Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما

الكاتب

هيئة التحرير

أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما

كيف تحولت محنة الغربة في الح أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما بشة إلى شرف السيادة ببيت النبوة؟

 في سيرة "أم حبيبة" رملة بنت أبي سفيان؛ التي وهبت حياتها لليقين، فكانت مكافأتها نكاحًا مباركًا من حضرة المصطفى - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

من هي أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان؟

تبدأ ملامح العظمة في سيرة أم المؤمنين رملة -رضي الله عنها - من شرف نسبها الأموي العريق، ومكانتها الرفيعة التي جعلتها من أقرب أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه نسبًا، وأكثرهنَّ تضحيةً في سبيل اليقين.

اسمها: رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب، وقيل: اسمها: هند، والمشهور: رملة، وهو الصحيح عند جمهور أهل العلم بالنسب والسير، والحديث والخبر، ولدت قبل البعثة بسبعة عشر عامًا، تزوجها عُبَيْدِ اللهِ بْنِ جَحْشِ بن رتاب بن يعمر الأسدي، فأسلما، ثم هاجرا إلى الحبشة، ولما ارتد زوجها عن الإسلام، وتنصرّ فارقها، وثبتها الله [البيهقي، دلائل النبوة (٣-٤٦٠)].

هي: أُمُّ حَبِيبَةَ رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الأُمَوِيَّةُ، أُمُّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، عَمَّةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ [ابن سيد الناس، عيون الأثر، (٢-٣٧٤)].

وهي السيدة المحجّبة: رملة بنت أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصي. مسندها خمسة وستون حديثًا، واتفق لها البخاري ومسلم على حديثين، وتفرد مسلم بحديثين.

وهي من بنات عم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليس في أزواجه من هي أقرب نسبا إليه منها، ولا في نسائه من هي أكثر صداقًا منها، ولا من تزوج بها وهي نائية الدار أبعد منها، عقد له - صلى الله عليه وسلم - عليها بالحبشة، وأصدقها عنه صاحب الحبشة أربعمائة دينار وجهزها بأشياء، روت عنه عدّة أحاديث، وقبرها بالمدينة.

 وأم حبيبة رملة، وقيل: هند- ورملة أثبت- ابنة أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أمها صفية بنت أبي العاص، عمة عثمان بن عفان - رضى اللَّه عنه - [المقريزي، امتاع الاسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع (٦/ ٦٣-٦٤)].

الهجرة إلى الحبشة وثبات الإيمان

خاضت هذه السيدة الجليلة -رضي الله عنها - غمار الابتلاء في أرض الغربة؛ حيث تجلى صمودها الأسطوري حين فارقت الأهل والوطن، وثبتت على دينها كالجبل الراسي رغم تنصّر زوجها ووحدتها في بلاد الحبشة.

عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: "وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ: عُبَيْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ، مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ نَصْرَانِيًّا وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ، بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَاسْمُهَا رَمْلَةُ: فَخَلَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْكَحَهُ إِيَّاهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وأُمَّ حَبِيبَةَ أُمُّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ، أُخْتُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، عَمَّةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ [البيهقي، دلائل النبوة (٣-٤٦٠)].

وذكر المحب الطبري قصة زواجها وأن سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أصدقها أربعمائة دينار فقال: وَتزَوج أم حَبِيبَة رَملَة بنت أبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس ابْن عبد منَاف وَكَانَت قبله تَحت عبيد الله بن جحش وَهَاجَرت مَعَه إِلَى أَرض الْحَبَشَة فَتَنَصَّرَ بهَا وَأتم الله لَهَا الْإِسْلَام وَتَزَوجهَا - صلى الله عليه وسلم ـ وَهِي بِالْحَبَشَةِ وَأصْدقهَا عَنهُ النَّجَاشِيّ أَرْبَعمِائَة دِينَار وَبعث - صلى الله عليه وسلم - عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي فِيهَا إِلَى الْحَبَشَة وَولى نِكَاحهَا عُثْمَان بن عَفَّان - رضي الله عنه - وَقيل خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ توفيت سنة أَربع وَأَرْبَعين [محب الدين الطبري، خلاصة سير سيد البشر، ص١٢٦-١٢٧].

وذكر ابن سيد الناس قصة تنصر زوجها عبيد الله بن جحش وسبب كنيتها: هَاجَرَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فِي الْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ، فَوَلَدَتْ لَهُ حَبِيبَةَ، وَبِهَا كَانَتْ تُكَنَّى، وَتَنَصَّرَ عُبَيْدُ اللَّهِ هُنَاكَ، وَثَبَتَتْ هِيَ عَلَى الإِسْلامِ [ابن سيد الناس، عيون الأثر، (٢/٣٧٣)].

كما أورد ابن كثير في البداية والنهاية كذلك فقال: "وتزوج أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وكانت قبله تحت عبيد الله بن جحش بن رئاب من بنى أسد ابن خزيمة، مات بأرض الحبشة نصرانيًّا، بعث إليها رسول الله يعنى عمرو بن أمية الضمري إلى أرض الحبشة، فخطبها عليه فزوجها منه عثمان بن عفان".

كذا قال والصواب عثمان بن أبى العاص وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة [ابن كثير، البداية والنهاية (٤-٥٨٤)].

