رغم جلالة المصدر، أثار حديثُ أبي
سفيان - رضي الله عنه - في (صحيح مسلم) تساؤلاتٍ تاريخيةً عميقة، مما فتح
الباب أمام جهابذة العلماء لإعمال موازين النقد الحديثي وحل لغزٍ أشكل على
الكثيرين.
فأما ما رواه مسلم في صحيحه من حديث
عكرمة بن عمار اليماني عن أبي زميل سماك بن الوليد عن ابن عباس قَالَ: "كَانَ
الْمُسْلِمُونَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ وَلَا يُقَاعِدُونَهُ،
فَقَالَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: يَا نَبِيَّ اللهِ، ثَلَاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ! «قَالَ: نَعَمْ»، قَالَ: عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ
بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ أُزَوِّجُكَهَا! «قَالَ: نَعَمْ»، قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ
تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ! «قَالَ: نَعَمْ»، قَالَ: وَتُؤَمِّرُنِي
حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ! «قَالَ:
نَعَمْ»، [مسلم (٢٥٠١)].
في هذا الحديث وهم من بعض رواته بلا
شك؛ لأن أهل التواريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت عند عبيد الله بن جحش، وولدت له
وهاجر بها إلى الحبشة وهما مسلمان، ثم تنصر وثبتت على دينها، فبعث رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - فتزوجها، وذلك في سنة سبع من الهجرة.
ولا خلاف أن أبا سفيان أسلم في فتح
مكة، ولا نحفظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا سفيان [ابن هبيرة، الإفصاح عن
معاني الصحاح (٣/٢٥٠)].
وظاهر هذا الحديث أن أبا سفيان أنكح
ابنته النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بعد إسلامه، وهو مخالف للمعلوم عند أهل التواريخ
والأخبار، فإنَّهم متفقون على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوَّج بأمِّ حبيبة بنت
أبي سفيان قبل الفتح، وقبل إسلام أبيها، وإنَّ أبا سفيان قدم قبل الفتح المدينة
طالبًا تجديد العهد بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه دخل بيت أم حبيبة
ابنته، فأراد أن يجلس على بساط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزعته من تحته،
فكلمها في ذلك، فقالت: إنَّه بساط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنت مشرك! فقال
لها: يا بنية لقد أصابك بعدي شر، ثم طلب من علي، ومن فاطمة ومن غيرهما أن يكلموا
النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلح، فأبوا عليه، فرجع إلى مكة من غير مقصود حاصل،
وكل ذلك معلوم لا شك فيه، ثم إن الأكثر من الروايات والأصح منها: أن النبي - صلى
الله عليه وسلم - تزوج أم حبيبة، وهي بأرض الحبشة، وذلك أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش
الأسدي، أسد خزيمة، فولدت له حبيبة التي كنيت بها، وأنها أسلمت وأسلم زوجها عبيد
الله بن جحش وهاجر بها إلى أرض الحبشة، ثم إن زوجها تنصَّر هناك، ومات نصرانيًّا،
ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبها وهي بأرض الحبشة فبعث شرحبيل بن حسنة
إلى النجاشي في ذلك [أبو العباس القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم
(٦/٤٥٤)].
فقد استغرب ذلك من مسلم - رحمه الله - كيف
لم يتنبه لهذا؟ لأن أبا سفيان، إنما أسلم ليلة الفتح، وقد كانت بعد تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أم حبيبة بسنة وأكثر، وهذا مما لا خلاف فيه، وقد أشكل هذا على كثير من العلماء:
فأما ابن حزم فزعم أنه موضوع وضعف عكرمة بن عمار، ولم يقل هذا أحد قبله ولا بعده.
وأما محمد بن طاهر المقدسي فقال: أراد
أبو سفيان أن يجدد العقد لئلا يكون تزوجها بغير إذنه غضاضة عليه، أو أنه توهم أن
بإسلامه ينفسخ نكاح ابنته، وتبعه على هذا أبو عمرو بن الصلاح وأبو زكريا النووي في
شرح مسلم، وهذا بعيد جدًا، فإنه لو كان كذلك لم يقل: عندي أحسن العرب وأجمله، إذ
رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ سنة فأكثر، وتوهم فسخ نكاحها بإسلامه بعيد
جدًا، والصحيح في هذا أن أبا سفيان لما رأى صهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شرفًا
أحب أن يزوجه ابنته الأخرى وهي عزة، واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة، كما أخرجا
في الصحيح أن أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَتْهَا "أَنَّهَا
قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، «فَقَالَ:
أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكِ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ
مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي، «فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
إِنَّ ذَلِكِ لَا يَحِلُّ لِي» [البخاري (٥١٠١)].
