Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مفهوم الحاكمية إشكالات المفهوم وخطورة التوظيف الأيديولوجي

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

مفهوم الحاكمية إشكالات المفهوم وخطورة التوظيف الأيديولوجي

إن مفهوم الحاكمية من أكثر المفاهيم الفكرية التي تعرضت للتحريف والتأويل الخاطئ من قبل تيارات الغلو والتطرف في العصر الحديث، حيث اتخذوه ذريعة لتكفير المجتمعات واستباحة الدماء والخروج على الأوطان. إن تفكيك هذه الشبهات بوعي علمي راسخ ومنهج وسطي يمثل الضرورة القصوى لحماية الفكر الإسلامي وتحصين الأمة من أفكار الخوارج الجدد.

المفهوم الصحيح للحاكمية في التصور الإسلامي المنضبط

إن الحاكمية بمفهومها العام تعني أن الله سبحانه وتعالى هو المشرع والملك وله الخلق والأمر، وهو أصل من أصول العقيدة التي لا نزاع فيها بين المسلمين، كما قال تعالى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ﴾ [الأنعام: ٥٧]، إلا أن تيارات التطرف انحرفت بهذا المفهوم الإلهي وحوّلته من دلالته العقدية التشريعية الشاملة إلى معنى سياسي ضيق يخدم مصالحها الحزبية والتنظيمات السريّة لها.

واتجهت بعض التيارات المنحرفة إلى تمييز نفسها عن الآخرين في مجتمعاتنا بوصفها- أي هذه التيارات- مجسدة في ذاتها وتكوينها إطارًا لحاكمية الله، أي أن في داخلها الحركي يكمن (الخلاص)، فهي دون غيرها (مدينة الله)، والآخرون (مدن الشيطان)، ويتداعى المنطق فيسبغ هذا الإطار الحركي على نفسه مشروعية التصرف باسم الله وحاكميته، فيرى في سبيل غاياته تبريرًا لكل الوسائل، مستحلًا الأنفس والدماء والأموال (براحة ضمير تامة)، فكل تصرف يتم بمضمر المشروعية الإلهية، وفي مواجهة الكفر والجاهلية". [الحاكمية، أبو القاسم حاج حمد، ص: (٣٩)، وراجع أيضًا: مفهوم الحاكمية... من أجل تجاوز إشكالات المفهوم والتوظيف الأيديولوجي، د/ محمد الناصري، ص: (٧)، ضمن سلسلة: الإسلام والسياق المعاصر، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، المغرب، الطبعة: الأولى، ١٤٣٩هـ- ٢٠١٨م].

فالحاكمية في التصور الإسلامي الصحيح تعني إفراد الله بالعبادة والتشريع في العقائد والمعاملات والأخلاق، مع تفويض سلطة إدارة شؤون البلاد والعباد (السياسة الشرعية) إلى أولياء الأمور والحكام وفق المقاصد الشرعية والمصالح المرسلة التي تحقق أمن المجتمعات واستقرارها.

تفنيد شبهات المتطرفين في الاستدلال بآيات الحُكم والتكفير

إن الفكرة المحورية التي تأسست عليها بقية مفاهيم التيارات الإسلامية هي فكرة الحاكمية، فإنها هي الجذر الذي نهضت على أساسه منظومتهم الفكرية بكل مقولاتها، ومفاهيمها، وفروعها، ومنها تولدت بقية مفاهيمهم، فانبثقت منها فكرة: شرك الحاكمية وتوحيد الحاكمية عند سيد قطب وأخيه محمد قطب، وتولدت من ذلك فكرة العصبة المؤمنة، وفكرة الوعد الإلهي لهذه العصبة المؤمنة، وفكرة الجاهلية، التي هي حالة بقية المسلمين، وفكرة المفاصلة والتمايز الشعوري بين الفئتين، وفكرة الاستعلاء من العصبة المؤمنة على الجاهلية وأهلها، وفكرة حتمية الصدام بين الفئتين عند سيد قطب لإقامة الخلافة، وفكرة التمكين، إلى آخر شجرة المفاهيم التي نتجت من قضية الحاكمية، والتي تتكون من مجموعها نظرية متكاملة داخل عقل تلك التيارات". [الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين، د/ أسامة السيد الأزهري، ص: (١٧)، ط/ دار الفقيه للنشر والتوزيع، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة: الثانية، ١٤٣٦هـ/ ٢٠١٥/].