وذكر المقريزي قصة زواجها وكنيتها - أيضًا: تزوجها عبيد اللَّه بن جحش، فولدت له جارية سميت حبيبة، فكنيت بها، وهاجر بها إلى الحبشة، فتنصّر، وثبتت أم حبيبة على الإسلام، فلما هلك عبيد اللَّه رأت في منامها أباها يقول لها: يا أم المؤمنين [المقريزي، امتاع الاسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع (٦/ ٦٤)].

وَكَانَت هَاجَرت مَعَ زَوجهَا عبيد الله بن جحش الْأَسدي إِلَى أَرض الْحَبَشَة فَتَنَصَّرَ هُنَاكَ وَمَات قَالَت أم حَبِيبَة - رضي الله عنها - رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن عبيد الله بن جحش زَوجي بِأَسْوَأ صُورَة وأشوهه فَفَزِعت فَقلت تَغَيَّرت وَالله حَاله فَإِذا هُوَ يَقُول حِين أصبح يَا أم حَبِيبَة إِنِّي نظرت فِي الدّين فَلم أر دينًا خيرًا من النَّصْرَانِيَّة وَكنت قد دنت بهَا ثمَّ دخلت فِي دين مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - ثمَّ رجعت إِلَى النَّصْرَانِيَّة فَقلت وَالله مَا هُوَ خير لَك وأخبرته بالرؤيا الَّتِي رَأَيْت فَلم يحفل بهَا وأكب على الْخمر حَتَّى مَاتَ فَرَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن قَائِلًا يَقُول يَا أم الْمُؤمنِينَ فَفَزِعت فَأَوَّلتهَا أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَزَوَّجنِي قَالَت فَمَا هُوَ إِلَّا أَن انْقَضتْ عدتي فَمَا شَعرت إِلَّا برَسُول النَّجَاشِيّ على بِأبي يسْتَأْذن فَإِذا جَارِيَة لَهُ يُقَال لَهَا أَبْرَهَة كَانَت تقوم على ثِيَابه ودهنه فَدخلت عَليّ فَقَالَت إِن الْملك يَقُول لَك إِن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إِلَيّ أَن أزوجكه فَقلت بشرك الله بِخَير قَالَت يَقُول لَك الْملك وكلي من يزوجك فَأرْسلت إِلَى خَالِد بن سعيد فَوَكَّلَتْهُ وَأعْطيت أَبْرَهَة سِوَارَيْنِ من فضَّة وخدمتين كَانَتَا فِي رجْلي وخواتيم من فضَّة فِي أَصَابِع رجْلي سُرُورًا بِمَا بشرت وَفِي رِوَايَة فأعطيتها أَوْضَاحًا لي قَالَ الْجَوْهَرِي الأوضاح حلى من الدَّرَاهِم [ابن حديدة، المصباح المضي في كتاب النبي الأمي (٢/٣٨)].

زواج النبي صلى الله عليه وسلم من أم حبيبة رضي الله عنها

في مشهدٍ تاريخيٍ مهيب، كافأ الله صدقها بعقد قرانٍ لم تشهد السيرة مثله؛ حيث كان المَلِكُ هو الخاطب، والنجاشي هو الوكيل، لتنتقل من وحشة الغربة إلى شرف بيت النبوة.

تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أُمَّ حَبِيبَةَ، وَاسْمُهَا رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ ابْن حَرْبٍ، زَوَّجَهُ إيَّاهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَهُمَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَأَصْدَقَهَا النَّجَاشِيُّ عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أَربع مائَة دِينَارٍ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ خَطَبَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ الْأَسَدِيِّ [ابن هشام السيرة النبوية (٢-٦٤٥)].

وعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ عُبَيْدِ اللهِ بْنَ جَحْشٍ، وَكَانَ رَحَلَ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَمَاتَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَزَوَّجَ بِأُمِّ حَبِيبَةَ، وَهِيَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، زَوَّجَهَا إِلَيْهِ النَّجَاشِيُّ، وَمَهَرَهَا أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَبَعَثَ بِهَا مَعَ شُرَحْبِيلَ، وَجَهَّزَهَا مِنْ عِنْدِهِ، وَمَا بَعَثَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِشَيْءٍ، فَكَانَ مُهُورُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَرْبَعَ مِائَةٍ [البيهقي، دلائل النبوة (٣-٤٦٠)].

وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا، وَالَّذِي عَقَدَ عَلَيْهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَأَصْدَقَهَا النَّجَاشِيُّ عَنْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعمائة دينار على خلاف محكي فِي الصَّدَاقِ، وَالْعَاقِدُ من كَانَ، وَبَعَثَهَا مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ، وَجَهَّزَهَا مِنْ عِنْدِهِ، كُلّ ذَلِكَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ، وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِهَا هِنْدٌ وَزَوَّجَهَا مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَكَانَ الصَّدَاقُ مِائَتَيْ دِينَارٍ، وَقِيلَ: أَرْبَعَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، وَقَدْ عَقَدَ عَلَيْهَا النَّجَاشِيُّ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا تَزَوَّجَهَا - عليه السلام - بِالْمَدِينَةِ مَرْجِعَهَا مِنَ الْحَبَشَةِ، وَالأَوَّلُ أَثْبَتُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ فِي حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ نَكَحَ ابْنَتَكَ، فَقَالَ: هُوَ الْفَحْلُ لا يُقْدَعُ أَنْفُهُ، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ:

