Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

علم دولة التلاوة الشيخ كامل يوسف البهتيمي

الكاتب

هيئة التحرير

علم دولة التلاوة الشيخ كامل يوسف البهتيمي

يبرز اسم الشيخ كامل يوسف البهتيمي رحمه الله في تاريخ وسماء دولة التلاوة والإنشاد؛ كظاهرة لم تكن مجرد صوت رخيم؛ بل كانت تجسيدًا لما سماه أرباب القلوب رياضة عملية بقصد ترقيق القلب وتهيئته، بإثارة الوجد وتزكية النفس وحضور الحب والشوق لله تعالى، فلقد جعل الشيخ البهتيمي رحمه الله من أدائه محرابًا يتجاوز فيه التخفيف من أعباء الحياة، ليحلق بالمستمع في آفاق أبعد مدى وأكثر عمقًا، محولًا السماع إلى رحلة عرفانية خالصة.

الشيخ البهتيمي وتناغمه مع الشريعة بعذوبة صوته

لم يكن أداء الشيخ البهتيمي مجرد تطريب، بل كان انضباطًا روحيًّا يحرص فيه على أن تكون حركاته وسكناته اتساقًا مع روح الشريعة الإسلامية؛ يقينًا منه أن مقام الإحسان لا يتحقق إلا بما رسمته الشريعة، فصوت الشيخ البهتيمي يمثل التغني بالقرآن الكريم كما ينبغي، وفي هذا يقول الإمام النووي: أجمع العلماء رضي الله عنهم من السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار أئمة المسلمين على استحباب تحسين الصوت بالقرآن وأقوالهم وأفعالهم مشهورة نهاية الشهرة فنحن مستغنون عن نقل شيء من أفرادها ودلائل هذا من حديث رسول الله : مستفيضة عند الخاصة والعامة كحديث «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» [أبو داود: ٦٦٤، وابن ماجه: ١٣٤٢، ومسند الإمام أحمد: ١٨٧٠٩] وحديث «إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ أَو الْأَشْعَرِيَّ أُعْطِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» [مسلم: ٧٩٣] وحديث «لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ» [البخاري: ٥٠٢٣، ومسلم: ٧٩٢] [ينظر التبيان في آداب حملة القرآن: ص١٠٩ - دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع].

وهذا ما بيَّنه الإمام القشيري رحمه الله وتحدث عنه في رسالته [الرسالة القشيرية، مطبعة محمد علي صبيح وأولاده، مصر: ص ١٥١].

إن أداء الشيخ كامل يوسف البهتيمي يتنزل منزلة السماع في شأن من يتخذه وسيلة للتقرب من الله [إحياء علوم الدين، ج ٢، ص ٣٠٦]، وكما أعجب النبي ﷺ بقصيدة كعب بن زهير وأعطاه بردته، فإن المستمع لأداء البهتيمي يجد فيه تلك السُنّة النبوية في استماع الصوت الحسن والترنم بالحق [إحياء علوم الدين، ، ج ٢، ص ٣٠٦]، فأهل مكة والمدينة كانوا يمارسون السماع في أفضل أيام السنة؛ وهي الأيام المعدودات التي أمر الله عباده فيها بذكره كأيام التشريق؛ فكما أن العلماء ورثة الأنبياء فالشيخ كامل يوسف البهتيمي رحمه الله هو الوريث لتلك الحناجر التي كانت تُطرب مكة والمدينة في أفضل أيام السنة. [إحياء علوم الدين، جـ ٢، ص ٣٠٦].

تجليات "الأحوال" في حضرة الأداء المتكامل للشيخ الكامل

إن الباحث في عبقرية أداء البهتيمي يدرك أنه أمام "صاحب أحوال لا صاحب أقوال"، فصوته يعكس تلك الحقائق الخفية والحياة الروحية المفعمة بالعشق والشوق، فإذا كان الحارث المحاسبي قد بكى وتواجد حتى رحمه من حضره حين سمع أبيات الغربة [السلمي عبد الرحمن طبقات الصوفية، تحقيق نور الدين شريبة، دار الكتاب العربي مصر: ص٦]، فإن صوت البهتيمي هو ذاك "الوارد الحق الذي يسوق القلوب إلى الحق".

لقد كان أداء الشيخ البهتيمي كفيلًا بأن يعيد مشهد ذي النون المصري حين سقط متواجدًا من غلبة الوَجْد [المرجع السابق]، فالبحَّة الشجيَّة في صوته تثير ما يخفيه المحب بين جوانحه من "أحوال العشق"، تمامًا كما فعلت أبيات عتبة الغلام التي جعلت القوم يرفعون الطعام وما ذاقوا منه لقمة من فرط التأثر [إحياء علوم الدين: ج ٢، ص ٢٩٣]. إن مجالس الشيخ البهتيمي لم تكن مجرد استماع، بل كانت مواجيد تثير المشاعر الدينية، وليس كما تفعل المجالس العلمية النمطية.

الأبعاد النفسية والتربوية في مدرسة البهتيمي

تتجلى قيمة القامة السامقة للشيخ كامل يوسف البهتيمي في قدرة صوته على تحقيق الترويح عن القلوب وتنفيسًا لها من عنائها، ففي بحة صوته سرٌّ إلهي يجعل النفس إذا دخلها الحزن يشتعل نورها فرحًا، لقد وضع الله في حنجرة الشيخ البهتيمي من تلك "الأسرار والأعاجيب" ما يجعل القلوب تقشعر وتلين وتطمئن.