حيث ترتكز جماعات الغلو في تكفير الأنظمة والمجتمعات على الفهم السقيم لآيات سورة المائدة، وعلى رأسها قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].

وقد دحض حبر الأمة وسيد المفسرين عبد الله بن عباس رضي الله عنهما هذا الفهم الخارجي مبكرًا، حيث قال في تفسيرها: «لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ، إِنَّهُ لَيْسَ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، بَلْ هُوَ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ». [تفسير الطبري، ج ٨، ص: ٤٦٥]

فسيدنا عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- يوضح معنى الكفر في الآية وأنه لا يعني بالضرورة الكفر الأكبر المخرج من الملة، بل هو نوع من الكفر دون كفر، أي معصية عظيمة ودرجة من درجات الكفر، لكنها ليست كفرًا اعتقاديًّا كالذي ينكر وجود الله أو يكذب باليوم الآخر أو بالرسل والكتب.

 ويمكن حمل الآية الكريمة على ظاهرها فيمن جحد حكم الله أو استهزأ به أو اعتقد أن حكم غير الله أفضل من حكمه، أما من حكم بغير ما أنزل الله هوًى أو تقصيرًا أو لضرورة مع إقراره بالشرع، فهو مرتكب لمعصية لا تخرجه من مِلَّة الإسلام.

المنهج النبوي في التعامل مع ولاة الأمور

أقامت السنة النبوية المطهرة سياجًا أمنيًّا وفكريًّا منيعًا لحماية الأوطان من الفتن، فأمرت بطاعة ولاة الأمور في غير معصية الله حرصًا على جمع الكلمة ومنع الفوضى.

يقول النبي- صلى الله عليه وسلم: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ». [رواه مسلم، كتاب: الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، رقم: (١٨٣٩)، ج ٦، ص: ١٥].

وحذر النبي- صلى الله عليه وسلم- تحذيرًا شديدًا من الخروج على الحكام ومفارقة الجماعة، فقال: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». [رواه مسلم، كتاب: الإمارة، باب: وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، رقم: (١٨٤٩)، ج ٦، ص: ٢١].

فهذا الحديث يوضح جانبًا مهمًا من منهج الإسلام في حفظ وحدة الأمة وقوتها؛ فالله تعالى أمر المؤمنين بالاعتصام بحبله وعدم التفرق، ومن لوازم ذلك أن يكون لهم إمام واحد وكلمة واحدة، لأن التفرق يضعف شوكتهم ويجعلهم عرضة لعدوهم.

وفي هذا الحديث يرشد النبي- صلى الله عليه وسلم- أمته بأن من كره من أميره وحاكمه شيئًا، فإنه ينبغي عليه أن يصبر على هذا المكروه ولا يخرج على سلطانه وأميره؛ لأن من خرج على السلطان وولي الأمر ولو قدر شبر - يعني: ولو في شيء يسير- مات ميتة جاهلية، أي: كما يموت أهل الجاهلية من الضلالة والفرقة وليس لهم إمام يطاع، وليس المراد أنه يموت كافرًا، ففي الحديث: الزجر والتحذير من الخروج على ولي الأمر.

هذا التأصيل النبوي يقطع الطريق تمامًا على شبهات المتطرفين الذين يبيحون لأنفسهم ولأتباعهم الخروج على ولاة الأمور، وإثارة الفوضى، وإحداث القلاقل في المجتمع سواء أكان ذلك عن طريق المظاهرات وأحداث الشغب التي تضرب استقرار المجتمع أم كان الخروج المسلح الذي يهلك الحرث والنسل، ويجعل بلاد المسلمين عرضة لأعدائها، وفريسة لمن يتربصون بها الدوائر.

أقوال العلماء والفقهاء الراسخين في التحذير من التكفير

أجمع علماء الأمة قاطبة على خطورة إطلاق أحكام التكفير بناءً على الغلو في مسألة الحاكمية؛ حيث يشدد الإمام الطبري في تفسيره على أن آيات سورة المائدة نزلت في أهل الكتاب الذين جحدوا نص التوراة بدليل السياق والسباق.