تَزَوَّجَهَا - عليه السلام - سَنَةَ سِتٍّ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ قَوْلُ أَبِي سُفْيَانَ يَوْمَ الْفَتْحِ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: أَسْأَلُكَ ثَلاثًا، فَذَكَرَ مِنْهُنَّ أَنْ تَتَزَوَّجَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُمَّ حَبِيبَةَ، يَعْنِي ابْنَتَهُ، فَأَجَابَهُ - عليه السلام - لِمَا سَأَلَ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَرْبَابُ السِّيَرِ وَالْعِلْمِ بِالْخَبَرِ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ جَوَابًا يَتَسَاوَكَ هَزْلا فَقَالَ: يَكُونُ أَبُو سُفْيَانَ ظَنَّ أَنَّ بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الإِسْلامِ تَجَدَّدَتْ لَهُ عَلَيْهَا وِلايَةٌ، فَأَرَادَ تَجْدِيدَ الْعَقْدِ يَوْمَ ذَلِكَ لا غَيْرَ، تُوُفِّيَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ سَنَةَ أربع أربعين، وبعد موتها استلحق معاوية زيادًا.

 وقيل: قَبْلَهُ، وَالأَوَّلُ أَشْبَهُ تَحَرُّجًا مِنْ دُخُولِهِ عَلَيْهَا، وَكَانَ الَّذِي جَسَرَهُ عَلَى اسْتِلْحَاقِهِ إِيَّاهُ الأَبْيَاتُ الَّتِي لأَبِي سُفْيَانَ يُخَاطِبُ بِهَا عَلِيًّا:

أَمَا وَاللَّهِ لَوْلا خَوْفُ وَاشٍ … يَرَانِي يَا عَلِيُّ مِنَ الأَعَادِي

لأَظْهَرَ أَمْرَهُ صَخْرُ بْنُ حَرْبٍ … وَإِنْ تَكُنِ الْمَقَالَةُ عَنْ زِيَادِ

فَقَدْ طَالَتْ مجاملتي ثقيفا … وتركي فيهم ثمر الْفُؤَادِ

 [ابن سيد الناس، عيون الأثر، (٢/٣٧٣-٣٧٤)].

خطبة النجاشي وإعلان النكاح

واختلف في وقت نكاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياها، وموضع العقد، فقيل: إنه عقد عليها بأرض الحبشة سنة ست، فروى أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث عمرو ابن أمية الضمري إلى النجاشي ليخطبها عليه، فزوجها إياه، وأصدقها عنه أربعمائة دينار، وبعث بها إليه مع شرحبيل بن حسنة.

وروى أن النجاشي أرسل إليها جاريته "أبرهة" فقالت: إن الملك يقول لك إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أن أزوجك منه، وأنها أرسلت إلى خالد ابن سعيد بن العاص فوكلته وأعطت أبرهة سوارين وخواتم من فضة سرورًا بما بشرتها به، فلما كان العشى أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا، فخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد: فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أصدقتها عنه أربعمائة دينار ذهبًا، ثم سكب الدنانير بين يدى القوم، فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد: فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - فيها، ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاص فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا. خرجه صاحب الصفوة كما قال الطبري، وكان ذلك سنة سبع من الهجرة.

قال أبو عمر: واختلف فيمن زوجها، فروى أنه سعيد بن العاص، وروى عثمان بن عفان وهي ابنة عمته، وذكر البيهقي أن الذي زوجها خالد ابن سعيد بن العاص وهو ابن ابن عم أبيها، لكن إن صح التاريخ المذكور فلا يصح أن يكون عثمان هو الذي زوجها، فإنه كان مقدمه من الحبشة قبل وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة.

وكان أبو سفيان أبوها حال نكاحها بمكة مشركًا محاربًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد قيل إن عقد النكاح عليها كان بالمدينة بعد رجوعها من أرض الحبشة والمشهور الأول، وماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين وقيل: سنة اثنتين وأربعين [القسطلاني، المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (١/٤٩٩-٥٠٠)].

إشكالية حديث (صحيح مسلم) والتحقيق العلمي فيها

رغم جلالة المصدر، أثار حديثُ أبي سفيان - رضي الله عنه - في (صحيح مسلم) تساؤلاتٍ تاريخيةً عميقة، مما فتح الباب أمام جهابذة العلماء لإعمال موازين النقد الحديثي وحل لغزٍ أشكل على الكثيرين.

فأما ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عكرمة بن عمار اليماني عن أبي زميل سماك بن الوليد عن ابن عباس قَالَ: "كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ وَلَا يُقَاعِدُونَهُ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: يَا نَبِيَّ اللهِ، ثَلَاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ! «قَالَ: نَعَمْ»، قَالَ: عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ أُزَوِّجُكَهَا! «قَالَ: نَعَمْ»، قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ! «قَالَ: نَعَمْ»، قَالَ: وَتُؤَمِّرُنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ! «قَالَ: نَعَمْ»، [مسلم (٢٥٠١)].

في هذا الحديث وهم من بعض رواته بلا شك؛ لأن أهل التواريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت عند عبيد الله بن جحش، وولدت له وهاجر بها إلى الحبشة وهما مسلمان، ثم تنصر وثبتت على دينها، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتزوجها، وذلك في سنة سبع من الهجرة.

