من هي ميمونة بنت الحارث الهلالية وما سر نيلها لقب أكرم الناس أصهارًا؟
هي آخر امرأة تزوجها الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - وعقد عليها في عمرة القضاء، ولقبت بذلك لعراقة نسبها وتوزع قرابات بناتها بين كبار رجالات مكة والمدينة.
من هي ميمونة بنت الحارث الهلالية وما سر نيلها لقب أكرم الناس أصهارًا؟
هي آخر امرأة تزوجها الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - وعقد عليها في عمرة القضاء، ولقبت بذلك لعراقة نسبها وتوزع قرابات بناتها بين كبار رجالات مكة والمدينة.
حول نسبها الشريف وتعدد الروايات فيه، يذكر البلاذري في كتابه (أنساب الأشراف) نسبها فيقول: "ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير ابن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة".
وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة، من حمير، وذكر بعض الرواة أن أم ميمونة: خولة بنت عمرو بن كعب، من خثعم، وأم خولة: هند بنت عوف. وَالثَّبْت أن أمها هند، وكانت ميمونة، قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند أبي سبرة بن أبي رهم، فخلف عليها [البلاذري، أنساب الأشراف (ص٤٤٤)].
أما عن عراقة أصلها وتوزع قراباتها بين كبرى قبائل العرب، فيسرد المسعودي في (التنبيه والإشراف) هذا السياق: وهي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة بن جرش بن حمير وهي العجوز الجرشية أكرم الناس أصهارًا كان لها ثماني بنات ميمونة ولبابة الكبرى ولبابة الصغرى وعصماء وعزة بنات الحارث بن حزن وسلمى وأسماء وسلامة بنات عميس بن معد بن الحارث بن تيم ابن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن معاوية بن زيد بن مالك بن نسر بن وهب الله بن شهران بن عفرس بن أفتل وهم جماعة خثعم بن أنمار على ما في ذلك من التنازع في نسب أنمار، ومن ألحقه من نساب النزارية بنزار بن معد بن عدنان، ومن ألحقه من نساب القحطانية بأراش بن عمرو بن غوث بن بنت بن زيد بن كهلان بن سبإ بن يعرب بن قحطان [المسعودي، التنبيه والاشراف (١/٢٢٨)].
في أجواء إيمانية بعد سنوات من الشوق لمكة، تم هذا الزواج ليكون رباطًا مقدسًا وتأليفًا للقلوب في بقعة طاهرة، وعن ترتيب هذا الزواج وتوقيته الزمني، يروي ابن إسحاق في (السير والمغازي) ما يلي: قال: "ثم تزوج رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بعد صفية ميمونة بنت الحارث الهلالية، وكانت قبله عند أبي رهم بن أبي قيس أحد بني مالك بن حسل من بني عامر بن لؤي، مات رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ولم يصب منها ولدًا [سيرة ابن اسحاق - السير والمغازي (ص٢٦٦)].
أما عن مكان البناء بها وما ارتبط به من أحداث، يذكر ابن إسحاق: عن عبد اللَّه بن محرز عن يزيد بن الأصم أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو حلال بسرف، وبنى بها وهو حلال في قبة لها، فماتت فيها [سيرة ابن اسحاق - السير والمغازي (ص٢٦٦)].
أم من تولى تزويجها من الصحابة، ينقل الإمام مالك في (الموطأ) هذه الرواية: عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أن رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: "بَعَثَ أَبَا رَافِعٍ مولاه، وَرَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَزَوَّجَاهُ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْمَدِينَةِ، قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ …" [مالك الموطأ (١١٧٦)].
حول الجدل الفقهي عن حال النبي عند العقد، فيوضح محمد بن الحسن الشيباني في (الحجة على أهل المدينة) قائلًا: وَقد جَاءَ فِي ذَلِك مَعَ هَذَا آثَار كَثِيرَة وأصلها أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج مَيْمُونَة بنت الْحَارِث - رضي الله عنهما - وَهُوَ محرم قَالُوا بلغنَا انه تزَوجهَا حَلَالًا روى ذَلِك سُلَيْمَان بن يسَار ان رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث ابا رَافع مَوْلَاهُ ورجلًا من الْأَنْصَار فزوجاه مَيْمُونَة بنت الْحَارِث - رَضِي الله عَنْهَا - [محمد بن الحسن الشيباني، الحجة على أهل المدينة (٢/٢١٤)].