وقال الحافظ ابن حجر وأنه ينبغي: "التحذير من تكفير المسلم، فمن قال لأخيه: يا كافر، فإن كان كما قال وإلا حار (رجع) عليه... وينبغي للمسلم أن يحترز من ذلك أشد الاحتراز، فلا يطلق الكفر على مسلم إلا بنص صريح لا يحتمل التأويل". [فتح الباري، الحافظ ابن حجر العسقلاني، ج ١٠، ص: ٣٦٦].

وقضية التكفير في أصلها مسألة قضائية، فالقاضي هو الذي يتولى البحث والتدقيق فيها وإصدار الحكم على من يستحق ذلك بعد تحقيق شروط معينة وانتفاء موانع، ولا يترك هذا الأمر لآحاد الناس.

ويقول الإمام الشوكاني: "اعلم أن الحكم على رجل مسلم بخروجه من دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار؛ فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن: «مَن قالَ لأخيهِ: يا كافِرُ، فقَد باءَ بها أحدُهما»". [السير الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، محمد بن علي الشوكاني، ج ٤، ص: ٥٧٨].

والذي ينبغي أن يميل المسلم إليه الاحترار من التكفير ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم واحد. [راجع بالتفصيل كتاب: فيصل التفرقة بين الإسلام الزندقة، حجة الإسلام الغزالي].

فالأنظمة والقوانين التي تنظم مصالح الناس وتجلب المنافع وتدرأ المفاسد لا تصادم الشريعة بل هي داخلة في عموم السياسة الشرعية المعتبرة، وأصل هذه القوانين مستمد من مدونات الفقه الإسلامي.

سؤال وجواب

س: ما الفرق بين الحاكمية الإلهية والحكم بمفهومه السياسي والتنفيذي؟

ج: الحاكمية الإلهية هي المصدر التشريعي العام للأمة ومعناها اختصاص الله سبحانه وتعالى بالتشريع والحكم، فكما له الخلق فكذلك له الأمر، أما الحكم السياسي فهو آلية تنفيذية واجتهادية لتدبير شؤون الدولة (كالمرور والصحة والإدارة والجمارك وغيرها) بما يحقق مصلحة العباد ولا يخالف مقاصد الدين في شيء، وهي أمور اجتهادية يسعى الحكام من خلالها إلى تحقيق المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها بقدر الوسع والطاقة، وهم مأجورون فيها على كل حال؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال:  «إذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجتَهَدَ ثُمَّ أصابَ فلَه أجرانِ، وإذا حَكَمَ فاجتَهَدَ ثُمَّ أخطَأ فلَه أجرٌ». [رواه البخاري، كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، رقم: (٧٣٥٢)، ج ٩، ص: ١٠٨].

س: ما هي خطورة الفكر القائم على جعل (الحاكمية) الركن الأوحد للإسلام؟

ج: خطورته تكمن في اختزال الدين الشامل بعقيدته وعباداته وأخلاقه في صراع سياسي على السلطة، مما يدفع معتنقي هذا الفكر إلى تكفير الحكام والعلماء والمجتمعات، وينتهي بهم المطاف إلى الإرهاب وسفك الدماء المعصومة.

الخلاصة

إن إقامة العدل وتحكيم شرع الله في الأرض مقصد جليل من مقاصد الشريعة، لكن خطورة هذا الفكر المتطرف تكمن في آلية توظيف هذا المفهوم؛ حيث جُعل أداة سياسية لتشطير المجتمعات، ونزع صفة الإسلام عن المخالفين، والقفز فوق القواعد الأصولية العاصمة للدماء والبيعة والاستقرار المجتمعي.

موضوعات ذات صلة

من أكثر المفاهيم التي أُسيء فهمها واستُغلت سياسيًّا في الفكر المتطرف هو مفهوم "الحاكمية"

في مواجهة الفكر المتطرف، يبرز عقل الإمام عبد الله بن عباس – رضي الله عنه – كنموذج للحكمة والاعتدال

 إنَّ مذهب الخوارج ليس مجرد طائفة عابرة، بل هو مأزق فكري ونفسي يختزل الشريعة في حد السيف

إن المعركة مع الإرهاب ليست مجرد صدامٍ عسكري؛ بل هي حربٌ مقدسة لاسترداد سماحة الإسلام