وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
شهدت قرية دنديط التابعة لمركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية ميلاد الشيخ محمد أحمد شبيب في الخامس والعشرين من أغسطس لعام ١٩٣٤ م، وهو العام ذاته الذي شهد انطلاق بث الإذاعة المصرية بصوت قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت في الحادي والثلاثين من مايو، وتيمنًا بهذا الحدث الجليل أطلق الأب عليه اسم محمد، واجه الشيخ في صغره محنة صحية شديدة في عامه الثاني كادت تودي بحياته، فنذر والده الحاج أحمد شبيب أن يهبه لخدمة كتاب الله إن شفاه العلي القدير، وهو ما تحقق بفضل الله.
بدأ الشيخ رحلته في كُتَّاب الشيخ توفيق إبراهيم ببلدته؛ حيث نال اللقب المحبب الشيخ محمد منذ خطوته الأولى تشجيعًا له، فأتقن حفظ سبعة عشر جزءًا قبل أن يرحل شيخه إلى جوار ربه، لينتقل بعدها إلى كُتَّاب الشيخ محمد إسماعيل ليعيد بناء حفظه وتجويده من البداية بإتقان شديد، وقبل أن يتم الخامسة عشرة من عمره، بدأ الفتى الموهوب يشق طريقه بإحياء المناسبات المحلية معززًا بالثقة، والتحق بمعهد الزقازيق الديني في عام ١٩٥١ م لدراسة علوم القرآن والمواد الشرعية، ليتألق هناك ويصبح القارئ المعتمد لافتتاح اليوم الدراسي والاحتفالات الأزهرية بالشرقية والقليوبية، حتى اضطر لترك الدراسة بعد أربع سنوات للتفرغ التام للتلاوة بعد أن جابت شهرته أرجاء الوجه البحري.
تعددت المحطات الفارقة في بداية مسيرة الشيخ شبيب؛ ففي عام ١٩٥٠ م وهو في السادسة عشرة من عمره، أحيا مأتمًا بقرية ميت ناجي ليتلقى إشادة بالغة من الشيخ أمين عامر الذي تعاقد معه لإحياء ليالي شهر رمضان المبارك كاملًا مقابل خمس جنيهات، ليرتفع أجره لاحقًا، وفي أواخر الخمسينيات، أتيحت له فرصة تاريخية بالقراءة جنبًا إلى جنب مع عملاق التلاوة الشيخ مصطفى إسماعيل في احتفال مهيب بمولد الشيخ جودة أبو عيسى بمنيا القمح بمحافظة الشرقية، لينال إعجابًا كبيرًا ومساندة قوية من العائلة الأباظية الحاشدة، تلاها موقف مشهود في عام ١٩٥٧ م عندما شارك رئيس رابطة القراء فضيلة الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي في عزاء محمد بك الجمل بالمنصورة، وأبهر الحاضرين بأدائه ليبشره الشعشاعي بمستقبل عظيم.
وفي عام ١٩٦١ م، تعرض الشيخ لمحنة قاسية تمثلت في التهاب شديد بالحنجرة كاد ينهي مسيرته، إلا أن العناية الإلهية أنقذته بعملية جراحية أجراها الدكتور علي المفتي لإزالة نتوء حنجري، ليعود بعدها بأداء نغمي مبتكر قاده للاعتماد رسميًّا قارئًا بالإذاعة المصرية في عام ١٩٦٤ م، وينضم لكوكبة العمالقة الكبار وتتردد أصداؤه الواثقة في شتى أرجاء المعمورة، أمثال الشيخ مصطفى إسماعيل والبنا وعبد الباسط وشعيشع والبهتيمي والمنشاوي وغيرهم من المشاهير، وأصبح اسمه يتردد على الأسماع من خلال تلاواته المتعددة بإذاعات جمهورية مصر العربية.
ارتبط اسم الشيخ محمد أحمد شبيب بأحد أمجد الأيام في التاريخ العربي والوطني، وهو يوم العاشر من رمضان لعام ١٣٩٣ هجرية، الموافق السادس من أكتوبر لعام ١٩٧٣ م؛ إذ كان فضيلته قارئ فجر ذلك اليوم المشهود من مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، وسكب في تلاوته إحساسًا روحانيًّا غامرًا ويقينًا بحدث عظيم يهز الدنيا، وصدق حسه بانطلاق عبور القوات المسلحة لقناة السويس في الظهيرة، وفي مساء اليوم ذاته، اختير الشيخ شبيب ليتلو آيات الذكر الحكيم بسرادق قصر عابدين العامر، فصدح بآيات النصر والتمكين من سورة آل عمران وسط سرادق غص بالجموع الحاشدة التي تلمست القرب من السماء والدعاء للجنود البواسل، فكانت تلاوة تاريخية ممزوجة بمشاعر الفخار والرهبة جسد فيها الشيخ مشاعر الأمة الصامدة، واستعيض بها عن رحلته المقررة إلى سوريا بسبب ظروف الحرب، ليتناوب مع مشاهير القراء على إحياء ليالي رمضان في مساجد القاهرة الكبرى وقصر عابدين لبث الطمأنينة والعزة في قلوب الشعب.
