلب
صحيفةُ المدينة أول وثيقة دستورية في التاريخ الإسلامي
الميثاق ليس مجرد كلمة في صفحات الكتب، بل هو عهد أزلي بين الروح وخالقها
من أسمى القيم وأجلّها التي جاء بها ديننا الإسلامي قيمة: "السلام"