وكما تنبه الحكماء قديمًا إلى أن الطفل يسكن للصوت الطيب، فإن صوت الشيخ البهتيمي يرسخ في نفوس محبيه قيمًا جمالية راقية، ويورثهم حب النظام والرقة واللطافة، وصدق الإمام الغزالي حين قال إن من لا يحركه مثل هذا الصوت فهو "شخص مريض فاسد المِزاج ليس له علاج" [الغزالي أبو حامد: إحياء علوم الدين، ج ٢، ص ٢٧٥].

 إن أداء الشيخ البهتيمي يلين القلوب القاسية ويزيل عنها "النزق والغلظة"، بل يمثل منهجًا علاجيًّا يطرد "الكآبة" وينشر الفرح في الروح.

الحضور العرفاني ومعراج "العهد الأول" بصوت البهتيمي

إن أداء الشيخ البهتيمي رحمه الله مرقاة للتفكر في عظمة الخالق، فصوته الشجي يملأ الباطن رقة وإعجابًا ويكون دافعًا للاعتبار؛ بل إن لصوته دورًا أثيرا في "تذكير القلب بالعالم الروحي ومجمع الحسن والجمال؛ وكأن نغمات صوت الشيخ البهتيمي تحرك في الأرواح ذكرى "الميثاق الأول" كما بين الإمام القُشَيري بأن للسماع دور في تذكير القلب بالعالَم الرُّوحاني الذي هو مجمع الحسن والجمال، فمتى سمع الروح النغمات اللذيذة والألحان المتناسبة تأثر بها؛ وكأن تلك النغمات محركة له لتذكر عالمه الأصلي، ولذا لما سئل الإمام الجُنيد عن الإنسان يكون هادئًا فإذا سمع السماع اضطرب، فأجاب: "إن الله تعالى لما خاطب الذرّ في الميثاق الأول بقوله: ﴿أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، استفرغت عذوبةُ سماع الكلام الأرواحَ، فلما سمعوا السماع حركهم ذلك" [ينظر الرسالة القشيرية، ص ١٥٣، والتعرف لمذهب أهل التصوف، ص ١٧٨].

فحين يصدح الشيخ كامل يوسف البهتيمي، فإنه يجسد حال ابن الفارض حين قال: "فأشهدها عند السماع بجملتي" فإن حنين الروح في صوته يذكرنا بنجوى العهود القديمة، ويجعل المستمع كالصبي الذي "ينصت ويطرب ويتهادى؛ لأنه تذكر العالم الروحاني الذي قدم منه" [ابن الفارض عمر الديوان شرح هيثم هلال، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط١، ٢٠٠٣م: ص ٥٤]، فصوت الشيخ البهتيمي -رحمه الله- هو الإيماء الخفي الذي يحدث بين النفس والروح.

آداب السماع في حضرة الشيخ كامل البهتيمي رحمه الله

لقد كان الشيخ كامل يوسف البهتيمي نموذجًا في أدب السماع، حيث كان أداؤه يفرض على المستمعين ضوابط "الزمان والمكان والتآخي "فمجلسه يبدأ بآيات الله عز وجل، وينتهي بالوجد الصادق، وأداء الشيخ يشترط في مستمعه "صدق الحال"؛ فمن سمع الشيخ البهتيمي بصدق تفتقت وتجلت له الحقائق.

إن الشيخ البهتيمي بصوته يدعو المستمع إلى "المحمود من التواجد"؛ وهو الذي يكون لاستدعاء الأحوال الشريفة واكتسابها حتى تصير طبعًا، فصوته يحث على التباكي والتحازن الخشوعي الذي يثمر في النهاية حقيقة الوجد والاتصال ببارئ الأرض والسماء.

الخلاصة

يبقى الشيخ كامل يوسف البهتيمي من أكابر المعلمين في مدرسة السماع الروحي، الذي لم يخرج قيد أنملة عن ضوابط الشريعة، بل جعل من صوته "وسيلة لترقيق القلوب وتهيئتها لفهم الخطاب الديني" فإن إعراض البعض عن تذوق هذا الجمال هو حرمان من مشاهدة ما في بواطن هذه المواجيد من أفراح، فرحم الله الشيخ البهتيمي، الذي جعل من صوته معراجًا لا ينقطع، ووسيلة مساعدة على محبة الله والتعرف إليه.

موضوعات ذات صلة

 من أبرز أعلام القراءات في العصر الحديث. 

 مدرسة متفردة في دولة التلاوة المصرية، جمع بين عذوبة الصوت ودقة الأحكام.

القارئ المصري المعروف، ذاعت شهرته ليصبح قارئًا بارزًا في الإذاعة والمناسبات الملكية، ثم انتقل إلى العالمية.

 الصوت الذي صاغ وجدان الأمة، وارتفعت به مصر؛ لتكون (دولة التلاوة) في العالم الإسلامي.

شيخ عموم المقارئ المصرية وخادم القرآن الكريم وأهله.

موضوعات مختارة