ولا خلاف أن أبا سفيان أسلم في فتح مكة، ولا نحفظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا سفيان [ابن هبيرة، الإفصاح عن معاني الصحاح (٣/٢٥٠)].

وظاهر هذا الحديث أن أبا سفيان أنكح ابنته النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بعد إسلامه، وهو مخالف للمعلوم عند أهل التواريخ والأخبار، فإنَّهم متفقون على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوَّج بأمِّ حبيبة بنت أبي سفيان قبل الفتح، وقبل إسلام أبيها، وإنَّ أبا سفيان قدم قبل الفتح المدينة طالبًا تجديد العهد بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه دخل بيت أم حبيبة ابنته، فأراد أن يجلس على بساط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزعته من تحته، فكلمها في ذلك، فقالت: إنَّه بساط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنت مشرك! فقال لها: يا بنية لقد أصابك بعدي شر، ثم طلب من علي، ومن فاطمة ومن غيرهما أن يكلموا النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلح، فأبوا عليه، فرجع إلى مكة من غير مقصود حاصل، وكل ذلك معلوم لا شك فيه، ثم إن الأكثر من الروايات والأصح منها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج أم حبيبة، وهي بأرض الحبشة، وذلك أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش الأسدي، أسد خزيمة، فولدت له حبيبة التي كنيت بها، وأنها أسلمت وأسلم زوجها عبيد الله بن جحش وهاجر بها إلى أرض الحبشة، ثم إن زوجها تنصَّر هناك، ومات نصرانيًّا، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبها وهي بأرض الحبشة فبعث شرحبيل بن حسنة إلى النجاشي في ذلك [أبو العباس القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٦/٤٥٤)].

فقد استغرب ذلك من مسلم - رحمه الله - كيف لم يتنبه لهذا؟ لأن أبا سفيان، إنما أسلم ليلة الفتح، وقد كانت بعد تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  أم حبيبة بسنة وأكثر، وهذا مما لا خلاف فيه، وقد أشكل هذا على كثير من العلماء: فأما ابن حزم فزعم أنه موضوع وضعف عكرمة بن عمار، ولم يقل هذا أحد قبله ولا بعده.

وأما محمد بن طاهر المقدسي فقال: أراد أبو سفيان أن يجدد العقد لئلا يكون تزوجها بغير إذنه غضاضة عليه، أو أنه توهم أن بإسلامه ينفسخ نكاح ابنته، وتبعه على هذا أبو عمرو بن الصلاح وأبو زكريا النووي في شرح مسلم، وهذا بعيد جدًا، فإنه لو كان كذلك لم يقل: عندي أحسن العرب وأجمله، إذ رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ سنة فأكثر، وتوهم فسخ نكاحها بإسلامه بعيد جدًا، والصحيح في هذا أن أبا سفيان لما رأى صهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شرفًا أحب أن يزوجه ابنته الأخرى وهي عزة، واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة، كما أخرجا في الصحيح أن أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَتْهَا "أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، «فَقَالَ: أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكِ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي، «فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ ذَلِكِ لَا يَحِلُّ لِي» [البخاري (٥١٠١)].

وعلى هذا فيصح الحديث الأول، ويكون قد وقع الوهم من بعض الرواة في قوله: وعندي أحسن العرب وأجمله: أم حبيبة، وإنما قال: عزة، فاشتبه على الراوي، أو أنه قال الشيخ: يعني ابنته، فتوهم السامع أنها أم حبيبة، إذ لم يعرف سواها، ولهذا النوع من الغلط شواهد كثيرة قد أفردت سرد ذلك في جزء مفرد لهذا الحديث ولله الحمد والمنة.

وتوفيت أم حبيبة - رضي الله عنها - سنة أربع وأربعين فيما قاله أبو عبيد، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سنة تسع وخمسين قبل أخيها معاوية بسنة [ابن كثير، الفصول في سيرة الرسول، ص٢٤٩].

وكتب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في سنة سبع- وهو الثابت- كتابين إلى النجاشي يدعوه في أحدهما إلى الإسلام، ويأمره في الثاني أن يخطب عليه أم حبيبة، وأن يبعث من قبله من المسلمين مع عمرو بن أمية الضمريّ، وهو كان رسوله بالكتابين.

وقال الحافظ أبو نعيم: فأما بعثة عمرو بن أمية الضمريّ من قبل رسول اللَّه إلى النجاشي ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وإجابته إلى ذلك، فلا أعلم خلافًا أنه كان بعد مرجعه - صلى الله عليه وسلم - من خيبر، وذلك بعد خمس سنين وأشهر مضت من هجرته إلى المدينة، وأن النجاشي أصدقها عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار، دفعها من ماله إليها.

وفي صحيح ابن حبان عن ابن شهاب عن عروة، عن عائشة قالت: هاجر عبيد اللَّه بن جحش بأم حبيبة بنت أبي سفيان- وهي امرأته- إلى أرض الحبشة، فلما قدم أرض الحبشة مرض، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى رسول اللَّه، فتزوج رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أم حبيبة، وبعث بها النجاشي مع شرحبيل بن حسنة، فأسلم النجاشي، ووجه إلى أم حبيبة جارية له يقال لها: أبرهة لتعلمها بذلك وتبشرها بذلك وتبشرها به، فوهبت لها أم حبيبة (حلة) كانت عليها وكستها.