وبالحديث عن وكيلها في النكاح ومقدار مهرها، يذكر ابن هشام في سيرته: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَتْ جَعَلَتْ أَمْرَهَا إلَى أُخْتِهَا أُمِّ الْفَضْلِ، وَكَانَتْ أُمُّ الْفَضْلِ تَحْتَ الْعَبَّاسِ، فَجَعَلَتْ أُمُّ الْفَضْلِ أَمْرَهَا إلَى الْعَبَّاسِ، فَزَوَّجَهَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَكَّةَ، وَأَصْدَقَهَا عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أَربع مائَة دِرْهَمٍ [سيرة ابن هشام، (٢/ ٣٧٢)].
وعن القصة المؤثرة لناقتها وتفويض أمرها لله - رضي الله عنها - يروي ابن هشام - أيضًا - في سياق آخر: وَتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنِ بْنِ بَحِيرِ ابْن هُزَمَ بْنِ رُوَيْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، زَوَّجَهُ إيَّاهَا الْعَبَّاسُ ابْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَصْدَقَهَا الْعَبَّاسُ عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أَربع مائَة دِرْهَمٍ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ ابْن مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَيُقَالُ: إنَّهَا الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَذَلِكَ أَنَّ خِطْبَةَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - انْتَهَتْ إلَيْهَا وَهِيَ عَلَى بَعِيرِهَا، فَقَالَتْ: الْبَعِيرُ وَمَا عَلَيْهِ للَّه وَلِرَسُولِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تبارك وتعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ [سيرة ابن هشام (٢/ ٦٤٦)].
أما تفاصيل مكان البناء (سرف)، يروي الإمام أحمد في مسنده عن ترجمان القرآن: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَيَقُولُ: "إِنَّ نَبِيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ: سَرِفُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَمَّا قَضَى نَبِيُّ اللهِ حَجَّتَهُ، أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِذَلِكَ الْمَاءِ أَعْرَسَ بِهَا" [مسند أحمد (٢٤٩٢)].
وعن اشتقاق اسمها وبركة شخصيتها -رضي الله عنها -، يورد الإمام الترمذي في الشمائل المحمدية: ميمونة: بنت الحارث أم المؤمنين الهلالية تزوجها - صلى الله عليه وسلم - سنة ست من الهجرة وقيل سنة سبع، قيل كان اسمها برة فسماها رسول الله ميمونة، ماتت بسرف وهو ماء بينه وبين مكة عشرة أميال، ودفنت هناك، توفيت سنة ٥١ هـ وكانت قبل أن يتزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - عند أبي رهم بن عبد العزى، وهي مشتقة من اليمن وهي البركة والميمون المبارك [الشمائل المحمدية للترمذي (ص١٦١)].
كانت صلة القرابة بينها -رضي الله عنها - وبين كبار الصحابة، يذكر ابن حبان في كتابه (الثقات): وتزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهرم بن رويبة بن عبد الله بن عامر بن صعصعة، وكانت قبله تحت أبي رهم بن عبد العزى من بني عامر بن لؤي، وماتت ميمونة سنة ثمان وثمانين، وهي خالة عبد الله بن عباس؛ لأن أم عباس أم الفضل أخت ميمونة [السيرة النبوية وأخبار الخلفاء من الثقات لابن حبان (١/ ٤٠٧)].
وحول من اختلف أنها كانت تحت زوج آخر قبل سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يورد ابن حزم في (جوامع السيرة): وقال عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب: بل كانت تحت حويطب بن عبد العزى أخي أبي رهم.
وكانت رضي الله عنها آخر من زوجات حبيبنا - صلى الله عليه وسلم - تزوجها بمكة في عمرة القضاء بعد إحلاله، وبني بها بسرف، وبها ماتت أيام معاوية، وذلك سنة إحدى وخمسين، قاله خليفة، وقبرها هناك معروف [ابن حزم، جوامع السيرة (ص٣٦)].
وعن إصرار قريش على خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة، يضيف ابن حزم في موضع آخر: فلما تمت الثلاث أوجبت عليه قريش أن يخرج عن مكة، ولم يمهلوه حتى يبني بأم المؤمنين، فخرج فبنى بها بسرف [ابن حزم، جوامع السيرة (ص٢٢٠)].
