كيف نواجه موجات الفكر التكفيري الغالي؟
بترسيخ المرجعية العلمية للعلماء الربانيين، وتفعيل التجديد الشرعي المؤصل، والالتفاف حول منهج الوسطية لحماية عقول الشباب وصيانة أمن الأمة الفكري.
كيف نواجه موجات الفكر التكفيري الغالي؟
بترسيخ المرجعية العلمية للعلماء الربانيين، وتفعيل التجديد الشرعي المؤصل، والالتفاف حول منهج الوسطية لحماية عقول الشباب وصيانة أمن الأمة الفكري.
بعد أن تبين الدَّاء، وبَرِح عَن ذلك الفكر الآسن الخفاء، لابد من نثر الحلول الكافية، والتشخيصات الشافية، لتلك الزعوم والقناعات العافية، وهي تجمع بين الإصلاح والتربية، والتثقيف والردع، وأول هذه الحلول وأهمها هو النَّهل من العلم الشرعي والرجوع إلى العلماء؛ ويكون ذلك بطلب العلم بصدق وإخلاص، دون استعجال الثمرة؛ لأن التأصيل العلمي هو قارب النجاة من الأفكار المضلة والمشارب الهدامة، ولا يتم ذلك على الوجه الصحيح إلا بملازمة العلماء المأمونين، فهم ورثة الأنبياء، ومصابيح الهدى، والجهة الموثوقة في الفتوى والنوازل والمهمات، لا أنصاف المتعلمين، يقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا یَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰۤؤُا۟﴾ [فاطر: ٢٨] .
ما ضَلَّ مَنْ ضَلَّ، وزاغ من زاغ، إلا بإعراضهم عن ذلك النور الهادي؛ فالعلماء هم الأقدر على الترجيح بين المصالح والمفاسد واستنباط الأحكام عند مزال الأفهام، وقد جاء في التنزيل تأديبًا للعباد: ﴿وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰۤ أُو۟لِی ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِینَ یَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّیۡطَٰنَ إِلَّا قَلِیلࣰا﴾ [النساء: ٨٣]، وما أشاع التفجير والتدمير إلا لَمَّا أعرض هؤلاء عن موارد العلماء وسعوا بالطعن فيهم والحط من أقدارهم، يقول ابن المبارك - رحمه الله: "من استَخَفَّ بالعلماء ذهبت آخرته" [سير أعلام النبلاء: (٤٠٨/٨)]، إنَّ التمرد على العلماء فساد للشريعة، وهو داء قاتل لا شفاؤه إلا في نصوص الوحيين بفهم العلماء الوسطيين الربانيين.
لعلماء الأمة المنزلة العظمى في دفع عاصفة التكفير؛ إذ ما ارتكس دعاة الغلو إلا من قبل أدعياء العلم؛ لذا يجب على الراسخين مضاعفة جهودهم لمحاصرة الشباب في حصون الدروس النافعة، ومجابهة الفكر المنحرف بالحجة والبيان في صبر وتؤدة وحكمة؛ لأن سبيل الإصلاح قد تطول، فإذا غاب العلماء، رجع الناس إلى رؤوس الجهل الذين يُفتُون بغير علم فيضلون ويضلون، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» [صحيح البخاري : (١٠٠ ) ]، إن المبادرة للعلاج قبل استفحال الخطر هي مسؤولية شرعية تبعث الروح النضرة في الأمة وتكبح جماح الفكر الشاذ.
لقد آن الأوان للفقهاء أن ينبروا لبيان قضايا الإسلام الدقيقة والكلية، ومن أولى الأوليات مزيد من البيان لقضايا الجهاد، والسلم، والحرب، والعلاقات الدولية، والمعاهدات، ونظام الحكم، والسمع والطاعة، ولزوم الجماعة، إن تحرير هذه المصطلحات ودفع الوهم والنزعات المغالية يقتضي إقصاء مَن لا صنعة له في التأصيل العلمي، إن وضوح هذه المفاهيم في أذهان الجيل هو الضمانة الأكيدة لحرمة الدماء وصيانة المجتمعات من الانزلاق في مهاوي الردى التي يروج لها دعاة الفتنة المتسترون بعباءة الدين.
عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» [أخرجه أبو داود : (٤٢٩١)]، والمقصود بالتجديد هنا هو: إحياء معالم الدين العلمية بتنقية النصوص من انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وبعث مناهج الاستدلال لفهم النصوص على ما كان عليه سلف الأمة، إن مهمة المجددين منحصرة في إزالة كل ما علق بالدين من مظاهر المخالفات التي غيرت رونقه وبهاءه، ومنها: عواصف التكفير، وإعادة الناس إلى ما كانت عليه القرون المفضلة في الفهم والاستنباط؛ ليكون الدين غضًا طريًا كما أُنْزِل.
إن استئصال الفكر التكفيري مشروط بالعودة الصادقة للعلم الشرعي والالتفاف حول العلماء الوسطيين؛ فالجهل هو الداء والبيان هو الدواء، إن قيام الراسخين بمسؤوليتهم في تحرير المفاهيم الكبرى يقطع الطريق على أدعياء الدين، ويظل بناء الوعي الرصين هو معركة الأمة الكبرى لاستعادة توازنها الحضاري.
الظروف التاريخية التي ولدت فيها أول بدعة تكفيرية في الإسلام جاءت عقب حادثة التحكيم بصفين.
يُعَدُّ التكفير إعصارًا فكريًا مدمرًا يحيل طمأنينة المجتمعات إلى رعب وهلع.
يُعد المنهج العلمي والحواري المتكامل الذي اتبعه حبر الأمة سيدنا عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- في مواجهة أولى حركات التكفير.