وعلى هذا فيصح الحديث الأول، ويكون قد
وقع الوهم من بعض الرواة في قوله: وعندي أحسن العرب وأجمله: أم حبيبة، وإنما قال: عزة، فاشتبه على الراوي، أو أنه قال الشيخ:
يعني ابنته، فتوهم السامع أنها أم حبيبة، إذ لم يعرف سواها، ولهذا النوع من الغلط شواهد كثيرة قد
أفردت سرد ذلك في جزء مفرد لهذا الحديث ولله الحمد والمنة.
وتوفيت أم حبيبة - رضي الله عنها - سنة
أربع وأربعين فيما قاله أبو عبيد، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سنة تسع وخمسين قبل
أخيها معاوية بسنة [ابن كثير، الفصول في سيرة الرسول، ص٢٤٩].
وكتب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في سنة سبع- وهو الثابت- كتابين إلى النجاشي يدعوه في أحدهما إلى الإسلام، ويأمره
في الثاني أن يخطب عليه أم حبيبة، وأن يبعث من قبله من المسلمين مع عمرو بن أمية
الضمريّ، وهو كان رسوله بالكتابين.
وقال الحافظ أبو نعيم: فأما بعثة عمرو
بن أمية الضمريّ من قبل رسول اللَّه إلى النجاشي ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان
وإجابته إلى ذلك، فلا أعلم خلافًا أنه كان بعد مرجعه - صلى الله عليه وسلم - من خيبر،
وذلك بعد خمس سنين وأشهر مضت من هجرته إلى المدينة، وأن النجاشي أصدقها عن رسول
اللَّه صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار، دفعها من ماله إليها.
وفي صحيح ابن حبان عن ابن شهاب عن
عروة، عن عائشة قالت: هاجر عبيد اللَّه بن جحش بأم حبيبة بنت أبي سفيان- وهي
امرأته- إلى أرض الحبشة، فلما قدم أرض الحبشة مرض، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى
رسول اللَّه، فتزوج رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أم حبيبة، وبعث بها النجاشي مع
شرحبيل بن حسنة، فأسلم النجاشي، ووجه إلى أم حبيبة
جارية له يقال لها: أبرهة لتعلمها بذلك وتبشرها بذلك وتبشرها به، فوهبت لها أم
حبيبة (حلة) كانت عليها وكستها.
ثم وكلت خالد بن سعيد بن العاص بن
أمية- وهو ابن عمها- بتزويجها، فخطبها عمرو بن أمية إليه، فزوجها رسول اللَّه - صلى
الله عليه وسلم - ومهرها عنه النجاشي أربعمائة دينار- وقيل: مائتي دينار، وقيل
أربعة آلاف درهم- وبعث بها إليها مع أبرهة، فوهبتها منها خمسين مثقالًا فلم تقبلها،
وردت ما كانت أعطتها أولاد، وذلك أن النجاشي أمرها برده.
وهيأ النجاشي طعامًا أطعمه من حضره من
المسلمين، وأهدى إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كسوة جامعة، وأمر نساءه أن
يبعثن إلى أم حبيبة فبعثن لها بعود وروس وعنبر وزيادة كثير، قدمت به على رسول
اللَّه، وكان يراه عندها وعليها فلا ينكره.
فلما قدم عمرو بن أمية بأم حبيبة
المدينة، ابنتي بها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - والثابت أنها قدمت مع عمرو في
إحدى السفينتين أيام خيبر، وقيل: بل بعث رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أبا عامر
الأشعري حين بلغه خطبة عمرو أم حبيبة وتزويج خالد إياها، فحملها إليه قبل قدوم أهل
السفينتين وهيأ النجاشي طعامًا أطعمه من حضره من المسلمين، وأهدى إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كسوة جامعة، وأمر نساءه أن يبعثن إلى أم حبيبة فبعثن لها بعود
وروس وعنبر وزياد كثير، قدمت به على رسول اللَّه، وكان يراه عندها وعليها فلا
ينكره، وأن أبا سفيان قال: أنا أبوها أم أبو
عامر؟ وقيل: بل بعث إليها شرحبيل بن حسنة فجاءه بها.
قال ابن المبارك: أخبرنا معمر عن
الزهري، عن عروة، أن أم حبيبة بعث بها النجاشي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مع
شرحبيل بن حسنة، ولما بلغ أبو سفيان تزوّج رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أم
حبيبة قال: ذلك الفحل لا (يقدع) أنفه.