ثم وكلت خالد بن سعيد بن العاص بن أمية- وهو ابن عمها- بتزويجها، فخطبها عمرو بن أمية إليه، فزوجها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ومهرها عنه النجاشي أربعمائة دينار- وقيل: مائتي دينار، وقيل أربعة آلاف درهم- وبعث بها إليها مع أبرهة، فوهبتها منها خمسين مثقالًا فلم تقبلها، وردت ما كانت أعطتها أولاد، وذلك أن النجاشي أمرها برده.

وهيأ النجاشي طعامًا أطعمه من حضره من المسلمين، وأهدى إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كسوة جامعة، وأمر نساءه أن يبعثن إلى أم حبيبة فبعثن لها بعود وروس وعنبر وزيادة كثير، قدمت به على رسول اللَّه، وكان يراه عندها وعليها فلا ينكره.

فلما قدم عمرو بن أمية بأم حبيبة المدينة، ابنتي بها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - والثابت أنها قدمت مع عمرو في إحدى السفينتين أيام خيبر، وقيل: بل بعث رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أبا عامر الأشعري حين بلغه خطبة عمرو أم حبيبة وتزويج خالد إياها، فحملها إليه قبل قدوم أهل السفينتين وهيأ النجاشي طعامًا أطعمه من حضره من المسلمين، وأهدى إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كسوة جامعة، وأمر نساءه أن يبعثن إلى أم حبيبة فبعثن لها بعود وروس وعنبر وزياد كثير، قدمت به على رسول اللَّه، وكان يراه عندها وعليها فلا ينكره، وأن أبا سفيان قال: أنا أبوها أم أبو عامر؟ وقيل: بل بعث إليها شرحبيل بن حسنة فجاءه بها.

قال ابن المبارك: أخبرنا معمر عن الزهري، عن عروة، أن أم حبيبة بعث بها النجاشي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مع شرحبيل بن حسنة، ولما بلغ أبو سفيان تزوّج رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أم حبيبة قال: ذلك الفحل لا (يقدع) أنفه.

وقال ابن عباس - رضى اللَّه عنه - في قول اللَّه تعالى: ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن یَجۡعَلَ بَیۡنَكُمۡ وَبَیۡنَ ٱلَّذِینَ عَادَیۡتُم مِّنۡهُم مَّوَدَّةࣰۚ﴾ [الممتحنة: ٧]، نزلت حين تزوج رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب وقيل قدم عمرو بن أمية بأم حبيبة مع أصحاب السفينتين فخطبها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إلى عثمان بن عفان - رضى اللَّه عنه - فزوجه إياها، والأول أثبت، وتوفيت - رضى اللَّه عنها - سنة أربع وأربعين، وقيل سنة اثنتين وأربعين، وصلّى عليها مروان.

وقد وقع في صحيح مسلم من حديث عكرمة بن عمار قال: حدثنا أبو زميل قال: حدثني ابن عباس - رضى اللَّه عنه - قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يا نبي اللَّه! ثلاثة أعطينهنّ، «قال: نعم»، قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها، «قال: نعم»، قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك، «قال: نعم»، قال: وتؤمّرنى حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، «قال: نعم».

قال أبو زميل: ولولا أنه طلب ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أعطاه ذلك، لأنه لم يكن يسأل شيئا إلا «قال: نعم».

قال أبو عبد اللَّه محمد بن أبي نصر الحميدي - رحمه الله: قال لنا بعض الحفاظ: هذا الحديث وهم فيه بعض الرواة، لأنه لا خلاف بين اثنين من أهل المعرفة بالأخبار، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج أم حبيبة - رضى اللَّه عنها - قبل الفتح بدهر وهي بأرض الحبشة، وأبوها كافر يومئذ.

قال كاتبه: وقد استغرب من مسلم - رحمه الله - كيف لم ينتبه لهذا الحديث؟ فإنه لا يخفى عليه أن أبا سفيان إنما أسلم ليلة فتح مكة، وقد كان بعد تزويج رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أم حبيبة بأكثر من سنة بلا خلاف، وقد أشكل هذا الحديث على الناس واختلفوا فيه، ووجه إشكاله أن أم حبيبة تزوجها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قبل إسلام أبي سفيان كما تقدم، زوّجها إياه النجاشي، ثم قدمت على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يسلم أبوها، فكيف يقول بعد الفتح: أزوجك أمّ حبيبة؟ فقالت طائفة من أهل الحديث: هذا الحديث كذب لا أصل له.

قال أبو محمد على بن سعيد بن حزم: كذبه عكرمة بن عمار وحمل عليه، واستعظم ذلك آخرون وقالوا: إني يكون في صحيح مسلم حديث مرفوع؟ وإنما وجه الحديث أنه طلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجدد له العقد على ابنته ليتقي له بذلك وجهه بين المسلمين.

واعترض على هذا القول بأن في الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعده وهو الصادق الوعد، ولم ينقل أحد قط أنه - صلى الله عليه وسلم - جدد العقد على أم حبيبة، ومثل هذا لو كان لنقل، فحيث لم ينقله أحد قط علم أنه لم يقع.