وبالحديث عن الحوار الذي دار بين حبيينا النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين مشركي قريش حينها، يروي البيهقي في دلائل النبوة: عَنْ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ فِي سَفْرَتِهِ فِي هَذِهِ الْعُمْرَةِ، وَكَانَ الَّذِي زَوَّجَهُ الْعَبَّاسُ إبن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَكَّةَ ثَلَاثًا فَأَتَاهُ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى ابن أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدٍّ، فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ وَكَّلَتْهُ بِإِخْرَاجِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مَكَّةَ، فَقَالُوا: قَدِ انْقَضَى أَجَلُكَ فَاخْرُجْ عَنَّا، فَقَالَ لَهُمْ: «لَوْ تَرَكْتُمُونِي فَعَرَّسْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَصَنَعْنَا لَكُمْ طَعَامًا فَحَضَرْتُمُوهُ» فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا بِطَعَامِكَ فَاخْرُجْ عَنَّا فَخَرَجَ وَخَلَّفَ أَبَا رَافِعٍ مَوْلَاهُ عَلَى مَيْمُونَةَ، حَتَّى أَتَاهُ بِهَا بِسَرِفَ فَبَنَى عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هنالك [دلائل النبوة - البيهقي (٤/ ٣٣٠)].
اقترن اسم السيدة ميمونة - رضي الله عنها - بآية الهبة في سورة الأحزاب، مما جعل قصتها مادة غنية للمفسرين في بيان خصوصية النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم.
فعن تفسير آية الهبة وربطها بأم المؤمنين ميمونة - رضي الله عنها - يذكر عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره: عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَٱمۡرَأَةࣰ مُّؤۡمِنَةً إِن وَهَبَتۡ نَفۡسَهَا لِلنَّبِیِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، قَالَ: " إِنَّ مَيْمُونَةَ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ فَقَبِلَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ، وَوَهَبَتْ سَوْدَةُ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، قَالَ: إِنَّ الْهِبَةَ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - خَاصَّةً، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ تَهَبَ لَهُ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ "[تفسير عبد الرزاق (٣/٤٥ (٢٣٥٩)].
وحول خصوصية هذا الحكم لسيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - دون غيره من الناس، يورد الإمام الطبري في (جامع البيان): عن قتادةَ: ﴿خَالِصَةࣰ لَّكَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَۗ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، يقولُ: ليس لامرأةٍ أن تَهَبَ نفسَها لرجلٍ بغيرِ أُمرِ وليٍّ ولا مهرٍ، إلا للنبيِّ، كانت له خالصةً مِن دونِ الناسِ، ويزعُمون أنها نزلَت في ميمونةَ بنتِ الحارثِ، أنها التي وهبَت نفسها للنبيِّ [الطبري، جامع البيان (١٩/١٣٢)].
أما عن تفاصيل لحظة الهبة وهي على ناقته - رضي الله عنها - يذكر ابن قنفذ في (وسيلة الإسلام): وَجَاء عَن شهَاب أَن مَيْمُونَة هِيَ الَّتِي وهبت نَفسهَا للنبيء وَنزل فِيهَا قَوْله تَعَالَى وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنبيء وَالسَّبَب أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبهَا وَهِي راكبة على بَعِيرهَا، فَقَالَت للَّذي جاءها الْبَعِير وَمَا عَلَيْهِ لله وَرَسُوله وَذَلِكَ فِي سنة سبع من الْهِجْرَة [ابن قنفذ، وسيلة الإسلام بالنبي عليه الصلاة والسلام (ص٥٨)].
وفي عرض آراء التابعين حول من هي (الواهبة)، يذكر النحاس في (معاني القرآن): قال - جل وعز: ﴿وَٱمۡرَأَةࣰ مُّؤۡمِنَةً إِن وَهَبَتۡ نَفۡسَهَا لِلنَّبِیِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، قال علي بن الحسين - رضي الله عنه - وعروة والشعبي هي أم شريك وقال الزهري وعكرمة ومحمد بن كعب هي ميمونة ابنة الحارث وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم - [معاني القرآن للنحاس (٥/ ٣٦١)].