امتدت رحلة العطاء القرآني للشيخ شبيب إلى الساحة الدولية عبر قراءاته المتميزة في دول الخليج العربي وزياراته المتعددة كدولة قطر في عام ١٩٨٢ م، وإمارة أبو ظبي في عام ١٩٨٦ م، ثم دولة الجابون في عام ١٩٨٧ م بدعوة قطرية، وكان للشيخ موعد استثنائي مع التاريخ في عام ١٩٩٤ م، فحينما قررت وزارة الأوقاف إيفاده لإيطاليا، اعتذر فضيلته مفضلًا البقاء بمصر، وقبل حلول شهر رمضان بيوم واحد أخبره الأستاذ جمال الشناوي وكيل أول وزارة الأوقاف بأن هناك دعوة باسمه من قبل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لإحياء ليالي شهر رمضان بالمسجد الأقصى بالقدس فلم يتردد في قبول هذه الدعوة ليشارك الأشقاء الفلسطينيين فرحتهم واحتفاءهم بأول رمضان بعد إقامة دولتهم، وعند وصوله وجد حفاوة واهتمامًا وتكريما بأن وجه إليه الرئيس عرفات الدعوة للإفطار معه بمقر الرئاسة، وكانت سعادته لا توصف عندما تلا قرآن الجمعة اليتيمة بالمسجد الأقصى بين ما يقرب من نصف مليون فلسطيني يتقدمهم الرئيس عرفات وقرأ نفس التلاوة التي قرأها في سرادق عابدين يوم العبور عام ١٩٧٣ م من سورة آل عمران، وظل يكرر قول الله تعالى: ﴿إِن یَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، أكثر من عشرين مرة بناء على رغبتهم، وبعد انتهاء الرحلة كرمه الرئيس عرفات بمنحه شهادة تقدير ونيشان السلطة الفلسطينية تقديرًا لدوره كأول قارئ يتلو القرآن بالمسجد الأقصى بعد العودة إلى فلسطين.
وإذا أردت أن تحصل على ذكريات الشيخ شبيب فعليك أن تسمع إلى الأستاذ أحمد محمد شبيب الذي يحمل كل المواقف في حياة أبيه داخل قلبه وذاكرته، وكذلك الابن إسماعيل محمد أحمد شبيب الطالب بكلية التجارة جامعة الزقازيق والذي يهتم بجمع التراث القرآني لوالده ويحفظ كل تسجيلاته الناتجة عن هذا العمر القرآني لأبيه ويحاول الشيخ محمد تحفيظ ابنه محمود الطالب بالمرحلة الإعدادية القرآن الكريم حتى يتواصل القرآن داخل هذه العائلة، وللشيخ شبيب بنتان متزوجتان الأولى أمل محمد أحمد شبيب المتزوجة من الأستاذ المحامي محمد نجيب نافع، أما الابنة أزهار محمد أحمد شبيب فهي متزوجة من المهندس حسام عبد الحميد الضابط بالقوات المسلحة، ليترك الشيخ إرثًا حافلًا وتراثًا صوتيًا مسجلًا يحتفظ به أبناؤه.
إن موهبة الشيخ شبيب في التعامل مع الموسيقى المرسلة التي يتضمنها القرآن مكنته من الإبداع والمصداقية في الأداء بمشاعر وأحاسيس حركت مشاعر وأحاسيس سامعيه ونتج عن ذلك أن بعضهم كتب أشعارًا منها:
أبيات شعر كتبها الشيخ أحمد إسماعيل علي يقول فيها:
إني لأرغب في شبيب حنانه بسماعه مني تطيب المواجع
دندیط قد رزقت به یاسعدها هو فخرها ولها الضياء الساطع
بلبل تغنى بالقرآن بفنه فتقاسمت أصواته المسامع
الناس حولك يا شبيب تجمعوا من كل فج كالحجيج ليسمعوا
فاقرأ شبيب فكلنا لك عاشق والطفل قبل الشيخ عندك يسمع
شيخ وشيخ في القرآن تصاحبا وكتاب ربي للأحبة يجمع
وقال الأستاذ محمود خليل أحمد من كوم النور مركز ميت غمر دقهلية:
ألا حياك ربي يا شبيب فأنت بذكره نغم طروب
وأنت بروضة القرآن زهر وأنت بحوضه عطر وطيب
فأنت حفظته عن ظهر قلب وقد أرضاك ربي يا شبيب
تذكر كل من يغفو وينسى وتغــــــريه الحياة وقد يخيب
فإنك أنت للظمآن مروي وإنك أنت للعطشــــــى حليب
تبشرهم بجنات عــــدن ويجرى تحتها نهر خصيب
هي الأخرى التي خير وأبقى والحياة فيهــــــا تطيب
وتوفي - رحمه الله - في ٣ أبريل ٢٠١٢، بعد رحلة حافلة في خدمة القرآن الكريم، تاركًا إرثًا ثريًّا من التلاوات والتسجيلات الإذاعية التي ما زالت حاضرة في وجدان محبي القرآن الكريم.
رحل الشيخ محمد أحمد شبيب بعد رحلة حافلة صاغ خلالها مجدًا لبلدته وأمته، مجسدًا بصوته العذب ومواقفه الوطنية الشامخة أبهى صور الوفاء لكتاب الله؛ ليبقى إرثه القرآني وتلاواته التاريخية في عابدين والأقصى محفورة بمداد من نور في ذاكرة الأجيال ودوين الخالدين.
الشيخ مصطفى إسماعيل، قارئ القرآن المصري الشهير، وُلد عام ١٩٠٥ بقرية ميت غزال
هل كان الشيخ محمد رفعت مجرد صوت عبر الأثير، أم كان آية من آيات الله.
يُعدّ الشيخ محمود خليل الحصري مدرسةً متفردةً في دولة التلاوة المصرية
فضيلة الشيخ محمد صالح حشاد، شيخ عموم المقارئ المصرية وخادم القرآن الكريم وأهله