ولم يردّ القاضي (عياض) على استشكال الحديث فقال: والّذي وقع في مسلم من هذا غريب جدًا عند أهل الخبر، وخبرها مع أبي سفيان عند وروده المدينة بسبب تجديد الصلح ودخوله عليها مشهور.

وقالت طائفة: ليس الحديث بباطل، وإنما سأل أبو سفيان النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يزوجه ابنته الأخرى على أختها أم حبيبة، قالوا: ولا يبعد أن يخفى هذا على أبي سفيان لحداثة عهده بالإسلام، كما خفي على ابنته أم حبيبة حتى سألت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوجها، فقال: إنها لا تحل لي، فأراد أبو سفيان أن يتزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنته الأخرى، والتبعة على الراويّ. وذهب وهمه إلى أنها أم حبيبة وهذه التسمية من غلط بعض الرواة لا من قول أبي سفيان.

قال شيخنا العماد عمر بن كثير- رحمه الله: والصحيح في هذا أن أبا سفيان لما رأى صهر النبي - صلى الله عليه وسلم - (رفع من قدره) أحب أن يزوجه ابنته الأخرى- وهي عزة- واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة، كما أخرجاه في الصحيحين عن أم حبيبة أنها قالت: يا رسول اللَّه! أنكح أختي بنت أبي سفيان، «فقال: وتحبين ذلك؟»، قلت: نعم.. الحديث [المقريزي، امتاع الاسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع (٦- ٦٣: ٧١)].

الردود المفصلة على شبهة توقيت الزواج

هنا تبرز دقة البحث العلمي في تفنيد الوهم والخطأ؛ حيث نستعرض وجوه الرد الخمسة التي وضعت النقاط على الحروف، وأثبتت بالبرهان القاطع توقيت زواجها قبل فتح مكة بسنين.

قال ابن طاهر المقدسي في (مسألة الانتصار): والشبهة التي حملته- يعنى ابن حزم- على الكلام في عكرمة بن عمار بغير حجة، هي أن النجاشي زوّج أم حبيبة من النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي بأرض الحبشة، ثم بعث بها إلى المدينة قبل إسلام أبى سفيان.

والجواب عن هذه الشبهة: أن أبا سفيان لما أسلم أراد بهذا القول تجديد النكاح؛ لأنه إذا ذاك كان مشركًا، فلما أسلم ظن أن النكاح (يجدد) بإسلام الولي، وخفي ذلك عليه، وقد خفي على أمير المؤمنين على بن أبى طالب الحكم في الّذي مع قدم إسلامه وصحبته وعلمه وفقهه، حتى أرسل المقداد فسأل رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، وخفي على عبد اللَّه بن عمر الحكم في طلاق الحائض، حتى سأل عمر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فأمره بالسنة في ذلك.

ولهذا نظائر غير خافية بين أهل النقل، والرجوع إلى هذا التأويل أولى من التخطي إلى الكلام في رجل ثقة، وإبطال حديث ورد عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - متصل الإسناد، معتمد الرواة، وأما قول أبى زميل: حدثنا ابن الوليد، فهو مقصور عليه، لم ينسبه إلى من فوقه، فتكلم عليه.

وقالت طائفة لم يتفق أهل النقل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج أم حبيبة بأرض الحبشة، حكاه أبو محمد المنذري، وهذا من أضعف الأجوبة لوجوه.

أحدها: أن هذا القول لا يعرف به أثر صحيح ولا حسن، ولا حكاه أحد ممن يعتمد على نقله.

الثاني: أن قصة تزوج أم حبيبة وهي بأرض الحبشة قد جرت مجرى التواتر، كتزويجه - صلى الله عليه وسلم - خديجة بمكة، وعائشة بمكة، وبنائه بعائشة بالمدينة، وتزويجه حفصة بالمدينة، وصفية عام خيبر، وميمونة في عمرة (القضية)، ومثل هذه الوقائع شهرتها عند أهل العلم موجبة بقطعهم بها، فلو جاء سند ظاهره الصحة يخالفها، عدوّه غلطا، ولم يلتفتوا إليه ولا يمكنهم مكابرة نفوسهم في ذلك.

الثالث: أنه من المعلوم عند أهل العلم بسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحواله، أنه لم يتأخر نكاحه أم حبيبة إلى بعد فتح مكة، ولا يقع ذلك في وهم أحد منهم أصلا.

الرابع: أن أبا سفيان لما قدم المدينة دخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - طوته عنه، فقال: يا بنية! ما أدرى أرغبت بى عن هذا الفراش؟ أم رغبت به عنى؟ قالت: بل هو فراش رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: واللَّه لقد أصابك يا بنية بعدي شرّ، وهذا الخبر مشهور عند أهل المغازي والسّير، ذكره ابن إسحاق وغيره في قصة قدوم أبي سفيان المدينة لتجديد الصلح.