وقال ابن عباس - رضى اللَّه عنه - في قول اللَّه تعالى: ﴿عَسَى
ٱللَّهُ أَن یَجۡعَلَ بَیۡنَكُمۡ وَبَیۡنَ ٱلَّذِینَ عَادَیۡتُم مِّنۡهُم
مَّوَدَّةࣰۚ﴾
[الممتحنة: ٧]، نزلت حين تزوج رسول اللَّه - صلى الله
عليه وسلم - أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب وقيل قدم عمرو بن أمية بأم حبيبة مع
أصحاب السفينتين فخطبها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إلى عثمان بن عفان - رضى
اللَّه عنه - فزوجه إياها، والأول أثبت، وتوفيت - رضى اللَّه عنها - سنة أربع وأربعين،
وقيل سنة اثنتين وأربعين، وصلّى عليها مروان.
وقد وقع في صحيح مسلم من حديث عكرمة بن
عمار قال: حدثنا أبو زميل قال: حدثني ابن عباس - رضى اللَّه عنه - قال: كان المسلمون
لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يا نبي
اللَّه! ثلاثة أعطينهنّ، «قال: نعم»، قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي
سفيان أزوجكها، «قال: نعم»، قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك، «قال: نعم»، قال:
وتؤمّرنى حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، «قال: نعم».
قال أبو زميل: ولولا أنه طلب ذلك من
النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أعطاه ذلك، لأنه لم يكن يسأل شيئا إلا «قال: نعم».
قال أبو عبد اللَّه محمد بن أبي نصر
الحميدي - رحمه الله: قال لنا بعض الحفاظ: هذا الحديث وهم فيه بعض الرواة، لأنه لا
خلاف بين اثنين من أهل المعرفة بالأخبار، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج أم
حبيبة - رضى اللَّه عنها - قبل الفتح بدهر وهي بأرض الحبشة، وأبوها كافر يومئذ.
قال كاتبه: وقد استغرب من مسلم - رحمه
الله - كيف لم ينتبه لهذا الحديث؟ فإنه لا يخفى عليه أن أبا سفيان إنما أسلم ليلة
فتح مكة، وقد كان بعد تزويج رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أم حبيبة بأكثر من سنة
بلا خلاف، وقد أشكل هذا الحديث على الناس واختلفوا فيه، ووجه إشكاله أن أم حبيبة
تزوجها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قبل إسلام أبي سفيان كما تقدم، زوّجها إياه
النجاشي، ثم قدمت على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يسلم أبوها، فكيف
يقول بعد الفتح: أزوجك أمّ حبيبة؟ فقالت طائفة من أهل الحديث: هذا الحديث كذب لا
أصل له.
قال أبو محمد على بن سعيد بن حزم: كذبه
عكرمة بن عمار وحمل عليه، واستعظم ذلك آخرون وقالوا: إني يكون في صحيح مسلم حديث
مرفوع؟ وإنما وجه الحديث أنه طلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجدد له العقد
على ابنته ليتقي له بذلك وجهه بين المسلمين.
واعترض على هذا القول بأن في الحديث:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعده وهو الصادق الوعد، ولم ينقل أحد قط أنه - صلى الله
عليه وسلم - جدد العقد على أم حبيبة، ومثل هذا لو كان لنقل، فحيث لم ينقله أحد قط
علم أنه لم يقع.
ولم يردّ القاضي (عياض) على استشكال
الحديث فقال: والّذي وقع في مسلم من هذا غريب جدًا عند أهل الخبر، وخبرها مع أبي
سفيان عند وروده المدينة بسبب تجديد الصلح ودخوله عليها مشهور.
وقالت طائفة: ليس الحديث بباطل، وإنما
سأل أبو سفيان النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يزوجه ابنته الأخرى على أختها أم
حبيبة، قالوا: ولا يبعد أن يخفى هذا على أبي سفيان لحداثة عهده بالإسلام، كما خفي
على ابنته أم حبيبة حتى سألت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوجها، فقال:
إنها لا تحل لي، فأراد أبو سفيان أن يتزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنته الأخرى،
والتبعة على الراويّ. وذهب وهمه إلى أنها أم حبيبة وهذه التسمية من غلط بعض الرواة
لا من قول أبي سفيان.
قال شيخنا العماد عمر بن كثير- رحمه
الله: والصحيح في هذا أن أبا سفيان لما رأى صهر النبي - صلى الله عليه وسلم - (رفع من
قدره) أحب أن يزوجه ابنته الأخرى- وهي عزة- واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة، كما
أخرجاه في الصحيحين عن أم حبيبة أنها قالت: يا رسول اللَّه! أنكح أختي بنت أبي
سفيان، «فقال: وتحبين ذلك؟»، قلت: نعم.. الحديث [المقريزي، امتاع الاسماع بما للنبي من
الأحوال والأموال والحفدة والمتاع (٦- ٦٣: ٧١)].