أما عن اختلاف الروايات في بقائها تحت عصمته بهذه الهبة، يورد السمعاني في تفسيره: وَقَوله: ﴿وَٱمۡرَأَةࣰ مُّؤۡمِنَةً إِن وَهَبَتۡ نَفۡسَهَا لِلنَّبِیِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وَقُرِئَ: " إِن وهبت " بِالْفَتْح إِذْ بِالْكَسْرِ على الْعُمُوم، وبالفتح على امْرَأَة بِعَينهَا.
وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: لم يكن مِمَّن أمْسكهَا النَّبِي من النِّسَاء أحد وهبت نَفسهَا، وَعَن غَيره أَن مَيْمُونَة بنت الْحَارِث كَانَت مِمَّن وهبت. [تفسير السمعاني (٤/ ٢٩٦)]، وحول حصر الموهوبات وتحديد هويتهن بدقة، يذكر البغوي في تفسيره: وَاخْتَلَفُوا فِي الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهَلْ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ؟
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: لَمْ يَكُنْ عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - امْرَأَةٌ وَهَبَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ إِلَّا بِعَقْدِ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، وَقَوْلُهُ: "إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا" عَلَى طَرِيقِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَوْهُوبَةً، وَاخْتَلَفُوا فِيهَا فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الْهِلَالِيَّةُ، يُقَالُ لَهَا: أُمُّ الْمَسَاكِينِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ.
وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ. [تفسير البغوي - طيبة (٦/ ٣٦٤)].
ثُمَّ نَكَحَ مَيْمُونَةَ بنتَ الحَارِثِ الهِلَاليَّةِ، وَهِيَ التِّي وَهَبتْ نَفْسَهَا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - [المستخرج من كتب الناس للتذكرة والمستطرف من أحوال الرجال للمعرفة (١/ ٣٩٨)].
لم تكن أم المؤمنين ميمونة - رضي الله عنها - زوجة فحسب، بل كانت فقيهة ومحدثة نقلت للأمة جوانب دقيقة من حياة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وعن قائمة الرواة الأعلام الذين نقلوا عنها العلم، يذكر الإمام الذهبي في (تاريخ الإسلام): روى عنها مولياها عطاء وسليمان ابنا يسار، وابن أختها يزيد بن الأصم، وكريب مولى ابن عباس، وابن أختها عبد الله بن عباس، وابن أختها عبد الله بن شداد بن الهاد، وعبيد بن السباق، وجماعة [الذهبي، تاريخ الإسلام (٢/ ٥٤٨)، و- أيضًا - ابن تغري بردي النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (١/ ١٤٢)].
وذكر أبو نعيم - أيضًا - جملة من روى عنها: رَوَى عَنْ مَيْمُونَةَ ابْنُ أُخْتِهَا عَبْدُ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَكُرَيْبٌ، وَعُبَيْدُ بْنُ السَّبَّاقِ فِي آخَرِينَ [معرفة الصحابة لأبي نعيم (٦/ ٣٢٣٤)].
شهدت نهاية حياة أم المؤمنين ميمونة - رضي الله عنها - مفارقة مذهلة؛ حيث توفيت في نفس المكان الذي بدأت فيه رحلتها كزوجة للنبي.
وعن وصيتها قبل الموت وتحقق نبوءة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - لها، يروي البيهقي في (دلائل النبوة): عن يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، قَالَ: ثَقُلَتْ مَيْمُونَةُ بِمَكَّةَ، وَلَيْسَ عِنْدَهَا مِنْ بَنِي أَخِيهَا أَحَدٌ، فَقَالَتْ أَخْرِجُونِي مِنْ مَكَّةَ فَإِنِّي لَا أَمُوتُ بِهَا، إِنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَخْبَرَنِي أَنْ لَا أَمُوتُ بِمَكَّةَ فَحَمَلُوهَا حَتَّى أَتَوْا بِهَا سَرِفَ إِلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بَنَى بِهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَحْتَهَا فِي مَوْضِعِ الْقُبَّةِ فَمَاتَتْ، وَزَادَ قَالَ: فَمَاتَتْ فَلَمَّا وَضَعْتُهَا فِي لَحْدِهَا أَخَذْتُ رِدَائِي فَوَضَعْتُهُ تَحْتَ خَدِّهَا فِي اللَّحْدِ، قَالَ: فَأَخَذَهُ ابْنُ عباس فرمى به [دلائل النبوة - البيهقي (٦/ ٤٣٧)].