الخامس: أن أم حبيبة كانت من مهاجرات الحبشة مع زوجها عبد اللَّه بن جحش، ثم تنصر زوجها وهلك بأرض الحبشة، ثم قدمت حتى جاءت على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بعد ما زوجه النجاشي إياها، فكانت عندك - صلى الله عليه وسلم - ولم تكن عند أبيها، وهذا مما لا يشك فيه أحد من أهل النقل، ومن المعلوم أن أبا سفيان لم يسلم إلا عام الفتح، فكيف يقول: عندي أجمل العرب أزواجك إياها؟ وهل كانت عنده بعد هجرتها وإسلامها قط؟

فإن كان قال ذلك القول قبل إسلامه فهو محال، فإنّها لم تكن عنده، ولم يكن له عليها ولاية أصلًا، وإن كان قاله بعد إسلامه فمحال - أيضًا - لأن نكاحها لم يتأخر إلى بعد الفتح، فإن قيل: بل بيقين أن يكون نكاحها بعد الفتح لأن الحديث الّذي رواه مسلم صحيح، ورجال إسناده ثقات حفاظ، وحديث نكاحها بأرض الحبشة من رواية محمد بن إسحاق مرسلًا، والناس مختلفون بمسانيد ابن إسحاق، فكيف بمراسيله؟ فكيف بها إذا خالفت المسانيد الثابتة؟ وهذه طريقته في تصحيح حديث ابن عباس هذا، والجواب من وجوه:

أحدها: أن ما ذكره هذا القائل إنما يمكن عند تساوى النّقلين، فيترجح ما ذكره، وأما مع تحقق بطلان أحد النقلين فلا يلتفت إليه فإن لا يعلم نزاع بين اثنين من أهل العلم بالسير والمغازي، وأحوال رسول اللَّه في ذلك قط، ولو قاله قائل لعلموا بطلان قوله ولم يشكوا فيه.

الثاني: أن الاعتماد في هذا الحديث على رواية ابن إسحاق وحده لا متصلة ولا مرسلة، بل النقل المتواتر عند أهل المغازي والسير، أن أم حبيبة هاجرت مع زوجها، وأنه هلك نصرانيا بأرض الحبشة، وأن النجاشي زوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمهرها من عنده، وقصتها في كتب المغازي والسير، وقد ذكرها - أيضًا - أئمة العلم، واحتجوا بها على جواز الوكالة في النكاح،

قال الشافعيّ - رحمه الله - في رواية الربيع في حديث عقبة بن عامر - رضى اللَّه عنه - أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا نكح الوليان فالأول أحق، فيه دلالة على أن الوكالة في النكاح جائزة، مع توكيل النبي - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن أمية الضمريّ فزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان.

وقال في (الأم) - أيضًا: ولا يكون الكافر وليا لمسلمة، ولو كانت بنته، وقد زوج ابن سعيد بن العاص النبي - صلى الله عليه وسلم - أم حبيبة بنت أبى سفيان، وأبو سفيان حي، لأنها كانت مسلمة وابن سعيد مسلم، ولا أعلم مسلمًا أقرب لها منه، ولم يكن لأبى سفيان فيها ولاية؛ لأن اللَّه تعالى قطع الولاية بين المسلمين والمشركين في المواريث والعقل وغير ذلك.

وابن سعيد هذا هو خالد بن سعيد بن العاص، ذكره ابن إسحاق وغيره، وذكر عروة والزهري أن عثمان بن عفان - رضى اللَّه عنه - هو الّذي ولى نكاحها، وكلاهما ابن عم أبيها؛ لأن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، وخالد بن سعيد بن أبى العاص بن أمية، وأبو سفيان هو صخر بن حرب بن أمية، والمقصود أن أئمة الفقه والسير، ذكروا أن نكاحها كان بأرض الحبشة، وهذا يبطل وهم من توهم أنه تأخر إلى بعد الفتح، احترازًا منه بحديث عكرمة بن عمار.

الثالث: أن عكرمة بن عمار- راوي حديث ابن عباس هذا- قد ضعفه كثير من أئمة الحديث. قال على بن المديني: سألت يحي بن سعيد عن أحاديث عكرمة بن عمار عن يحي بن أبي كثير فضعفها وقال: ليست بصحاح، وقال الإمام أحمد: ضعاف ليست بصحاح، قال عبد اللَّه: قلت له: من عكرمة أو من يحي؟ قال: لا، إلا من عكرمة، وقال البخاري: عكرمة بن عمار يضطرب في حديث يحي بن أبي كثير، ولم يكن عنده كتاب، ومرة قال: منكر الحديث.

وقال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي: في هذا الحديث وهم من بعض الرواة لا شك فيه ولا تردد، وقد اتهموا فيه ابن عمار راوي الحديث، قال: وإنما قلنا: إن هذا وهم لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد اللَّه بن جحش، وولدت له، وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة، ثم تنصر، وثبتت أم حبيبة على دينها، فبعث إلى النجاشي يخطبها عليه فزوجه إياها، وأصدقها عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أربعة آلاف درهم، وذلك في سنة سبع من الهجرة، وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة فدخل بيتها، فطوت عنه فراش رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يجلس عليه، ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان، ولا يعرف أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -  أبا سفيان.

فإن قيل: لم ينفرد عكرمة بهذا الحديث بل توبع عليه، فقال الطبراني: حدثنا على بن سعيد الرازيّ، حدثنا عمر بن خليف بن إسحاق بن مرسال الحنفي قال: حدثني عمى إسماعيل بن مرسال عن أبى زميل الحنفي قال: حدثني ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يفاتحونه، فقال: يا رسول اللَّه، ثلاث أعطينهن …، الحديث. فهذا إسماعيل ابن مرسال قد رواه عن أبي زميل، كما رواه عكرمة بن عمار، يبرئ عكرمة من عهدة التفرد به.