وفي تعليقه الشارح لزمن الوفاة ومكان القبر، يقول السندي: ميمونة بنت الحارث الهلاليّة، زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذي القعدة سنةَ سبع لما اعتمر عُمرة القضية، قيل: إنها التي وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت فيها الآية، وقيل: الواهبة غيرها، وقيل بتعدد الواهبة، وهو الأقرب، وجاء أنه تزوجها بسرف، وبنى بها في قبة لها، وماتت بسرف، ودُفنت بموضع قبتها، وكانت وفاتها سنة إحدى وخمسين، وقيل غير ذلك، والله أعلم [مسند أحمد (٤٤/٣٧٨)].
وحول من تولى الصلاة عليها ومكان دفنها، يذكر المقريزي في (إمتاع الأسماع): وتوفيت بسرف في الموضع الّذي ابنتي بها فيه رسول اللَّه، وذلك سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ست وستين، وقيل: سنة ثلاث وستين، وصلّى عليها عبد اللَّه بن عباس، ودخل قبرها هو ويزيد بن الأصم، وعبد اللَّه بن شداد بن الهادي، وهم بنو أخواتها، وعبيد اللَّه الخولانيّ وكان يتيما في حجرها، وهي آخر من تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل: ماتت بمكة فحملت إلى سرف فدفنت هناك [المقريزي، إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع (٦/ ٩١)].
وفي وصف دقيق لموقع قبرها الجغرافي، يذكر الأزرقي في (أخبار مكة): قال أبو الوليد، وقبر ميمونة بنت الحارث الهلالية زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي خالة عبد الله بن عباس على الثنية التي بين وادي سرف وبين أضاة بني غفار ماتت بسرف فدفنت هنالك [أخبار مكة - الأزرقي (٢/ ٢١٣)].
وتُوفِّيتْ بِسَرِفٍ سنةَ ثَمَانٍ وثَلَاثِينَ ودُفِنَتْ هُنَاكَ، رَوَى عَنْها عَبْدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ حَدِيثَهَا: مَرَّ بِشَاةٍ فقالَ: "لَو أَخَذْتمُ إهَابَهَا" [المستخرج من كتب الناس للتذكرة والمستطرف من أحوال الرجال للمعرفة (٢/ ٤٧٨)].
أما عن اختلاف المؤرخين في سنة وفاتها الدقيقة، يورد ابن الأثير في (أسد الغابة): وتوفيت سنة إحدى وخمسين. وقيل: سنة ثلاث وستين عام الحرة، وصلى عليها ابن عباس، ودخل قبرها هو ويزيد بن الأصم، وعبد الله بن شدّاد بن الهاد، وهم أولاد أخواتها، ونزل معهم عبيد الله الخولاني، وكان يتيمًا في حِجرها [ابن الاثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة (٧/ ٢٩٥)].
وعن تزامن وفاتها مع أحداث سياسية هامة، يختم اليافعي في (مرآة الجنان): سنة تسع وثلاثين فيها توفيت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية بسرف في الموضع الذي بنى بها النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فيه وذلك من الاتفاقات العجيبة وقبرها هنالك معروف بين مكة وبطن مر، وفيها تنازع أصحاب عليّ وأصحاب معاوية - رضي الله عنهما - في إقامة الحج، فمشى في الصلح أبو سعيد الخدريّ على أن يقيم الموسم شيبة بن عثمان الحجبي أي من أهل حجابة الكعبة [مرآة الجنان وعبرة اليقظان (١/ ٨٨)].
إن حياة أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث - رضي الله عنها - تمثل تجسيدًا لبركة الوفاء؛ فمن موضع (سرف) بدأت رحلتها الزوجية وفيه انتهت، تاركةً وراءها إرثًا معرفيًّا وقرآنيًّا يبرهن أن عظمة أمهات المؤمنين لم تكن في شرف المصاهرة فحسب، بل في كونهن قنوات أمينة نقلت فقه النبوة من البيت الداخلي إلى فضاء الأمة الرحب.
أم المؤمنين خديجة - رضى الله عنه - وزيرة صِدق، وسند نبوة، وأول المؤمنات عقلًا وبذلًا.
عائشة الصديقة: أم المؤمنين، ونبع العلم، وزوج سيد المرسلين.
حفصة بنت الفاروق: حارسة المصحف، وعالمة بيت النبوة الأَمينة.