قيل: هذه المتابعة لا تفيد قوة، فإن هؤلاء مجاهيل لا يعرفون بنقل العلم، ولا هم ممن يحتج به، فضلًا عن أن تقدم روايتهم على النقد المستفيض المعلوم خاصة عند أهل العلم وعامتهم، فهذه المتابعة إن لم تزده وهنا لم تزده قوة.

وقالت طائفة، منهم البيهقي والمنذري- رحمهما اللَّه-: يحتمل أن تكون مسألة أبي سفيان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يزوجه أم حبيبة وقعت في بعض خرجاته إلى المدينة وهو كافر، حين كان سمع نفى زوج أم حبيبة بأرض الحبشة، والمسألة الثانية والثالثة وقعتا بعد إسلامه، فجمعهما الراويّ.

وعورض هذا بأن أبا سفيان إنما قدم آمنا بعد الهجرة في زمن الهدنة قبيل الفتح، وكانت أم حبيبة إذ ذاك من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يقدم أبو سفيان قبل ذلك إلا مع الأحزاب عام الخندق، ولولا الهدنة والصلح الّذي كان بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقدم المدينة، فمتى قد تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أم حبيبة، وهذا وهم بيّن، ومع ذلك فإنه لا يصح أن يكون تزويجه إياها في حال كفره، إذ لا ولاية له عليها، ولا تأخّر تزوجه إياها بعد إسلامه لما تقدم.

فعلى التقريرين لا يصحّ قوله: أزوجك أم حبيبة، هذا، وظاهر الحديث يدل على أن المسائل الثلاثة وقعت منه في وقت واحد، فإنه قال: ثلاث أعطينهن …، الحديث.

ومعلوم أن سؤاله تزويجها واتخاذ معاوية كاتبًا، إنما يتصور بعد إسلامه، فكيف يقال: سأل بعض ذلك حال كفره، وبعضه وهو مسلم، وسياق الحديث يرده.

وقال المحب الطبري: يحتمل أن يكون أبو سفيان قال ذلك كله قبل إسلامه بمدة تتقدم على تاريخ النكاح، كالمشترط ذلك في إسلامه، ويكون التقدير: ثلاث إن أسلمت تعطيهن: أم حبيبة أزوجكها، ومعاوية يسلم فيكون كاتبا بين يديك، وتؤمرني بعد إسلامي فأقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين؛ حيث قد كان الناس لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال: يا نبي اللَّه! ثلاث أعطينهنّ …، لا يليق أن يصدر منه وهو بمكة قبل الهجرة أو بعد الهجرة وهو يجمع الأحزاب لحرب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أو وقت قدومه المدينة، وأم حبيبة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - لا عنده، فما هذا إلا تكلف وتعسف، فكيف يقول- وهو كافر: حتى أقاتل المشركين كما كنت أقاتل المسلمين؟ وكيف ينكر جفوة المسلمين له وهو جاهد مجد في قتالهم وحربهم وإطفاء نور اللَّه؟

وهذه قصة إسلام أبي سفيان معروفة، لا اشتراط فيها ولا تعرض لشيء من هذا، ومن أنصف علم أن هذه التأويلات كلها بعيدة، وأن الصواب في الحديث أنه غير محفوظ، بل وقع فيه تخبيط، واللَّه أعلم [المقريزي، امتاع الاسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع (٦- ٦٣: ٨١)].

رحيل أم حبيبة رضي الله عنها

نصل إلى الفصل الأخير من حياة أم حبيبة - رضي الله عنها - لنرصد لحظات رحيلها الهادئ عن دنيانا، تاركةً وراءها إرثًا من الأحاديث النبوية، وذكرًا عطرًا يفوح في رحاب المدينة المنورة.

وتوفيت أم حبيبة - رضي الله عنها - سنة أربع وأربعين فيما قاله أبو عبيد، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سنة تسع وخمسين قبل أخيها معاوية بسنة [ابن كثير، الفصول في سيرة الرسول، ص٢٤٩]، وماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين وقيل: سنة اثنتين وأربعين. [القسطلاني، المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (١/٥٠٠)].

وذكر أنها توفيت بالمدينة سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة اثنتين وأربعين، روى عنها أَخَوَاهَا: معاوية وعنبسة، وأنس بن مالك، وزينب بنت أبي سلمة [ابن العاقولي، الرصف لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفعل والوصف].

الخلاصة

أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان: نموذج الثبات واليقين، ولدت قبل البعثة وجسدت أسمى صور الصمود ببلاد الحبشة بعد تنصر زوجها، كافأها الله بالزواج من النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - بعقدٍ فريد كان النجاشي وكيله، صححت الرواياتُ تاريخَ زواجها (سنة ٧هـ) وفندت أوهام تأخره، توفيت بالمدينة سنة ٤٤هـ، تاركة إرثًا نبويًّا خالدًا..

موضوعات ذات صلة

 أم المؤمنين خديجة - رضى الله عنه - وزيرة صِدق، وسند نبوة، وأول المؤمنات عقلًا وبذلًا.

عائشة الصديقة: أم المؤمنين، ونبع العلم، وزوج سيد المرسلين.

حفصة بنت الفاروق: حارسة المصحف، وعالمة بيت النبوة الأَمينة.

موضوعات مختارة